في هذا المقال
محمد علي باشا وبناء الجيش المصري

شهدت مصر في العصر الحديث تحولاً جذرياً نقلها من مجرد ولاية عثمانية معزولة تعاني من الفوضى، إلى قوة إقليمية وعالمية يُعمل لها ألف حساب. يقترن هذا التحول التاريخي باسم محمد علي باشا، الرجل الذي تولى حكم مصر عام 1805 وأدرك بعبقريته الفذة أن بناء دولة قوية ومستقلة لا يمكن أن يتحقق دون امتلاك جيش نظامي قوي ومحترف. قبل عهده، كانت القوات العسكرية في مصر تتألف من فرق غير نظامية من المماليك والألبان والأرناؤوط، وهي جماعات اتسمت بالتمرد، ونهب الأهالي، وعدم الولاء للحاكم، مما جعل إقصاءهم واستبدالهم ضرورة حتمية لبناء الدولة الجديدة.
بدأت الرحلة الفعلية لتأسيس الجيش بسلسلة من التجارب والمحاولات التي واجهت تحديات كبيرة. حاول محمد علي في البداية تدريب فرقة من الجنود الألبان على النظام الحديث، لكنهم ثاروا ضده وكادوا يطيحون بحكمه.
بعد ذلك، اتجهت أنظاره نحو السودان لتجنيد أبنائه، وبالفعل أرسل حملة عسكرية بقيادة ابنه إسماعيل، إلا أن هذه التجربة لم تنجح بسبب تفشي الأمراض واختلاف المناخ الذي أدى إلى وفاة أعداد كبيرة منهم. أمام هذه العقبات، اتخذ الباشا قراره التاريخي والأكثر جرأة، وهو الاعتماد على الفلاحين المصريين وتطبيق نظام التجنيد الإجباري لأول مرة في تاريخ مصر الحديث. ورغم التخوفات الأولية ومقاومة الأهالي لعدم اعتيادهم على هذا النظام، إلا أن الفلاح المصري أثبت فور انخراطه في المعسكرات انضباطاً مذهلاً، وقدرة فائقة على تحمل المشاق، وشجاعة نادرة في مواجهة الأخطار.
ولتحويل هؤلاء الفلاحين إلى قوة عسكرية ضاربة على الطراز الأوروبي، استعان محمد علي بالخبرات الفرنسية المتطورة، وكان على رأسها الضابط المحترف الكولونيل سيف، الذي اعتنق الإسلام لاحقاً وتسمى باسم سليمان باشا الفرنساوي. أسند إليه الباشا مهمة تنظيم القوات وتدريبها. وتجنباً للمؤامرات والاضطرابات السياسية في العاصمة، اختار محمد علي مدينة أسوان في أقصى جنوب مصر لتكون مقراً لأول مدرسة حربية لتخريج الضباط عام 1820. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تلاها تأسيس مدارس عسكرية متخصصة في المشاة، والخيالة، والمدفعية، والهندسة العسكرية .
ولم يكن مشروع محمد علي مجرد ثكنات عسكرية، بل كان منظومة حضارية وتنموية شاملة صُممت كلها لخدمة المجهود الحربي وتحقيق الاكتفاء الذاتي. فمن أجل توفير الرعاية الصحية للجنود ومنع انتشار الأوبئة بين الصفوف، أنشأ الباشا مدرسة الطب بأبي زعبل والمستشفيات العسكرية بقيادة الطبيب الفرنسي كلوت بك. ولتأمين السلاح والذخيرة دون ارتهان الإرادة المصرية للدول الأجنبية، أسس ترسانة القلعة لصب المدافع وصناعة البنادق والبارود. كما شيد ترسانة الإسكندرية الكبرى لبناء السفن الحربية، مما سمح بميلاد أسطول بحري قوي جاب البحرين الأحمر والمتوسط.
أثمرت هذه الجهود الجبارة عن ولادة قوة عسكرية مرعبة غيرت خريطة التوازنات الدولية في المنطقة. خاض الجيش المصري معارك طاحنة أثبت فيها كفاءة قتالية أذهلت القوى العظمى؛ فبدأ بحرب الحجاز، ثم حرب اليونان (المورَة)، وصولاً إلى حملات الشام التاريخية بقيادة القائد الفذ إبراهيم باشا. حقق الجيش انتصارات ساحقة على الجيوش العثمانية في معارك مثل "حمص" و"قونية" و"نصيبين"، حتى باتت قواته على مشارف العاصمة العثمانية نفسها، لولا تدخل الدول الأوروبية التي فزعت من تعاظم القوة المصرية وفرضت معاهدة لندن 1840 للحد من هذا التوسع. لقد أثبتت تجربة محمد علي أن الجيش لم يكن أداة للحروب فقط، بل كان القاطرة الأساسية التي دفعت عجلة التعليم، والصناعة، والطب، والإدارة، ليصبح الأساس المتين الذي قامت عليه مصر الحديثة.


النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق