في هذا المقال
ليلة النوم على الرصيف البارد
تحت سماء تملأها الغيوم، وجد مروان نفسه في حديقة عامة منزوية، بعيداً عن أعين رجال الشرطة والمارة. افترش قطعة كرتون قديمة كانت ملقاة بجانب سلة المهملات، وضم ركبتيه إلى صدره محاولاً التغلب على الرعشة التي أصابت جسده النحيف. لم يكن برد الليل هو ما يؤلمه، بل كانت برودة الخذلان هي التي تنهش روحه من الداخل. كان يسمع أصوات الكلاب الضالة ، ويشعر بخوف لم يعهده من قبل. تذكر سريره الدافئ في غرفته، لكنه تذكر أيضاً الكلمات التي طعنت كرامته، ففضل برد الشارع الحر على دفء البيت المذل، مستسلماً لنوم متقطع مليء بالكوابيس.
البحث عن لقمة العيش المغمسة بالقهر
مع خيوط الفجر الأولى، استيقظ مروان بجسد منهك وعينين ذابلتين. كانت أولويته الآن هي البقاء، وهذا يتطلب مالاً وطعاماً. طاف على المحلات التجارية في وسط المدينة يبحث عن أي عمل بسيط. قوبل بالرفض والشك من أصحاب المحلات بسبب صغر سنه ومظهره المبهدل؛ فالناس في هذا العالم لا يرحمون من لا سند له. أخيرًا، وافق صاحب ورشة لإصلاح السيارات على تشغيله في تنظيف المكان ونقل الأدوات الثقيلة مقابل أجر زهيد جداً. أمضى مروان نهاراً طويلاً شاقاً، تلوثت يداه بالزيوت والشحم، وشعر بظهره يكاد ينكسر، لكنه تحمل الصمت والإهانات الصغيرة من العمال مقابل الحصول على ثمن وجبة تسد جوعه
المأوى المؤقت والوجوه الشاحبة
قاده أحد العمال في الورشة، بعد أن شعر ببعض الشفقة تجاهه، إلى بنسيون قديم متهالك في حارة ضيقة. كان المكان يفوح برائحة الرطوبة والماضي السحيق، وغرفته المشتركة تضم ثلاثة أشخاص آخرين يبدو على وجوههم غدر الزمن وقسوته. جلس مروان على طرف سريره الحديدي، يتأمل الوجوه الشاحبة من حوله. لم يتحدث إليه أحد، فكل شخص هناك كان غارقاً في همومه وصراعه الخاص مع الحياة. في تلك الغرفة الضيقة، أدرك مروان أن العالم الخارجي ليس سوى غابة كبيرة، وأن عليه أن يتخلى سريعاً عن براءة المراهقة ويرتدي درع القسوة ليتمكن من العيش وسط هؤلاء الغرباء.
الحنين القاتل وضياع الهوية
مرت أسابيع وثقيلة، وجد مروان نفسه يغرق في روتين قاتل بين الورشة والبنسيون. في لحظات الصمت الليلية، كان الحنين لبيته وأهله يهاجمه كوحش كاسر. تذكر ملامح والدته، وصوت مشاجراتها مع والده، وحتى تفاصيل غرفته الصغيرة. تساءل إن كانوا يبحثون عنه، أم أن غيابه كان راحة لهم وتخلصاً من عبء ثقيل. فتح دفتره الصغير تحت ضوء مصباح الغرفة الخافت، وبدأ يكتب رسائل لن يرسلها أبداً، يعاتب فيها أمه على صمتها، وأباه على قسوته. شعر بتمزق داخلي؛ فهو يكره ذلك البيت، لكنه في الوقت ذاته يشعر بالضياع والتشرد بدونه.
بصيص أمل وسط الركام
في أحد الأيام، بينما كان مروان ينظف واجهة الورشة، توقفت سيارة فاخرة ونزل منها رجل وقور في الخمسينيات من عمره، يُدعى الأستاذ رأفت. كان الرجل يبحث عن مهندس الورشة، لكن عينه وقعت على مروان وهو يمسك بدفتره الصغير ويكتب فيه خلال استراحته القصيرة. لفت هدوء مروان ونظرة عينيه الحزينة والمثقفة انتباه الرجل. اقترب منه وتحدث معه بلطف لم يعهده مروان منذ زمن. تصفح الأستاذ رأفت بضع صفحات من الدفتر، وذهل من عمق الكلمات والأسلوب الأدبي الراقي لهذا الفتى المشرد. شعر الرجل أن هذا المراهق لا ينتمي لهذا المكان الخشن، وقرر أن يمد له يد المساعدة.
بداية الطريق نحو النور
لم يتردد الأستاذ رأفت في عرض فرصة جديدة على مروان؛ حيث عرض عليه العمل كمساعد في مكتبته الكبيرة لبيع الكتب، مع توفير سكن مستقل وصغير ملحق بالمكتبة، بشرط أن يعود للدراسة ليلاً. بالنسبة لمروان، كانت هذه اللحظة بمثابة طوق النجاة الذي انتشله من القاع. نقل أغراضه البسيطة إلى غرفته الجديدة التي تفوح منها رائحة الأوراق والكتب. وقف ينظر من النافذة إلى أضواء المدينة، وشعر لأول مرة منذ خروجه من بيته بأن غيوم اليأس بدأت تتجشع، وأن هناك فصلاً جديداً من حياته يكتبه الآن بنفسه، بعيداً عن جدران الصمت وقسوة الماضي.
استنو الجزء الثالث
تابع جديد Mohamed Saloom
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق