في هذا المقال

في إحدى الحارات القديمة ذات الأزقة الضيقة والبيوت المتقاربة، حيث تتشابك الشرفات وتتشارك العائلات تفاصيل يومها من الصباح حتى المساء، كانت الحياة تسير بإيقاع دافئ تسوده المودة والشهامة. غير أن هذا الهدوء الشديد كان يتبدد كلما أطلت "أم محمود" من نافذتها. كانت امرأة لا يقر لها قرار إن رأت نعمة في يد غيرها، فتجعل من كل تفصيلة صغيرة في حياة جيرانها حكاية تبحث فيها عن زلة أو سبب للغمز واللمز.
١. العيون التي لا تنام.. دخول أم محمود إلى الحارة
منذ أن سكنت أم محمود في الشارع الجديد مع زوجها الرجل الطيب الهادئ، لاحظ الجميع عادتها الغريبة التي لم يتعودوا عليها. كانت تجلس خلف النافذة الخشبية تراقب الصاعد والهابط كأنها حارس نوبة لا ينام. لا يدخل بيتٌ جهازاً كهربائياً جديداً إلا وكانت أول من يسأل عن سعره ومصدره، ولا تخرج جارتها "أم أحمد" بابتسامة إلا وتتبعها بنظرة ثقيلة تجعل البسمة تختفي تدريجياً عن وجهها.
كانت تهمس لابنتها دائماً: "انظري كيف يتصنعون السعادة، من أين لهم كل هذا؟"، ولم تكن تعلم أن سر سعادة جيرانها لم يكن في المال، بل في الرضا وراحة البال التي حرمت هي نفسها منها.
٢. سر الفستان الأزرق وفرحة لم تمت
حين أعلنت "أم أحمد" عن خطوبة ابنتها الكبرى "سارة" لـ "شريف"، الشاب الخلوق من الحي المولد، تعالت الزغاريد في الشارع. اشترت أم أحمد لبنتها فستاناً أزرق أنيقاً، وبمجرد أن علقته على الحبل في الشرفة للتهوية قبل الحفل، كانت عيون أم محمود بالمرصاد.
بدأت أم محمود جولتها اليومية بين نساء الحي تزرع الشكوك: "من أين لعم أحمد المتقاعد ثمن هذا الفستان الفاخر؟ أخشى أنهم استدانوا فوق طاقتهم فقط للاستعراض!". لكن نساء الحارة الفطنات كن يعرفن طبعها جيداً، فلم يعطينها فرصة لتفسيد الفرحة، بل التزمن الصمت وجاء يوم الخطوبة مليئاً بالبهجة، ولم يزد حسدها العائلة إلا تمسكاً ببعضها.
٣. شجرة الليمون والطبخة المسمومة بالشائعات
في صحن دار الجارة الطيبة "أم علي"، كانت ترتفع شجرة ليمون تعبق برائحتها الزكية في الشارع كله. كانت أم علي دأبت على اقتطاف ثمارها وتوزيعها على الجيران كعادة أهل الحارة الكرام، لكنها كلما أهدت أم محمود طبقاً، أعادته الأخيرة مع ولدها معللة ذلك بأن ليمونها "غير جيد".
لم تتوقف أم محمود عند هذا الحد، بل أطلقت شائعة في الشارع بأن جذر الشجرة يمتد تحت الأرض ويهدد أساسات المنازل المجاورة بالانهيار، وأن ماءها ينزح للشارع ويجلب الحشرات. أثارت الشائعة قلق البعض، لكن بعد معاينة بسيطة أقامها بائع المخبوزات وبعض كبار الحي، تبين كذب الادعاء بطلاناً تاماً، فارتدت الإساءة إليها وانقلب السحر على الساحر، وازداد حب الناس لأم علي ولشجرتها المباركة.
٤. مؤامرة الجمعية المالية وموقف أبو خالد الشجاع
قررت نساء الحارة تنظيم "جمعية مالية" شهرية لم مساعدة بعضهن البعض في التغلب على مصاريف المدارس وشراء المستلزمات. حاولت أم محمود الاستيلاء على القَبضة الأولى من الجمعية بالضغط والتلميح بأنها أحق الجميع، وعندما رفضت النساء وفقاً للقرعة وأعطين الدور الأول للأرملة "أم حسن" التي تحتاج للمال لعلاج طفلها الصغير، غضبت أم محمود واختلقت أزمة كبيرة.
ادعت أم محمود أمام الرجال في الشارع أن القائمات على الجمعية يختلسن الأموال ويميزن بين الجيران. هنا لم يسكت "أبو خالد"، كبير الحارة ورجلها المطاع؛ فجمع أعيان الشارع وطلب دفاتر الجمعية وتدقيقها جهاراً أمام الجميع. أثبتت الدفاتر أمانة النساء الشديدة ودقة السجلات، ومُنيت أم محمود بإحراج شديد بين أهل الحي جعلها تتوارى عن الأنظار لأيام.
٥. عندما احترق المطبخ.. وتكشّف المعدن الأصيل
في يوم صيفي شديد الحرارة، كانت أم محمود تجلس عند شرفتها تراقب تحركات بيت أم أحمد كعادتها، ونست أن المطبخ يشتعل خلفها وأن أواني الطعام على النار. لم تفطن لما يحدث إلا بعد أن تصاعدت ألسنة الدخان من شباك مطبخها وامتلأت الغرف بالدخان الخانق!
صاحت أم محمود تستغيث بالشهامة التي طالما شككت فيها: "أنقذوني! بيتي يحترق!". وفي لحظات معدودة، تناسى الجميع كل أفعالها وحسدها. أسرع أبو خالد وشباب الحارة بخراطيم المياه والدلاء، بينما اقتحمت أم أحمد وأم علي المنزل وسط الدخان كثيف لإنقاذ أم محمود وأطفالها الصغار وإخراجهم إلى الشارع بسلام، قبل أن يتمكن الشباب من إخماد الحريق تماماً قبل أن يلتهم المنزل.
٦. اللحظة التي انكسر فيها الكبرياء
بعد السيطرة على الحريق، أُحيطت أم محمود وأطفالها بالرعاية؛ فتحت أم أحمد باب بيتها لها، وجلست تُهدئ من روعها وتقدم لها ولأطفالها الطعام والعصائر الباردة والملابس النظيفة، دون أن يخرج من فم أي جارة كلمة عتاب واحدة أو تذكير بأفعالها السابقة.
نظرت أم محمود حولها؛ رأت أم علي التي طالما اتهمت شجرتها بالضرر تمسح الدخان عن وجه أطفالها، ورأت أم أحمد التي طالما حسدتها على فرحة بنتها تطمئنها بابتسامة حنونة. في تلك اللحظة انكسر كبرياء الحسد داخلها، وسقطت دموعها لأول مرة بحرقة، واعترفت أمامهم بصوت خافت خجل: "كنت أظنكم تكرهونني، لكنني كنت أعرف أن المشكلة في قلبي أنا الذي لم يعرف الرضا يومًا".
٧. صفحة جديدة وبيت مفتوح بالخير
كان يوم الحريق نقطة التحول الكبرى في حياة أم محمود وفي تاريخ الحارة. رمم الجيران مطبخها وتكفلوا بطلاء جدرانه من جديد كأن شيئاً لم يكن. أما هي، فقد أغلقت نافذة المراقبة والترصد للأبد، وفتحت باب منزلها للمودة والتواصل.
أصبحت أم محمود أول من يشارك في المخبوزات والتحضيرات للمناسبات في الحي، وتدعو للجميع بالبركة والخير كلما رأت نعمة عند غيرها. تعلمت أن عين الحسد لا تجلب إلا الهم لصاحبها، وأن القلوب حين تتصفى وتتراحم، تصبح الحارة كلها بيتاً واحداً كبيراً إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحب.
تابع جديد مصطفى ابراهيم
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق