في هذا المقال
الشاب الضائع

شاب ينام ويستيقظ، وكانت حياته عبارة عن السهر والخروج.
شاب في العشرينيات من عمره، لا يعمل، ويكتفي بالخروج والسهر والذهاب إلى الجامعة صباحًا، وكان يعتمد في جميع تكاليف حياته على أبيه.
كان يستيقظ كعادته على النزاع الذي يدور بين أمه وأبيه بسبب أمور تافهة، ولم يكن يهتم كثيرًا بما يحدث بينهما، فقد اعتاد تلك الخلافات، واعتاد أيضًا أن يخرج من غرفته وهو يضع سماعات الأذن حتى لا يسمع ما يدور بينهما.
كان والده دائمًا يحاول أن يوفر له كل ما يحتاج إليه، وكان يقول له في كل مرة:
"أنت ما زلت صغيرًا، عش حياتك، وبعد أن تنهي الجامعة ابحث عن عمل."
وكان الشاب يصدق تلك الكلمات، بل كان يحبها.
فلماذا يعمل وهو لديه أب ينفق عليه؟
ولماذا يستيقظ مبكرًا من أجل عمل لا يحبه، وهو يستطيع أن يسهر حتى الصباح ويخرج مع أصدقائه؟
كانت حياته سهلة بالنسبة إليه.
يطلب المال فيعطيه والده.
يريد ملابس جديدة فيشتريها له والده.
يخرج مع أصدقائه، فيدفع والده.
وحتى عندما كان يتأخر في العودة إلى المنزل، كان والده ينتظره حتى يسمع صوت المفتاح في الباب، ثم يذهب إلى النوم.
لم يكن الشاب يفكر في سبب ذلك الاهتمام.
كان يظن أن الأب موجود دائمًا.
وفي أحد الأيام، استيقظ كعادته متأخرًا، وكان ينتظر أن يجد أمه في المطبخ ووالده جالسًا في مكانه المعتاد.
لكنه فوجئ بأن البيت كان هادئًا بشكل غريب.
خرج من غرفته، ونظر حوله.
لم يجد والده.
ذهب إلى غرفة أمه، فوجدها تجلس على الأرض وهي تبكي.
سألها:
"ماذا حدث يا أمي؟"
لم تجبه.
كرر السؤال مرة أخرى.
فقالت وهي تحاول أن تخفي بكاءها:
"أبوك قد تعب."
قال لها:
"ماذا يعني أنه تعب؟"
نظرت إليه ولم تستطع أن تتكلم.
وفي تلك اللحظة رن هاتفها.
رفعت الهاتف، ثم قالت بصوت متقطع:
"أبوك في المستشفى."
لم يهتم في البداية كما كان يجب.
قال:
"هل هو بخير؟"
فأجابته:
"لا أعرف."
ولأول مرة شعر أن شيئًا غير طبيعي يحدث.
ارتدى ملابسه بسرعة وخرج مع أمه.
وفي الطريق ظل يفكر في آخر مرة تحدث فيها مع والده.
تذكر أنه طلب منه المال منذ يومين.
وتذكر أن والده أعطاه المال وهو يبتسم.
وتذكر أيضًا أنه لم يقل له حتى "شكرًا".
وصلوا إلى المستشفى.
وجد والده داخل غرفة العناية المركزة.
وقف أمام الباب، ينظر إليه من خلف الزجاج.
كان الرجل الذي يراه كل يوم أمامه، هو نفسه الرجل الذي كان يعتقد أنه لا يتعب، ولا يمرض، ولا يحتاج إلى أحد.
لكن هذه المرة كان لا يستطيع حتى أن يفتح عينيه.
اقتربت منه أمه وقالت:
"أبوك كان مريضًا منذ فترة."
نظر إليها باستغراب.
قال:
"منذ فترة؟ ماذا تعنين؟"
قالت:
"منذ عدة أشهر."
صمت.
ثم سألها:
"ولماذا لم يخبرني أحد؟"
نظرت إليه أمه وقالت:
"كان يقول إنك لا تشغل بالك."
في تلك اللحظة شعر بشيء ينكسر بداخله.
فجأة تذكر كل مرة عاد فيها إلى المنزل متأخرًا.
كل مرة كان والده ينتظره.
كل مرة طلب منه فيها المال.
كل مرة قال له والده:
"خذ يا بني."
وهو يأخذ المال ويذهب دون أن يسأل نفسه من أين جاء هذا المال.
مر يوم.
ثم يوم آخر.
والده لم يستيقظ.
بدأ الشاب يذهب إلى المستشفى كل يوم.
لم يعد يخرج مع أصدقائه.
لم يعد يهتم بالسهر.
حتى الجامعة أصبح يذهب إليها فقط عندما يستطيع.
وفي أحد الأيام، جلس أمام غرفة العناية المركزة وهو يمسك هاتفه.
فتح هاتفه، فوجد رسالة قديمة من والده.
كانت رسالة قصيرة جدًا.
كان والده قد أرسل إليه:
"عندما تنهي الجامعة، أريدك أن تنزل معي إلى العمل يومين، أريد أن أعلمك أشياء ستفيدك."
ظل ينظر إلى الرسالة طويلًا.
ثم أغلق الهاتف.
ولأول مرة في حياته بكى.
ليس لأنه خاف من أن يموت والده فقط.
ولكن لأنه أدرك أن الرجل الذي كان يظنه مجرد مصدر للمال، كان يحاول طوال الوقت أن يجهزه للحياة.
وفي صباح اليوم التالي، خرج الطبيب من غرفة العناية.
نظر إلى الأم.
ثم قال:
"البقاء لله."
لم يفهم الشاب الكلمة في البداية.
ظل واقفًا في مكانه.
ثم نظر إلى أمه.
وجدها تبكي.
اقترب منها وقال:
"ماذا يعني ذلك؟"
لم تجبه.
قال مرة أخرى:
"هل مات أبي؟"
هزت رأسها وهي تبكي.
جلس على الأرض.
وظل صامتًا.
لم يصرخ.
لم يتكلم.
فقط أخرج هاتفه وفتح آخر رسالة من والده.
ظل يقرأها مرة أخرى.
ثم كتب له:
"حاضر يا أبي، سنذهب إلى العمل."
وظل ينظر إلى الشاشة.
وكأنه ينتظر أن يرد عليه والده.
مرت دقيقة.
ثم دقيقتان.
ولم يأت الرد.
في ذلك اليوم فقط فهم الشاب أن هناك أشياء في الحياة يمكن تأجيلها.
الخروج يمكن تأجيله.
السهر يمكن تأجيله.
الجامعة يمكن تعويضها.
والعمل يمكن أن يبدأ في أي وقت.
لكن هناك أشخاصًا عندما يرحلون، لا يوجد وقت كافٍ بعدهم لقول كل ما كان يجب أن يقال.
عاد إلى البيت في المساء.
دخل غرفته لأول مرة دون أن يضع سماعات الأذن.
كان يريد أن يسمع صوت أبيه.
أي صوت.
حتى لو كان صوته وهو يتشاجر مع أمه.
لكن البيت كان هادئًا.
هادئًا بشكل مؤلم.
وفي الصباح استيقظ في نفس الموعد الذي كان والده يستيقظ فيه دائمًا.
ارتدى ملابسه.
ثم وقف أمام المرآة.
وقال لنفسه:
"الآن أبدأ."
ثم خرج من الغرفة.
لكنه قبل أن يغادر المنزل، عاد مرة أخرى.
وقف أمام كرسي والده الفارغ.
ظل ينظر إليه لثوانٍ.
ثم قال:
"كنت أظن أن لدي وقتًا."
وخرج.
ومنذ ذلك اليوم تغيرت حياته بالكامل.
ليس لأنه أصبح أكثر نضجًا.
ولكن لأنه عرف متأخرًا جدًا أن الشخص الذي كان يعطيه كل شيء، كان يحتاج منه شيئًا واحدًا فقط.
أن يشعر أنه لم يكن يعطيه كل ذلك من أجل لا شيء.
تابع جديد ibrahim amer
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق