أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
الروايات

شايل ومحروم زى حمار العنب

في قرية صغيرة على ضفاف النيل، كان "عم شحاتة" يستيقظ مع تعالي آذان الفجر، يشدّ وثاق الخرج الممتلئ بأحلى عناقيد العنب على ظهر حمارة الهادئ. العنب لم يكن ملكاً لشحاتة ولا لحماره، بل كان حصاد أرض "الحاج متولي"، أثرى أثرياء الناحية

مصطفى ابراهيممصطفى ابراهيمالكاتب 4 د للقراءة 0.00 المراجعات
شايل ومحروم زى حمار العنب
image about شايل ومحروم زى حمار العنب

1. الفجر والخرج الثقيل

​في قرية صغيرة على ضفاف النيل، كان "عم شحاتة" يستيقظ مع تعالي آذان الفجر، يشدّ وثاق الخرج الممتلئ بأحلى عناقيد العنب على ظهر حمارة الهادئ. العنب لم يكن ملكاً لشحاتة ولا لحماره، بل كان حصاد أرض "الحاج متولي"، أثرى أثرياء الناحية.

​كان شحاتة يحمل على كاهله الديون والهموم، بينما يحمل حماؤه العنب الطازج ذو الرائحة السكرية التي تسحر الألباب. كان الحمار يسير بخطوات بطيئة وموزونة، يطأ التراب بثبات وهو يشعر بثقل الثمار المسكرة على جنبيه، دون أن يجرؤ -أو يستطيع- أن يمد برأسه ليلتقط حبة واحدة يسد بها رمقه.

​2. رحلة السوق وظمأ الطريق

​طريق السوق كان طويلاً وغبار الشامس يلف الجو بحرارة لافحة. تسير العجلة الاقتصادية في القرية على أقدام أمثال شحاتة وحماره. وفي منتصف الطريق، اشتد الحر على الحمار الهزيل، وكانت عناقيد العنب تتلألأ تحت أشعة الشمس كالجواهر، تقطر ندىً وطلاوة.

​مال الحمار برأسه قليلاً نحو الخرج، يسوده الفضول والجوع، فما كان من شحاتة إلا أن نغزه بخيزرانته الخفيفة وهو يهمس بأسى: "مش بتاعنا يا مبروك.. ده شقا الناس ومشيئة القدر!". تساءل شحاتة في سرّه: هل هو والحمار يختلفان كثيراً؟ فكلاهما يحمل نعيماً يخص غيرهما، ويتضوران جوعاً في منتصف الطريق.

​3. بين أيدي المترفين

​وصل شحاتة وحماره إلى سرادق تجار الفاكهة في المدينة. هناك، صُفت العناقيد على الطاولات الخشبية الناصعة، وبدأ أبناء الأعيان والتجار يمرون، يقطفون الحبات الكبيرة ويستمتعون بطعمها الحلو المنسكب في أفواههم.

​كانت الضحكات تتصاعد، والأيدي تتخطف العنب وتلتذ ببرودته، بينما يتصبب العرق من جبهة شحاتة، وقدم حماؤه ترجف من التعب في زاوية الشارع. رأى الحمار أطفال المترفين يرمون بقشور الفاكهة على الأرض، فتقدم ببطء ليشتم قشرة متسخة، ليمنعه أحدهم بدفعة زاجرة.

​4. المَثَل الذي صار حقيقة

​وقف "العم طه" -عطار السوق والحكيم القديم- يراقب المشهد من دكانه. نظر إلى الحمار الرابض تحت الشمس، ثم نظر إلى شحاتة الذي يعُد دراهم معدودات لا تكفي لشراء رغيفين وحزمة جرجير بعد رهن يومه بكامله.

​هز العطار رأسه وقال بصوت مسموع لمن حوله: "سبحان الله.. طول عمرنا بنقول المثل: 'شايل ومحروم زي حمار العنب'، والنهاردة بنشوفه قدام عينا. الحمار شايل حلاوة الدنيا وممنوع يدوقها، وشحاتة شايل خير الأرض وعايش في الفقر لحد شوشته!".

​5. مرايا القلوب والمتعَبين

​في طريق العودة، كان الخرج فارغاً، لكن كاهل شحاتة كان أثقل بالهموم. لم يكن معهما عنب، ولا مال يكفي لستر البيت. جلس شحاتة على جرف الترعة ليستريح، وجلس حماؤه بجانبه.

​نظر شحاتة في عيني حماؤه البنيتين الداكنتين، وجد فيهما انعكاساً لمعاناته الشخصية. قال للحمار وكأنه يحدث صديقاً قديماً: "يا مبروك، أنت شلت العنب وما ذقتوش، وأنا شلت عمر أحلى سنيني في خدمة غيري وما تهنيتش.. أصل الدنيا دي يا صاحبي فيها ناس بتزرع وتشتال، وناس تانية بتقعد وتدوق".

​6. لقمة من قلب الرضا

​بينما كانا يجلسان في ظل شجرة جميز قديمة، لاحظ شحاتة وجود عنقود صغير جداً نسيه التجار في قاع الخرج، كان متوارياً بين الأوراق الخضراء. قطعه شحاتة بيده، ونظر إليه بطول تأمل.

​قسم العنقود إلى نصفين؛ أخذ حبات قليلة وضعها في فمه ليتذوق حلاوتها لأول مرة منذ سنوات، وقرب النصف الأكبر من فم حماؤه "مبروك". أكل الحمار العنب بشغف ولذة، واهتزت أذناه فرحاً. كان طعم تلك الحبات القليلة يزن كل مشقة اليوم، لأنه كان طعم العدل والبساطة والرضا.

​7. الحكمة تحت ظل الجميزة

​أدرك شحاتة في تلك اللحظة أن الحرمان الحقيقي ليس في قلّة ما نملك أو ثقل ما نحمل، بل في أن نعيش عمرنا نركض لنرضي غيرنا وننسى أن نتذوق ثمار أتعابنا.

​عاد شحاتة إلى بيته بخطوات أكثر خفة، حاسماً أمره بأن يعمل لنفسه ولبيته ولو بقطعة أرض صغيرة يزرعها خضرة بسيطة، ليكون حراً فيما يحمل وفيما يطعم. ومن يومها، صار أهل القرية يتداولون الحكمة: "لا تكن كحمار العنب.. تحمل الحلاوة لغيرك، وتموت أنت عطشاً وجوعاً!".

تابع جديد مصطفى ابراهيم

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق