في هذا المقال
حكايات عم بدر
الحلقة الأولى: كريم والكرة المضيئة
كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل بقليل.
الشارع هادئ بشكل غريب، والبيوت كلها تقريبًا أطفأت أنوارها، إلا شباكًا هنا أو مصباحًا هناك.
كانت سارة، ذات الثمانية أعوام، مستلقية على سريرها تحاول النوم، عندما سمعت صوتًا يأتي من بعيد:
تك... تك... تك…
فتحت عينيها.
سكت الصوت لحظة، ثم عاد من جديد.
تك... تك... تك…
نهضت سارة من سريرها واتجهت إلى النافذة.
في آخر الشارع، ظهر شيء لم تره من قبل.
عربة خشبية صغيرة، تجرها عجلات قديمة، وفوقها فانوس يعطي ضوءًا أصفر دافئًا. وعلى جانبها هلال فضي صغير يلمع كلما تحركت العربة.
لكن الغريب أنها لم تكن تسير بسرعة.
كانت تتحرك ببطء شديد…
حتى توقفت أمام بيت كريم.
رفعت سارة حاجبيها.
في نفس اللحظة، انفتح باب بيت كريم، وخرج هو مرتديًا ملابس النوم وفوقها جاكت صغير.
وقف أمام العربة للحظات، وكأنه هو نفسه لا يعرف لماذا خرج.
كان الرجل العجوز الواقف خلف العربة ينظر إليه بهدوء.
قال كريم:
— إنت مين؟
ابتسم الرجل وقال:
— الجو برد... واقف بره ليه؟
اقترب كريم خطوة.
— معرفش... حسيت إني لازم أطلع.
سكت الرجل لحظة، ثم قال:
— وأنا اسمي عم بدر.
— عم بدر؟
— وإنت اسمك إيه؟
— كريم.
نظر عم بدر إلى كريم طويلًا، ثم سأل:
— محتاج حاجة يا كريم؟
ضحك كريم بسخرية صغيرة.
— يعني إنت بتبيع حاجات؟
— أيوه.
— طب عندك حاجة تخلي بابا يبطل يزعقلي؟
اختفت الابتسامة من وجه عم بدر.
قال بهدوء:
— دي مش حاجة أقدر أبيعها لك.
خفض كريم عينيه.
— طب تقدر تساعدني؟
فكر عم بدر قليلًا.
— أقدر أحاول.
جلس كريم على حافة الرصيف وبدأ يحكي.
باباه كان يزعق له لما يجيب درجة وحشة، أو يتأخر، أو يكسر حاجة، وأحيانًا كان يكون غاضبًا أصلًا، فيصبح كريم أول شخص يقابله.
ومع الوقت، أصبح كريم يخاف من مجرد سماع صوت مفتاح الباب.
قال كريم:
— ساعات لما أغلط... بقول إني معملتش حاجة.
سأله عم بدر:
— وليه؟
— عشان لو قلت الحقيقة هيزعق.
— ولما بتكدب؟
سكت كريم.
— ساعات بيصدقني.
— وساعات؟
— بيكتشف الحقيقة بعدين... وساعتها بيزعق أكتر.
ظل عم بدر ساكتًا.
ثم قال:
— يعني خوفك بيخليك تكذب... والكذبة بتعمل مشكلة أكبر... والمشكلة الأكبر بتخليك تخاف أكتر.
هز كريم رأسه.
أخرج عم بدر من العربة كرة زجاجية صغيرة، شفافة، وفي داخلها نقطة ضوء خافتة.
ناولها لكريم.
— دي مش هتخلي باباك يبطل يزعق.
نظر كريم إليها باستغراب.
— أمال هتعمل إيه؟
— هتفكرك بحاجة واحدة.
— إيه؟
— لما تخاف... ما تخليش خوفك هو اللي يقرر عنك.
ظل كريم ينظر إلى الكرة.
— يعني أقول الحقيقة؟
— حتى لو كنت خايف منها.
— بس ممكن يزعق.
— ممكن.
— ومش هتساعدني؟
ابتسم عم بدر.
— أنا مش هقدر أعيش مكانك يا كريم. ولا أقدر أغير الناس بدلًا منك.
ثم أضاف:
— لكن أقدر أخليك تبدأ تغيّر الحاجة اللي تقدر عليها.
مد كريم يده وأمسك الكرة.
— وإيه تمنها؟
قال عم بدر:
— وعد.
— وعد بإيه؟
— لما تغلط، ما تكذبش عشان تهرب من اللي حصل.
ظل كريم ساكتًا.
ثم قال:
— حاضر.
وقبل أن يتحرك، أضاف عم بدر:
— وخلي بالك من حاجة.
رفع كريم عينيه.
— إنك تخاف من زعيق حد... مش معناها إنك ما تحترموش. أبوك يفضل أبوك. تسمع كلامه وتحترمه، ولو غلطت تعترف بغلطك. لكن الخوف منه مش لازم يخليك تكذب.
هز كريم رأسه.
ثم عاد إلى بيته.
وكانت سارة قد نزلت من غرفتها بعدما رأته يخرج، وتبعته من بعيد حتى وقفت خلف سور منخفض في أول الشارع.
لم تسمع كل الكلام، لكنها رأت الكرة المضيئة في يده.
انتظرت حتى دخل كريم البيت.
ثم خرج عم بدر بالعربة.
لكن قبل أن يبتعد، لمح سارة.
قال:
— اتأخرتِ.
تجمدت سارة.
— إنت... تعرفني؟
ابتسم عم بدر.
— لسه هتعرفي.
اقتربت منه.
— إنت بتبيع إيه؟
— حاجات الناس محتاجاها.
— وأنا؟
لم يجب.
بدأت العربة تتحرك.
ركضت سارة خطوتين خلفه.
— استنى!
لكن عم بدر قال دون أن يلتفت:
— روحي نامي يا سارة.
توقفت.
كيف عرف اسمها؟
ظلت تنظر للعربة وهي تبتعد.
وفي تلك الليلة، لم تعرف سارة أيهما أغرب…
أن العربة ظهرت أمام بيت كريم…
أم أن صاحبها كان يعرف اسمها.
---
في صباح اليوم التالي، حدث أول اختبار حقيقي لكريم.
كان يحمل كوبًا زجاجيًا في المطبخ، وحين استدار اصطدمت يده به.
سقط الكوب على الأرض.
تَك!
نظر كريم إلى القطع الزجاجية.
وفي اللحظة نفسها، سمع صوت والده من الغرفة المجاورة:
— كريم! إيه اللي اتكسر؟
فتح كريم فمه.
كانت الإجابة القديمة جاهزة:
معرفش.
لكنه تذكر الكرة.
وضع يده في جيبه.
ثم قال:
— أنا يا بابا... أنا اللي كسرته.
دخل والده ونظر إلى الأرض.
ارتفع صوته:
— مش تاخد بالك إنت بتعمل إيه؟!
انكمش كريم في مكانه.
لكنه لم يكذب.
ولم يهرب.
قال والده بغضب:
— هات المكنسة ونضف اللي وقع.
— حاضر.
بدأ كريم ينظف.
ظل والده غاضبًا، ولم تتحول اللحظة فجأة إلى شيء مثالي.
لكن شيئًا واحدًا كان مختلفًا.
كريم لم يضف كذبة جديدة إلى المشكلة.
---
في المدرسة، في اليوم التالي، جلست سارة بجوار كريم في الفسحة.
نظرت إليه وقالت:
— إيه اللي حصل امبارح؟
رفع كريم عينيه.
— إنتِ تقصدي إيه؟
— عم بدر.
سكت كريم لحظة.
ثم قال:
— قابلته.
— وقالك إيه؟
حكى لها كريم عن الكرة، وعن الوعد.
ثم أخبرها عن الكوب.
سألته سارة:
— وباباك عمل إيه؟
— زعق.
عبست سارة.
— أومال عم بدر ساعدك إزاي؟
ابتسم كريم قليلًا.
— هو ما قالش إنه هيخلي بابا يبطل يزعق.
— أمال؟
فكر كريم للحظة.
— خلاني أقول الحقيقة وأنا خايف.
ثم أضاف:
— زمان كنت بكذب عشان أهرب من الزعيق... وبعدها لما بابا يكتشف الكذبة كان بيزعق أكتر.
سكت قليلًا.
— المرة دي زعق برضه... بس الموضوع خلص.
نظرت إليه سارة باهتمام.
— يعني الكرة سحريّة؟
ضحك كريم.
— معرفش.
ثم أخرجها من جيبه.
كانت نقطة الضوء داخلها ما زالت موجودة.
قال:
— بس يمكن أنا اللي محتاجتها أكتر من أي حد.
---
مر يومان.
نسي كريم كراسته في المدرسة.
وعندما عاد إلى البيت سأله والده:
— الكراسة فين؟
تردد كريم للحظة.
ثم قال:
— نسيتها في المدرسة.
نظر إليه والده.
— بكرة ما تنسهاش.
وانتهى الأمر.
لم يكن والده هادئًا دائمًا.
كان لا يزال يغضب أحيانًا، ويرفع صوته أحيانًا أخرى.
لكن كريم بدأ يقول الحقيقة من البداية.
ومع كل مرة، كانت المشاكل تنتهي أسرع.
ومع الوقت، بدأ والده يلاحظ شيئًا.
كريم لم يعد يخفي أخطاءه.
فبدأت ثقته فيه تزيد.
وبالتدريج، بدأ الزعيق يقل.
ليس لأن الكرة غيّرت الأب…
ولا لأن عم بدر امتلك تعويذة تصلح البيوت.
ولكن لأن الدائرة القديمة بدأت تنكسر.
خوف... ثم كذبة... ثم مشكلة أكبر... ثم خوف أكثر.
وكريم توقف عن إضافة الكذبة.
---
بعد عدة أيام، كانت سارة تمشي بجوار كريم في طريق العودة.
قالت:
— فاكر عم بدر؟
ابتسم كريم.
— أيوه.
— والكرة؟
أخرجها كريم من جيبه.
— لسه معايا.
نظرت إليها سارة.
ثم سألت:
— وإنت شايف إنه ساعدك فعلًا؟
فكر كريم قليلًا.
ثم قال:
— أيوه.
— إزاي؟
نظر إلى الكرة وقال:
— هو ما خلّاش بابا يبطل يزعق…
ثم ابتسم.
— هو خلاني أنا أبطل أهرب.
لم تعرف سارة ماذا تقول.
ظلت تنظر إليه لحظة.
ثم شعرت بشيء غريب.
صوت بعيد في آخر الشارع.
تك... تك... تك…
التفتت.
لم ترَ العربة بوضوح.
فقط ضوء فانوس صغير يتحرك عند نهاية الطريق.
وبجواره وقف عم بدر.
كان ينظر إليها.
ثم رفع يده وأشار إلى شيء على العربة.
لكن قبل أن تتمكن سارة من اللحاق به، اختفى خلف أحد البيوت.
في صباح اليوم التالي، وجدت سارة ورقة صغيرة موضوعة أمام باب غرفتها.
فتحتها.
كان مكتوبًا عليها:
**"يا سارة…
إنتِ مش أول مرة تشوفي العربة."**
قلبت الورقة.
وفي ظهرها كان هناك هلال فضي صغير.
ظلت سارة تنظر إليه.
لم تكن خائفة.
لكنها شعرت بشيء أغرب…
إحساس بأنها رأت هذا الهلال من قبل.
منذ وقت طويل جدًا.
قبل أن تعرف حتى ما هي عربة عم بدر.
رفعت سارة رأسها ببطء.
وكان هناك سؤال واحد فقط يدور في عقلها:
لو كانت دي فعلًا مش أول مرة تشوف فيها العربة…
فإمتى كانت أول مرة؟
ومن بعيد…
عاد الصوت مرة أخرى:
تك... تك... تك…
يتبع…
في الحلقة الثانية: حكاية طفل فقد شيئًا أغلى مما كان يظن... وعندما يصل إلى عربة عم بدر، سيكتشف أن بعض الأشياء لا تضيع بالصدفة.
تابع جديد Hekawina
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق