في هذا المقال

طقوس الصباح بين أوراق الكتب
استيقظ مروان في غرفته الجديدة الملحقة بالمكتبة على صوت زقزقة العصافير، ولأول مرة منذ سنوات لم يشعر ب غصة في حلقه. كانت رائحة الورق والحبر تحاصره بدلاً من رائحة الرطوبة والشحم. في تمام السابعة صباحاً، كان يفتح الأبواب الخشبية الكبيرة للمكتبة، ويرتب الروايات والدواوين على الرفوف بحرص شديد وكأنه يعيد ترتيب شتات نفسه. تحول هذا المكان إلى وطنه البديل، وجد فيه الطمأنينة التي حُرم منها في بيت أهله. كان يقضي الساعات الأولى من النهار في القراءة، يلتهم الصفحات بنهم ليعوض ما فاته من سنوات التيه، مستمتعاً بحديث الزبائن المثقفين الذين بدأوا يعتادون وجود هذا الشاب الهادئ ذو النظرات العميقة.
العودة إلى مقاعد الدراسة ليلاً
لم يكن الالتزام بالدراسة المسائية أمراً سهلاً على جسد أنهكته تجارب الشارع، لكن إصرار مروان كان أقوى من تعبه. في كل مساء، كان يحمل حقيبته ويتوجه إلى المدرسة الليلية ليجلس وسط أشخاص كبار يجمعهم طموح واحد. كان يجلس في المقعد الأمامي، يستمع بشغف لكل كلمة يقولها المعلمون، مدفوعاً برغبة عارمة في إثبات ذاته، ليس لوالده الذي اتهمه بالفشل، بل لنفسه التي كادت أن تضيع. بدأت درجاته تتحسن بشكل ملحوظ، وأصبح محط إعجاب مدرسيه الذين رأوا فيه شغفاً نادراً. كانت تلك الساعات المسائية بمثابة بناء الجسر الذي سيعبر به من ماضيه المكسور إلى مستقبله المأمول.
مواجهة ماضٍ يرفض الرحيل
بينما كان مروان يبني حياته الجديدة لبنة فوق أخرى، حدث ما لم يكن في الحسبان. في أحد أيام الشتاء، دخلت إلى المكتبة سيدة ترتدي عباءة سوداء وتبدو عليها علامات الكبر والهم؛ لقد كانت والدته. تجمدت الدماء في عروق مروان وسقط الكتاب من يده. كانت تبحث عنه بعد أن علم أحد أقاربهم بمكانه بالصدفة. ارتمت في حضنه باكية، تطلب منه العودة وتخبره بأن والده نادم وأن البيت مظلم بدونه. في تلك اللحظة، شعر مروان بمزيج معقد من الحنين والألم. نظر في عينيها ولمح نفس الصمت القديم الذي تخلت به عنه، فأدرك بوضوح أن العودة إلى الوراء تعني هدم كل ما بناه، وأن الغفران لا يعني بالضرورة العودة إلى السجن.
قرار الفراق الأخير
جلس مروان مع والدته في ركن هادئ بالمكتبة، وتحدث معها بنضج لم تعهده فيه من قبل. أمسك بيديها وقبلها، لكنه قال لها بنبرة حاسمة إن مروان القديم الذي كان يبكي خلف الأبواب المغلقة قد مات. أخبرها أنه يحبهم ولا يحمل في قلبه غلاً تجاههم، لكن حياته الآن هنا، بين هذه الكتب التي أنقذت روحه، ومع الرجل الذي آمن به حين كفر به الجميع. غادرت والدته المكتبة والدموع في عينيها، لكنها كانت دموعاً ممزوجة باطمئنان خفي بعد أن رأت ابنها يقف على قدميه كـ رجل قوي. كان هذا الفراق هو الإعلان الرسمي لانتهاء طفولته ومراهقته القاسية، وبداية نضجه الكامل.
معجزة الحبر على الورق
شجع الأستاذ رأفت مروان على تجميع كل تلك النصوص والرسائل التي كتبها في دفتيره الصغير خلال ليالي التشرد والوجع، وتحويلها إلى رواية. أمضى مروان أشهراً طويلة يكتب ويدقق، يفرغ كل قطرة ألم عاشها على السطور. وعندما أشرقت شمس الصيف، صدرت الرواية وتحمل عنوان "جدران الصمت". لم يمر وقت طويل حتى حقق الكتاب نجاحاً باهراً في الأوساط الأدبية؛ فالناس شعروا بصدق الكلمات وعمق المعاناة التي عاشها الكاتب الشاب. أقيم حفل توقيع كبير في المكتبة نفسها، وجلس مروان يوقع كتابه للجمهور، والابتسامة تعلو وجهه، مدركاً أن الحبر كان الدواء الذي شفا جراحه القديمة.
الوقوف في منتصف الضوء
في ليلة تخرج مروان من الثانوية العامة بتفوق، أقام له الأستاذ رأفت حفلاً صغيراً حضره زملاؤه ومحبوه. وقف مروان يلقي كلمة شكر، ونظر من خلال زجاج المكتبة إلى الشارع الخارجي، إلى المقعد الخشبي البعيد الذي نام عليه يوماً تحت المطر. شعر بامتنان شديد لكل لحظة قاسية عاشها، فلولا تلك الظلمات لما عرف كيف يقدّر النور. تذكر المراهق الخائف الذي خرج قبل سنوات حقيبته فارغة، ونظر الآن إلى نفسه ليجد شاباً واثقاً، يملك شهادته بيده، وروايته على الرفوف، ومستقبلاً جامعياً مشرقاً ينتظره. لقد انتصر مروان في معركته ضد العالم، وتحولت جدران صمته إلى منبر يسمعه الجميع.
تابع جديد Mohamed Saloom
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق