في هذا المقال
ضيف المقعد الخلفي
حسام كان سواق تاكسي في القاهرة، وبقاله أربع سنين بيتجنب الطريق الصحراوي. أي مشوار ناحية إسكندرية كان بيروحه من الطريق الزراعي، حتى لو أطول وأتعب. محدش كان يعرف السبب، ولا حتى مراته.
بس الليلة دي كانت مختلفة. أمه محتاجة عملية مستعجلة والفلوس ناقصة، فوافق على مشوار طويل لإسكندرية بأجرة تقيلة. وصّل الزبون الساعة تسعة بالليل، وقعد يشرب شاي في كافتيريا على الكورنيش. ولاحظ إن الجرسون ما رديش عليه لما شكره، وإن الشاي ساقع من أول رشفة.
حوالي نص الليل طلع على الطريق الزراعي، والضباب كان تقيل لدرجة إنه مش شايف أبعد من متر. بعد نص ساعة لقى عربية شرطة واقفة، وظابط بيشاور له من بعيد.
قال الظابط وهو باصص قدامه مش في وشه: «الطريق مقفول يا أسطى، فيه حادثة قدام. لف على الصحراوي وخلّص.»
وشّ حسام اتخطف. رد وقال: «الصحراوي؟ مفيش طريق تاني؟»
رد الظابط ببرود: «لا. إما الصحراوي أو تبات هنا.»
وقف حسام ثواني وهو بيفكر في أمه وفي الفلوس. وبعدين تنهد وقال لنفسه: «أربع سنين خلاص، مفيش حاجة هتحصل.» ودخل الصحراوي لأول مرة من يومها.
كان الطريق فاضي تماماً، ولا عربية ولا نور. وبقى يلاحظ حاجة غريبة: صوت الموتور مش مسموع، والعدّاد واقف، والعربية ساقعة بشكل مش طبيعي رغم إن التكييف مقفول.
الساعة واحدة وعشر دقايق بعد نص الليل، ظهرت قدامه محطة بنزين مهجورة، وعند حرفها واقف راجل طويل لابس بدلة رمادي قديمة، ومعاهوش شنطة ولا موبايل.
استغرب حسام وقال لنفسه: «إيه اللي بيوقف واحد في الضلمة دي؟» بس إيده سبقته، ووقف.
فتح الراجل الباب الورّاني وركب من غير سلام، وقال بصوت واطي: «كيلو ٩٠.»
سأله حسام وقلبه بيدق: «كيلو ٩٠؟ مفيش حاجة هناك يا أستاذ.»
رد الراجل من غير ما يبص له: «وصّلني وبس.»
مشي حسام وهو متضايق. بعد عشر دقايق بص في المراية الأمامية، فلقى الراجل قاعد في آخر الكرسي جنب الشباك، ووشه أصفر وعينه في الضلمة بره. وكانت المراية الحاجة الوحيدة في العربية اللي صورتها واضحة، أما باقي الدنيا حواليه فكان كأنه ضباب ثابت.
قال حسام ليكسر الصمت: «البرد جامد الليلة، مش كده؟»
الراجل ما ردّش.
بعد شوية بص حسام في المراية تاني، وقلبه وقع. الراجل بقى في نص الكرسي وعينه عليه هو. ما سمعش حركة، ولا حس بالعربية بتتهز.
مسك الدركسيون بإيديه الاتنين، وقال بصوت بيترعش: «حضرتك... اتحركت من مكانك؟»
الراجل ما ردّش.
لف حسام بسرعة. الكرسي فاضي. الجلد الأسود زي ما هو، وحزام الأمان متعلق في مكانه. قال لنفسه: «ده تعب، أنا صاحي من الفجر.»
رفع عينه للمراية ببطء. الراجل كان قاعد ورا كرسيه على طول، قريب لدرجة إن حسام شاف جرح عميق في جبينه ودم ناشف على رقبته.
قال الراجل بهدوء مخيف: «فاكرني يا حسام؟»
سأله حسام بالعافية: «أنت... عرفت اسمي منين؟»
ابتسم الراجل وقال: «من أربع سنين، في الليلة دي بالظبط، كنت راكب معاك على الطريق ده.»
وفجأة افتكر حسام كل حاجة، أو افتكر اللي كان فاكره.
كان وقتها سايق بسرعة وهو منهك، ونام ثانية عند الكيلو ٩٠، فالعربية اتقلبت. فاق لقى نفسه سليم، لكن الراكب كان محبوس تحت الحديد وبيصرخ: «ما تسيبنيش! اتصل بالإسعاف!» وحسام كان مرعوب، رخصته منتهية وعارف إنه هيتسجن، فسابه ومشي. ومن يومها ما قربش من الطريق ده.
نزلت دمعة على وشه وهو بيقول: «أنا آسف... والله كنت خايف.»
رد الراجل بصوت مكسور: «أنا اسمي عادل، وفضلت أستناك أربع سنين. جثتي لسه تحت الحديد عند الكيلو ٩٠، وكل اللي عايزه إن حد يدفنني.»
ظهرت قدام العربية لافتة خضرا قديمة مكتوب عليها كم ٩٠. وقّف حسام ونزل، والهوا ساقع لدرجة إن نفَسه ما طلعش بخار. وعلى بعد خطوات شاف بقايا عربية صدية مقلوبة نص الرمل.
طلع موبايله علشان يبلّغ، فلقى الشاشة متشققة والبطارية ميتة. قال وهو بيحاول يشغله: «لازم أتصل بالإسعاف دلوقتي.»
جه صوت عادل من وراه، هادي ومرعب: «مفيش داعي يا حسام.»
لف حسام وقال: «يعني إيه؟ أنا مش هسيبك تاني، أنا وعدتك.»
رد عادل وهو بيبص له بحزن: «إنت مش هربت يا حسام. إنت ما سبتنيش.»
اتخض حسام وقال: «إزاي؟ أنا فاكر كل حاجة!»

قال عادل: «اللي فاكره هو اللي بتحب تفتكره. الحقيقة إن العربية لما اتقلبت، المقود دخل في صدرك. إنت مت في نفس اللحظة، وأنا فضلت عايش تحت الحديد كام ساعة، وسمعتك وإنت بتطلع آخر نفَس.»
بص حسام للعربية اللي وراه، وللمرة الأولى شاف حاجات ما كانش واخد باله منها. الزجاج الأمامي متشقق من جوه، والمقود مكسور ومثني كأنه اتغرز في حاجة. ولما بص لصدره، لقى القميص ممزق وغرقان دم ناشف.
قال بصوت بيترعش: «أنا... ما حستش بحاجة طول الطريق.»
رد عادل: «طبعاً ما حستش. المراية هي الحاجة الوحيدة اللي بتخلّينا نشوف بعض، علشان كده كنت بتشوفني فيها بس. إحنا الاتنين ميتين يا حسام.»
سأله حسام بصوت مكسور: «وأمي؟ والعملية؟»
رد عادل بهدوء: «أمك اتعالجت من أربع سنين، وإنت ما حضرتش. كل ليلة إنت بتصحى على الطريق الزراعي وتفتكر إنك لسه عايش، وبعدين تقابل الظابط وتركّبني من المحطة وتعترف وتبكي وتوعدني، وفي الآخر تنسى كل حاجة. والليلة دي هي المرة رقم ألف وأربعمية وواحد وستين.»
بص حسام للافتة الخضرا، فلقى عليها كلمة مكتوبة بالدم: ١٤٦١.
وقف عادل جنبه وقال: «أنا مش عايزك تتعذب يا حسام. أنا عايزك تفتكر، علشان نمشي إحنا الاتنين.»
الدنيا اسودّت حوالين حسام.
فتح عينه لقى نفسه ورا الدركسيون، والساعة على العدّاد واحدة وعشر دقايق بعد نص الليل. وقدامه محطة بنزين مهجورة، وعند حرفها راجل طويل لابس بدلة رمادي قديمة، واقف في الضلمة وبيرفع إيده.
استغرب حسام وقال لنفسه: «إيه اللي بيوقف واحد في وسط الصحرا ده؟»
ولسه ما خلّصش جملته، لقى إيده بتدوس على الفرامل لوحدها.
وعلى زجاج الشباك الجانبي، بالبخار اللي ما كانش موجود، ظهر رقم جديد: ١٤٦٢.
تابع جديد Hekawina
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق