في هذا المقال
رحلة الأسطرلاب
في بغداد، سنة 830 ميلادية، كان بيت الحكمة يعجّ بالعلماء والمترجمين. وبين رفوف الكتب، كان يعيش صبي يتيم اسمه يوسف، يعمل خادمًا للعالم الفلكي الكبير أبي جعفر.
كان يوسف في الثالثة عشرة من عمره، لا يعرف القراءة جيدًا، لكن عينيه كانتا تلتهمان كل ما يدور حوله. كان يراقب أبا جعفر كل ليلة وهو يصعد إلى سطح البيت، ويرفع آلة نحاسية مستديرة نحو السماء، ثم يدوّن أرقامًا في دفتره. سأله يومًا:
— ما هذه الآلة يا سيدي؟
ابتسم العالم وقال:
— هذا الأسطرلاب يا بني. به نعرف الوقت، ونعرف اتجاه القبلة، ونحسب ارتفاع النجوم. من يتقنه لا يضل طريقه أبدًا، لا في البر ولا في البحر.
ومنذ تلك الليلة، صار يوسف يتسلل إلى السطح كلما نام الجميع، ويتأمل الآلة بشغف. وذات ليلة أمسكه أبو جعفر متلبسًا، فارتجف الصبي خوفًا. لكن العالم لم يغضب، بل جلس بجواره وقال:
— العلم لا يُعطى لمن يطلبه بالإذن، بل لمن يطلبه بالشغف. تعال، سأعلمك.
مرّت السنوات، وتعلّم يوسف القراءة والحساب والفلك. صار يحفظ مواقع النجوم كما يحفظ الناس أسماء أحبائهم. وفي أحد الأيام، جاء أمر من الخليفة المأمون: يريد قافلة علمية تسافر إلى صحراء سنجار لقياس طول درجة واحدة من محيط الأرض، في محاولة جريئة لمعرفة حجم كوكبنا.
اختار أبو جعفر يوسف ليكون مساعده في الرحلة. انطلقت القافلة، وكانت الصحراء قاسية. هبّت عاصفة رملية في اليوم الخامس، فتفرّق الرجال وضاعت الجِمال المحمّلة بالماء. وجد يوسف نفسه وحيدًا مع أبي جعفر المتعب، وقد اختفت معالم الطريق تحت الرمال.
قال العالم بصوت واهن:
— لقد ضللنا يا يوسف.
لكن يوسف أخرج الأسطرلاب من حقيبته، وانتظر حتى حلّ الليل وانقشع الغبار. رفع الآلة نحو السماء، وحدّد موقع نجم القطب، وحسب الاتجاه بدقة. ثم قال بثقة:
— الشمال من هناك يا سيدي، ونهر الفرات يقع جنوبًا شرقًا. سنصل إليه قبل الفجر بيومين.
مشيا يومين وليلتين، حتى لاحت لهما خضرة النهر من بعيد. بكى أبو جعفر وهو يحتضن تلميذه وقال:
— علّمتك الفلك، فعلّمتني أنت معنى الأمل.
وبعد أشهر، نجحت القافلة في قياس درجة الأرض، وجاءت نتائجها قريبة بشكل مذهل من القيمة الحقيقية. كُرّم أبو جعفر، لكنه أصرّ على أن يقف يوسف بجواره أمام الخليفة، وقال:
— هذا الفتى هو الذي أنقذ العلم والعلماء.
ومع الأيام، صار يوسف من كبار علماء الفلك في بغداد، وعلّم مئات الطلاب. وكان يردد لهم دائمًا:
«النجوم لا تهدي من ينظر إليها فقط، بل من يتعلم لغتها.»
وهكذا عاش اليتيم الذي بدأ خادمًا، وصار اسمه يُذكر في كتب التاريخ بين العلماء الذين أناروا دروب البشرية.القصة من وحي أجواء العصر العباسي، وقياس محيط الأرض في عهد المأمون حدث فعلًا، أما الشخصيات فمتخيلة.
تابع جديد يوسف أبوالسعود
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق