في هذا المقال
الفصل الأول: أسرار أسفل "باب زويلة"
في قلب مركز البحوث الرقمية بمدينة المعرفة في العاصمة الإدارية الجديدة، كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل. السكون تام، لا يقطعه سوى أزيز أجهزة التبريد وتكات الخوادم الفائقة. جلس خبير الذكاء الاصطناعي والهندسة الصوتية حسام أمام ثلاث شاشات مقعرة، يُعدّل الخوارزمية الثورية التي أفنى أربع سنوات من حياته في تطويرها: مشروع "أصداء الزمن".
كان المفهوم علمياً بحتاً لكنه أقرب للسحر: الأحجار القديمة في المباني الأثرية تمتص الموجات الصوتية وتحتفظ بها في مسامها الجيرية كأسطوانات جصّية عملاقة. وظيفة خوارزمية حسام هي تحليل الاهتزازات الضوئية والصوتية المجهرية الملتقطة بأجهزة الليدار (LiDAR)، ثم إعادة معالجتها عبر الشبكات العصبية لفك ضوضاء القرون واسترجاع الأصوات البشرية التي شهدتها تلك الجدران.
بجواره، كانت تجلس الدكتورة مريم، أخصائية الآثار واللغات القديمة، وعيناها محمرتان من سهر أيام متواصلة. وعلى الطرف الآخر من الطاولة المتطورة، كان المهندس عمر، المسؤول عن الأمن السيبراني للبنية التحتية، يفحص تدفق البيانات بحذر.
"هذا التسجيل هو الفرصة الأخيرة يا حسام"، قالت مريم وهي تضع وحدة تخزين معدنية على الطاولة. "تم التقاط هذه البيانات من السرداب المغلق أسفل باب زويلة... سرداب لم يفتحه بشر منذ الطاعون الأكبر عام 1348م."
الفصل الثاني: ثغرة في شريط الترددات
بدأ حسام عملية التجميع. على الشاشات، ظهرت الموجات الصوتية الخام كخطوط عشوائية بيضاء تشبه الضوضاء الكونية. شرع الذكاء الاصطناعي في عزل صوت الرياح، والاحتطاب، وصفير الهواء في ممرات السرداب.
"بدأت الطبقة الأولى تنجلي"، قال حسام بصوت مبحوح.
بدأ النموذج العصبوني يُخرِج نبرات صوتية خافتة. كان الجميع يتوقع سماع همسات مملوكية، أو أدعية من عصر الوباء، أو صرخات حراس القلعة. لكن عمر فجأة وقف من مقعده ومسح جبينه بيده المرتجفة: "حسام... انظر إلى معدل تدفق البيانات (Bitrate). الخوارزمية لا تفك ضغط ملف أثري ملموس... الأجهزة تسحب بثاً حياً وتولّد ترددات بدقة غير منطقية!"
"ماذا تقصد بـ بث حي؟" سألت مريم بنبرة سادها التوتر. "الملف تم سحبه من مستشعرات الجدران الأثرية هذا الصباح!"
لم يجبهما حسام، فقد جذبت انتباهه الطبقة الصوتية الثالثة التي انتهى الذكاء الاصطناعي من تنقيتها فوراً. صدر من السماعات المحيطية عالية الدقة صوتُ تنفس بشري حاد ومتسارع... نبرة صوت تتحدث بلهجة مصرية حديثة جداً، وليست عربية وسيطة!
الفصل الثالث: الصوت الذي يعرف السر
انطلقت من السماعات دقة خفيفة، تلاها صوت احتكاك كوب زجاجي بأسطح معدنية.
تجمد حسام في مكانه. نظر إلى يده اليمنى... كانت يده قد رفعت كوب القهوة للتو ووضعته على حافة الطاولة المعدنية، بنفس الإيقاع والصوت الدقيق الذي صدر من التسجيل قبل ثانيتين!
"هناك خطأ في النظام!" صرخ عمر وهو يهرع إلى لوحة التحكم الرئيسية. "البرنامج يسجل الأصوات داخل المعمل ويعيد بثها مع تأخير زمني، إنه يحدث تداخل موجات (Acoustic Feedback)!"
"مستحيل!" ردت مريم وهي تشير إلى الشاشة. "الموجات القادمة مطعمة بفك شفرة خوارزمية تعود لطبقات صخرية عميقة... النظام لا يستنسخ ما نقوله، بل..."
قاطعتها المخرجات الصوتية من الخوارزمية، حيث علا صوت ارتطام قسري، ثم حشرجة نفس الرجل في التسجيل وهو يصيح بفزع يمزق الأوردة: "عمر! لا تلمس زر الإطفاء! إذا قطعت التيار الآن ستُحبس الموجة في هذه اللحظة للأبد!"
تجمّدت يد عمر على قاطع الكهرباء الرئيسي. ساد المعمل صمتٌ كالسيف، ولم يعد يُسمع سوى ضربات قلوبهم المتسارعة. الصوت في التسجيل لم يكن ينقل الماضي... بل كان صوت حسام نفسه!
الفصل الرابع: النبوءة المباشرة
اقترب حسام من الشاشة الرئيسية، حدقتاه متسعتان برعب لم يذق مثله من قبل. كان الرسم البياني للموجات يرتسم أمامه في التو واللحظة، ينبض مع كل حرف يخرج من أجهزة الصوت.
تحدث صوت حسام المستقبلي من السماعات مجدداً، لكن هذه المرة بصوت يرتجف بكاءً ورعباً: "مريم... عمر... الذكاء الاصطناعي لم يخطئ... الجدران الأثرية لا تخزن الماضي فقط، بل تتأثر بالانحناءات الزمنية للمستقبل! هذا التسجيل ليس من عام 1348 ولا من هذا الصباح... إنه بث مباشر لما يحدث الآن، متقدم عنا بخمس ثوانٍ فقط!"
صاحت مريم وهي تتراجع للخلف: "حسام! أوقف هذا الكابوس!"
ارتفع صوت التسجيل الصادر من المستقبل ليرد عليها فوراً، مسابقاً الحدث بكسور من الثانية: "لا تصرخي يا مريم... لقد أدركتُ الحقيقة متأخراً جداً... السرداب تحت باب زويلة لم يكن مقبرة لطاعون الموت الأسود... بل كان زنزانة صُممت للحفاظ على الكائن الذي يتغذى على أصداء البشر... والذكاء الاصطناعي فتح له البوابة الرقمية ليخرج عبر الترددات!"
وفجأة، صدر من التسجيل صوت صرخة عمر الأخيرة، يتبعها صوت انطفاء الأنوار في المعمل!
وفي نفس اللحظة بالضبط... انقطعت الكهرباء عن المعمل بأكمله، وغرقت القاعة في ظلام دامس مفاجئ.
في العتمة المطلقة، همس حسام برعب وهو يستمع إلى الصوت الصادر من هاتفه المحمول الذي يكمل البث الذاتي بمفرده: "إنه يقف بيننا في المعمل الآن يا حسام... لا تلتفت خلفك... ولا تتنفس!"
وفي تلك اللحظة، شعر حسام ببرودة ثلجية تلامس أسفل عنقه، وبأنفاس ثقيلة تنبعث منها رائحة الغبار والأحجار العتيقة... تتنفس مباشرة بجانب أذنه.
تابع جديد كبسولة طبية أ.د/ حسام عبد المنعم
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق