أقلام لا تباع: قصة عمرو بن عبيد مع الخليفة المنصور
عمرو بن عبيد الزاهد
أحد زهاد المعتزلة في البصرة، جالس الحسن البصري وحفظ عنه كثيرًا من علومه، واشتهر بسمته وزهده وسمعته الطيبة بين أهل زمانه.
روى الحسن البصري عنه يومًا قائلاً:
«هذا سيد شباب أهل البصرة إن لم يحدث».
ثم اعتزل كل واحد منهما صاحبه، وترك عمرو مذهب أهل السنة، وارتبط اسمه بالمعتزلة.
مواجهة عمرو مع الخليفة
دخل عمرو على الخليفة المنصور مع جماعة من أهل العلم لاستشارته في أمر، فوافق الجميع على مراد الخليفة إلا عمرو، الذي نصحه بطريقة مختلفة عن السائد:
«يا أمير المؤمنين، إن هذا الأمر لو كان باقياً لأحد قبلك لما وصلك. ألم تر كيف فعل ربك بعاد وإرم ذات العماد؟»
تأثر المنصور بالبكاء حتى بلّ ثوبه، فاقترب الربيع وقال له: «يا عمرو، غممت أمير المؤمنين».
ثم قال المنصور:
«فماذا أصنع؟ هذا خاتمي في يدك، فخذه أنت وأصحابك».
يا له من عرض سخي، عرض يسيل له اللعاب! لكنه لم يكتفِ بالقبول،
فأجاب عمرو:
«ادعنا بعدلك تسمح أنفسنا بعونك، ببابك ألف مظلمة، اردد منها واحدة حتى نعلم أنك صادق».
ثم قال له المنصور: «أعنّي بأصحابك يا عمرو؟»
فأجابه عمرو بعبارته الخالدة:
«ارفع علم الحق يتبعك أهله».
طبقات الرسالة المحورية
لم يكن عمرو ساذجًا ولا ثائرًا أحمق. كان يستطيع أن يقول للخليفة: «أنت ظالم ولن أعاونك»، فيخرج من القصر وقد سجل موقفًا صاخبًا، لكنه خسر فرصة التأثير. أما عبارته فكانت أذكى: «ادعنا بعدلك تسمح أنفسنا بعونك». دعوة غير مباشرة للسلطان إلى ممارسة العدل لكسب نصرة أهل العلم وأصحاب الكلمة.
قراءة بين سطور السياسة
عمرو لم يكن يجهل وضع المنصور، بل كان يقرأ المشهد جيدًا. فالمنصور لم يرث دولة مستقرة، وإنما ورث دولة عباسية ناشئة قامت بعد صراع طويل مع الأمويين، وما زالت محاطة بالمتربصين بها من الداخل والخارج.
كان عليه أن يثبت أقدام الدولة، وأن يحسم مسألة ولاية العهد وما أثارته من تنازع، وأن يواجه عمه عبد الله بن علي الذي خرج عليه مطالبًا بالخلافة. وكان العلويون أيضًا مصدر معارضة حقيقية، ثم كان أبو مسلم الخراساني، صاحب الدور الأكبر في إسقاط الدولة الأموية وقيام العباسية، قوة هائلة لا يمكن للخليفة أن يتجاهلها؛ حتى انتهى الأمر بالمنصور إلى التخلص منه.
فأي خليفة هذا الذي يجلس أمام عمرو؟ رجل لم يمض على وصوله إلى الحكم وقت طويل، وتحيط به الخصومات من كل جانب، ويحتاج إلى تثبيت دولته كما يحتاج إلى تثبيت صورته بين الناس. وهنا تظهر قيمة أهل العلم وأصحاب الأقلام؛ فالخليفة يملك السيف والمال، أما هؤلاء فيملكون شيئًا لا يستطيع الخليفة شراءه بسهولة: ثقة الناس وكلمة الحق.
ولو قال عمرو: «أنت ظالم ولن أعاونك»، لخرج من القصر مهددًا حياته وخسر فرصة التأثير. لكنه اختار طريقًا أذكى: لم يبع موقفه، ولم يقطع طريق التعاون، بل وضع له شرطًا واضحًا: ارفع علم الحق يتبعك أهله.
ثم يبقى السؤال المزعج: ماذا لو نشر عمرو مذهبه، وأصبح أصحابه على مناصب عليا؟ هل كان سيفعل كما فعل بعض أبناء مذهبه من التنكيل بالخصوم؟ لا يمكن الجزم، وإن كان التاريخ اللاحق للمعتزلة، وما وقع في المحنة، يجعل السؤال مشروعًا.
لكن لا يصح أن نحاكم عمرو بما فعله غيره بعده. فالرجل هنا لم يطلب مالًا ولا منصبًا، ولم يبع كلمته للسلطان؛ بل قالها واضحة:
«ارفع علم الحق يتبعك أهله».

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق