في هذا المقال
عاصفة في غرفته الصغيرة
لم يكن ليل مروان يشبه ليل بقية زملائه في المدرسة. في السابعة عشرة من عمره، تحولت غرفته الصغيرة إلى ما يشبه زنزانة اختيارية، يلوذ بها هرباً من نظرات غاضبة وكلمات حادة تملأ ردهات المنزل. كان والده يرى فيه دائماً مشروعاً فاشلاً لم يرقَ يوماً لتوقعاته العالية، بينما اختارت والدته الصمت، مستسلمة لدوامة المشاكل اليومية. في تلك الليلة، كان صوت الشجار بالخارج يعلو كالعادة، وجلس مروان واضعاً يديه على أذنيه، يتأمل سقف الغرفة المتشقق، متسائلاً عن الذنب الذي اقترفه ليكون عبئاً ثقيلاً على جيوب أهله وأعصابهم. لم يكن يطلب الكثير، فقط بعض الإنصات، أو ربما تربيتة على الكتف تخبره بأن ضياعه مؤقت، وأن مراهقته ليست خطيئة تستوجب العقاب اليومي.
المدرسة مرآة أخرى للقسوة
ظن مروان لفترة طويلة أن المدرسة قد تكون ملاذه الآمن، لكنه اكتشف سريعاً أن قسوة الشارع والناس لا تختلف كثيراً عن جفاء البيت. داخل أسوار المدرسة، كان مروان يبدو منزوياً، يرتدي معطفه القديم صيفاً وشتاءً كدرع يحميه من العالم. تعليقات زملائه الساخرة من هدوئه وانعزاله كانت تلاحقه في الممرات. حتى المعلمون، انصرفوا عن محاولة فهم أسباب تراجع درجاته، واكتفوا بتوجيه اللوم الجاف والنصائح المعلبة التي تزيد من شعوره بالعجز. في طابور الصباح، كان ينظر إلى الوجوه الضاحكة من حوله ويشعر بغربة شديدة، وكأنه يتحدث لغة لا يفهمها أحد من هؤلاء البشر الذين يمرون بجانبه دون أن يلمحوا الانكسار في عينيه
.
الهروب إلى الشوارع الخلفية
حين يضيق البيت وتضيق المدرسة، تصبح الأرصفة هي الصديق الوحيد. كان مروان يقضي ساعات طويلة بعد انتهاء الدراسة يسير في الشوارع الخلفية للمدينة. هناك، حيث لا يعرفه أحد، كان يجد نوعاً من الراحة وسط زحام الغرباء. تأمل بائعي الرصيف، والمارة المستعجلين، والبيوت القديمة التي تخفي خلف أبوابها حكايا ربما تشبه حكايته. في أحد الأيام، وبينما كانت أمطار الخريف الخفيفة تبلل وجهه، جلس على مقعد خشبي مكسور في حديقة عامة مهجورة. فتح دفتره الصغير، وبدأ يكتب كلمات غير مترابطة، محاولاً تفريغ ذلك الثقل الذي يربض على صدره. كانت الكتابة وسيلته الوحيدة ليصرخ دون أن يصدر صوتاً، ليعبر عن غضبه من مجتمع يطالبه بأن يكون رجلاً ناضجاً بينما يحرمه من حقه البسيط في أن يكون شاباً يخطئ ويتعلم.
النقطة الحرجة والمواجهة الكبرى
تراكمت الأيام وتشابهت، حتى جاءت تلك الليلة التي غيرت كل شيء. دخل مروان إلى المنزل متأخراً بضع دقائق بسبب تعطل حافلة المدرسة، ليجد والده بانتظاره خلف الباب. لم تكن هناك مساحة للنقاش أو التبرير؛ انهالت الكلمات القاسية كالسياط، متهمة إياه بالإهمال والفشل والضياع. حاول مروان هذه المرة أن يتكلم، أن يدافع عن نفسه، لكن صوته خُنق في حلقه أمام نظرات الاستخفاف. في تلك اللحظة بالذات، شعر بشيء ينكسر داخله نهائياً. نظر إلى وجوه عائلته، ثم إلى الباب، وشعر أن البقاء في هذا المكان لم يعد ممكناً إذا أراد الحفاظ على ما تبقى من روحه. التفت ببطء، ودون أن ينطق بكلمة واحدة، فتح الباب وخرج إلى عتمة الليل، تاركاً خلفه كل شيء، ومقرراً ألا يعود مجدداً إلى ذلك السجن المسمى بيتاً.
خطوات نحو المجهول
مشى مروان في الظلام دون وجهة محددة، والرياح الباردة تصفع وجهه. كانت جيوبه فارغة إلا من بضعة قروش ودفتيره الصغير وقلم رصاص. شعر بخوف شديد ينهش أطرافه، فالشارع في الليل موحش ومليء بالمخاطر، والناس الذين كان يراهم نهاراً تحولوا الآن إلى أشباح مخيفة. ومع ذلك، كان هناك شعور غريب بالحرية يختلط بخوفه. وقف عند تقاطع طرق رئيسي، والأنوار البعيدة للسيارات المسرعة تنعكس على وجهه الشاحب. كان يعلم أن قراره هذا هو بداية لطريق وعر وطويل، وأن العالم لن يرحم مراهقاً وحيداً بلا مأوى. لكنه في الوقت نفسه، شعر لأول مرة أنه يمسك بزمام حياته،
حتى وإن كانت هذه البداية من نقطة الصفر وتحت المطر. وقف هناك، ينظر إلى الأفق، مستعداً لمواجهة ما يخبئه له الغد في فصله الجديد.
تابع جديد Mohamed Saloom
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق