في هذا المقال
حجر رشيد: الحجر الذي كسر الصمت
الجزء الأول: معولٌ يوقظ التاريخ
بعض الاكتشافات يصنعها العلماء، وهذا الاكتشاف صنعه جندي كان يحاول فقط ترميم جدار.
كان صيف عام 1799 قاسياً على الجيش الفرنسي في مصر. قبل عام، نزل نابليون بونابرت إلى الإسكندرية بثلاثين ألف جندي، وبين صفوفهم 167 عالماً، من رياضيين وكيميائيين ومهندسين ورسامين وعلماء طبيعة، سمّاهم «العلماء». هزم المماليك على مرمى البصر من الأهرامات، وأسس «المجمع العلمي» في القاهرة لدراسة كل شيء، من فيضان النيل إلى تشريح العقرب. ثم جاء الأميرال نيلسون ودمّر الأسطول الفرنسي في خليج أبي قير، فوجد الجيش نفسه عالقاً في أرض يستطيع غزوها ولا يستطيع مغادرتها.
في شهر يوليو، أُرسلت وحدة من المهندسين إلى الطرف الغربي لدلتا النيل، إلى قلعة عثمانية متهالكة قرب ميناء رشيد، وهو الاسم الذي كتبه الفرنسيون «روزيت». أعادوا تسميتها «حصن جوليان»، وانهمكوا في تقوية أسوارها تحسباً لإنزال بريطاني محتمل. كان العمل حاراً وممِلاً ومغبَرّاً. جنود يهدمون الحجارة القديمة، ويحملون الكتل، ويلعنون الذباب. وكان ضابطهم ملازماً شاباً يُدعى بيير فرانسوا بوشار.
في نحو الخامس عشر من يوليو، اصطدم معول بشيء أعطى رنيناً مختلفاً عن رنين الطوب. سحب الرجال الكتلة إلى الضوء، فإذا هي لوح من حجر الغرانوديوريت الداكن، ارتفاعه نحو متر وعرضه ثلاثة أرباع المتر، متآكل الزوايا، ويزن قرابة ثلاثة أرباع الطن. كان أحدهم قد بناه في الجدار قبل قرون كأي حجر آخر، غير مكترث بأن أحد وجهيه مغطى من الحافة إلى الحافة بالكتابة.
انحنى بوشار بجانبه ومسح عنه الغبار. كانت الكتابة على ثلاثة أشرطة. السفلي إغريقي يستطيع قراءته. والأوسط خط متموّج متصل لم يرَ مثله قط. أما العلوي فكان الأغرب: موكب من صور صغيرة، طيور وعيون وسيقان قصب وثعابين وخطوط متعرجة تشبه الماء. كانت تلك هي الهيروغليفية التي غطّت معابد مصر ثلاثة آلاف عام، ولم يعد أحد يعرف قراءتها.
لم يكن بوشار عالماً، لكنه أدرك ما بين يديه. ثلاثة أشرطة في حجر واحد، وربما كانت الرسالة نفسها مكتوبة ثلاث مرات. فإن أمكن قراءة الإغريقية، فربما أمكن فتح البابين الآخرين. أوقف العمل، وأقام حارساً على الحجر، وأرسل خبراً إلى القيادة. ثم سار الحجر على عربة ثم في قارب إلى المجمع العلمي في القاهرة.
هناك تحلّق العلماء حوله كما يتحلّق الأطفال حول النار. وخشي جان جوزيف مارسيل، الطباع والمستشرق، وزميله ريمي ريج أن يضيع الحجر في خضم الحرب، فاهتديا إلى حيلة ذكية. دحرجا الحبر على السطح المنقوش، وضغطا عليه ورقاً، ثم نزعاه فخرجت نسخ واضحة، حروفها بارزة على السواد. أُرسلت تلك النسخ المطبوعة إلى علماء أوروبا، فلو ضاع الحجر لما ضاع اللغز.
وفي الأثناء تُرجم النص الإغريقي. كانت كلماته جافة وإدارية، وذلك ما زاد من إثارتها. كان النص مرسوماً صدر عام 196 قبل الميلاد عن مجمع من الكهنة اجتمع في منف لتكريم الملك الصبي بطليموس الخامس، الذي تُوّج وهو في الثانية عشرة تقريباً. أحصى المرسوم أفضاله، من إعفاء المعابد من الضرائب، إلى العفو عن السجناء، إلى الفضة والقمح للعجول المقدسة. وفي آخر النص أمر الكهنة بأن يُنقش المرسوم على الحجر بثلاث كتابات: كتابة الآلهة المقدسة، وكتابة البلاد، وكتابة الإغريق.
فهم العلماء هذا السطر الأخير فوراً. الشريط العلوي لغة الكهنة، والأوسط خط عامة المصريين، والسفلي لسان الحكام الأجانب. وكان مفتاح حضارة ضائعة محفوظاً في كتلة واحدة من الصخر. لكن المفتاح لا ينفع ما لم يوجد من يديره. وفي الوقت الحاضر ظلت الصور الصغيرة صامتة، يحدّق فيها العلماء ويدوّنون النظريات ويفشلون.
لم يرَ نابليون الحجر قط. ففي أغسطس تسلل من مصر على متن فرقاطة سريعة، تاركاً جيشه ليعود إلى فرنسا ويستولي على الحكم. بقي العلماء بدفاترهم ورسومهم ونسخهم المطبوعة وغنيمتهم. وجلس الحجر في غرفة مغلقة، ولم يخطر ببال أحد أن الحرب من حوله ستحسم قريباً مَن يملكه. ولم يخطر ببال أحد كذلك أن الذي سيجعله ينطق كان في تلك اللحظة طفلاً في الثامنة من عمره في جنوب فرنسا، يتعلم القراءة للتو.
تابع جديد Seif Wessam
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق