الجامعة ليس لها عمر محدد
الجامعة ليس لها عمر محدد:
الجامعة ليست لها صلاحية انتهاء
في إحدى قاعات الجامعة، رفع طالبٌ مسنّ يده وقال للأستاذ:
— لو سمحت يا أستاذ، هل يمكنك إعادة الجملة الأخيرة؟ لم أسمعها جيدًا.
نظر إليه الأستاذ نظرةً توحي بأن الرجل لم يطلب إعادة جملة، بل طلب إعادة المحاضرة منذ اختراع الكتابة، وقال بسخرية:
— إذا كنتَ لا تسمع جيدًا ولا ترى جيدًا، فربما كان مكانك دارَ المسنين، لا الجامعة. هذه قاعة علم، وليست مكانًا لقضاء أيام التقاعد بدلًا من الجلوس في المقهى.
ساد الصمت.
أما الرجل المسن فلم يغضب، بل ابتسم ابتسامة جعلت بعض الطلاب يدركون أن الأستاذ قد دخل امتحانًا لم يستعد له.
قال الرجل:
— أستاذنا الكبير، صاحب العلم الغزير والوقت الخطير… هل تسمح لي بسؤال صغير لن يستهلك من شبابك أكثر من دقيقة؟
ضحك بعض الطلاب.
قال الأستاذ متجهمًا:
— اسأل.
— أين كنت عندما بدأت الحرب؟
قال الأستاذ:
— كنت طالبًا في الجامعة.
هز الرجل رأسه وقال:
— يا للمصادفة! وأنا أيضًا كنت طالبًا في الجامعة، وكانت علاماتي ممتازة. لكن الفرق البسيط بيننا أنك بقيت جالسًا على مقعدك، وأنا تركت مقعدي وذهبت متطوعًا إلى الجبهة.
سكت قليلًا ثم تابع:
— حملتُ البندقية بدل القلم، ونمتُ في الخنادق بدل السكن الجامعي، وتركتُ مستقبلي الدراسي لأدافع عن الوطن… ومن ضمن الأشياء التي دافعت عنها، مع الأسف، حقك أنت في أن تكمل دراستك، وتحصل على شهادتك، وتقف اليوم أمامي لتشرح لي أنني أصبحت قديمًا ولا أصلح للجامعة!
احمرّ وجه الأستاذ وقال:
— لم أقصد إهانتك.
قال الرجل:
— لا أبدًا! دار المسنين والمقهى وضعف السمع والبصر كلها بالتأكيد عبارات ترحيبية تستخدمها الجامعات الحديثة مع الطلاب الجدد!
انطلقت ضحكات مكتومة في القاعة.
وأضاف:
— بقي فقط أن تعطيني مكنسة وتقول: بما أنك حضرت مبكرًا يا حاج، نظّف القاعة قبل أن يصل الطلاب الحقيقيون!
ارتفعت الضحكات، بينما حاول الأستاذ أن يحافظ على ما تبقى من هيبته.
لكن الرجل أكمل:
— اسمعني جيدًا يا أستاذ، بما أن سمعك، والحمد لله، لا يزال ممتازًا: أنا لم آتِ إلى هنا لأطلب منك صدقة، ولم أسرق مقعدًا من بيتك، ولم أتسلل إلى الجامعة للاحتماء من البرد. دفعت الرسوم وسجلت طالبًا، وهذا المقعد حقي مثلما هو حق الطالب ابن الثامنة عشرة.
ثم أشار إلى السبورة وقال:
— العلم يا أستاذ ليس علبة حليب مكتوبًا عليها: «يُستهلك قبل سن الخامسة والستين». ولا توجد عند بوابة الجامعة لجنة تفحص الأسنان والشعر الأبيض قبل السماح للناس بالدخول.
ابتسم بعض الطلاب، فقال:
— من أراد العلم في العشرين فليتعلم، ومن أراده في الستين فليتعلم، ومن أراده في الثمانين فضع له كرسيًا مريحًا واتركه يتعلم. فالجهل وحده هو الذي لا يحتاج إلى عمر؛ بعض الناس يحصلون عليه مبكرًا جدًا!
انفجرت القاعة بالضحك.
أطرق الأستاذ رأسه.
فقال الرجل:
— ومهمتك يا أستاذ أن تعلّم من جلس أمامك، لا أن تحدد له موعدًا مع دار المسنين. أنت أستاذ جامعة، ولست موظفًا في دائرة التقاعد، ولا طبيبًا يحدد تاريخ انتهاء صلاحية البشر، ولا قاضيًا في محكمة جنايات يحاكم المتهم بتهمة بلوغ السبعين.
ثم ابتسم وأضاف:
— وإذا كنتَ ترى أن كبر السن يمنع الإنسان من دخول الجامعة، فانتبه جيدًا لهذه النظرية… لأنك، حسب علمي، تتقدم نحو باب دار المسنين نفسه كل صباح، بفارق يوم واحد فقط!
ضحك الطلاب وصفق بعضهم.
جمع الرجل أوراقه بهدوء، ثم قال:
— عندما كنت شابًا تركت الجامعة لأن الوطن احتاجني. واليوم عدت إليها لأنني أنا الذي أحتاج العلم. وفي المرتين لم أطلب إذنك.
ثم جلس على مقعده وقال:
— والآن يا أستاذ… هل يمكنك إعادة الجملة التي سألتك عنها؟
نظر الأستاذ إليه لحظة، ثم أعادها كاملة.
فابتسم الرجل وقال:
— ممتاز… أرأيت؟ لم تسقط الجامعة، ولم يتعطل التعليم، ولم تحتج حتى إلى استدعاء سيارة إسعاف لنقلي إلى دار المسنين!
وهذه المرة، كان أكثر شخص في القاعة حاجةً إلى درس…
هو الأستاذ.

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق