في هذا المقال
«ذهبتُ لأضع لك قيدًا حول قلبك، فإذا بك تضع العالم كله بين يديّ... ثم تتركني أختار إن كنت سأهرب أم أبقى.»
الفصل الأول: ليلة لا تشبه سواها
لم تكن ليل تؤمن بالصدف.
كانت تؤمن بأن كل شيء يحدث لسبب، وأن وراء كل ابتسامة كذبة، ووراء كل يد ممدودة فخًّا ينتظر أن يُغلق على أصابعك.
تعلّمت ذلك باكرًا، في دار الأيتام التي قضت فيها طفولتها، حيث كانت تنام كل ليلة وهي تعانق صورة صغيرة لوالديها، لا تعرف لماذا تركاها وحدها، ولا لماذا كان اسم أبيها ممنوعًا في الملفات الرسمية.
كبرت ليل وهي تحمل سؤالًا واحدًا في قلبها:
مَن قتل عائلتي؟
والآن، بعد سنوات من التدريب والدراسة والعمل الشاق، أصبحت ضابطة في جهاز الشرطة، معروفة بهدوئها المريب وقدرتها على قراءة الوجوه. لم تكن الأعلى صوتًا، ولا الأكثر استعراضًا لشجاعتها، لكنها كانت من النوع الذي يبتسم لك بينما يلاحظ ارتجافة يدك حين تكذب.
وكانت تلك الليلة بداية أخطر مهمة في حياتها.
مهمة تحمل اسم رجل واحد.
سامر الراوي.
زعيم المافيا الذي أخضع نصف المدينة لنفوذه، والذي لم تستطع الشرطة طوال سبع سنوات أن تجمع دليلًا واحدًا يكفي لإدانته.
وضعت ليل مسدسها في الحافظة المثبتة تحت معطفها، ثم وقفت أمام المرآة.
ارتدت فستانًا أسود طويلًا، وتركت شعرها ينسدل فوق كتفيها، بينما وضعت أحمر شفاه بلون أحمر داكن.
بدت جميلة، لكن عينيها كانتا تحملان شيئًا لا تستطيع مستحضرات التجميل إخفاءه.
الغضب.
رن هاتفها فوق الطاولة.
ظهر اسم اللواء فؤاد، رئيس الفريق الذي كُلّفت بالعمل معه.
أجابت:
— مساء الخير، سيدي.
جاءها صوته حازمًا:
— هل أنتِ مستعدة؟
— منذ اللحظة التي وافقت فيها على المهمة.
— أريدك أن تتذكري شيئًا واحدًا يا ليل. سامر ليس مجرمًا عاديًا. إنه لا يثق بأحد، ولا ينسى الإساءة، ولا يتردد في التخلص من كل مَن يشك في ولائه.
ابتسمت ليل دون مرح.
— إذًا سنكون متشابهين في هذه النقطة.
تنهد اللواء.
— هذه ليست لعبة. ستدخلين عالمه بهوية مزيفة، وستحاولين الوصول إلى حساباته وأسراره. نريد أدلة تربطه بشبكة الجريمة المنظمة. لا تتسرعي، ولا تسمحي لمشاعرك بالتدخل.
توقفت ابتسامتها عند الجملة الأخيرة.
— مشاعري ليست جزءًا من المهمة.
— أتمنى أن يظل الأمر كذلك.
صمت لحظة، ثم أضاف:
— هناك شيء آخر. لا تثقي بأي معلومة تجدينها عن مقتل والديك حتى نتحقق منها. ملف القضية القديمة أُغلق منذ سنوات، لكنني اكتشفت مؤخرًا أن بعض الوثائق اختفت.
شعرت ليل ببرودة تسري في ظهرها.
— وما علاقة هذا بمهمتي؟
— لا أعرف بعد.
— سيدي، أنت تعرف شيئًا لا تخبرني به.
طال الصمت بينهما.
ثم قال اللواء:
— اذهبي إلى الحفل يا ليل. ولا تنسي أنك ضابطة شرطة قبل أن تكوني فتاة تبحث عن إجابة.
انتهت المكالمة.
ظلت ليل تحدق في الشاشة لثوانٍ، ثم رفعت عينيها إلى صورة والديها.
— سأعرف الحقيقة، حتى لو اضطررت إلى هدم المدينة كلها.
التقطت حقيبتها وغادرت.
لم تكن تعرف أن الرجل الذي ستواجهه بعد أقل من ساعة يحمل مفتاحًا لسرّ دفنته عائلتها قبل أن تولد.
ولم تكن تعرف أن أخطر ما قد يحدث لها لن يكون اكتشاف هويتها.
بل أن تتمنى، يومًا ما، لو لم تكتشفها أبدًا.
الفصل الثاني: الرجل الذي لا يبتسم
كان قصر الراوي مضاءً كأنه قطعة من النهار سقطت في قلب الليل.
سيارات فاخرة اصطفت أمام البوابة الحديدية، وحراس ببدلات سوداء راقبوا الضيوف بعناية. داخل القاعة، امتزجت الموسيقى الهادئة بأحاديث رجال الأعمال والسياسيين وأصحاب الوجوه التي تظهر في الصحف نهارًا، ثم تختفي في الأماكن المظلمة ليلًا.
دخلت ليل القاعة بخطوات ثابتة.
لم تكن هذه أول مرة تدخل فيها مكانًا خطرًا، لكنها المرة الأولى التي شعرت فيها بأن الجدران نفسها تراقبها.
اقترب منها نادل يحمل صينية من الكؤوس.
أخذت كأسًا دون أن تشرب، ثم راحت تراقب انعكاس القاعة في الزجاج.
رجل عند المدخل يلمس سماعة أذنه كل دقيقة.
حارس قرب الدرج لا يرفع عينيه عن الطابق العلوي.
امرأة تجلس وحدها، رغم أن الجميع يحاول الاقتراب منها.
ثم رأته.
كان يقف قرب نافذة ضخمة تطل على المدينة، مرتديًا بدلة سوداء مفصلة بعناية، وقميصًا أبيض مفتوح الزر الأعلى منه. شعره الداكن مرتب إلى الخلف، وملامحه حادة، أما عيناه فكانتا ثابتتين على الرجل الذي يتحدث إليه.
لم يبدُ كزعيم عصابة.
بدا كرجل اعتاد أن يحصل على كل ما يريد، حتى صار الملل خصمه الوحيد.
همست ليل لنفسها:
— سامر الراوي.
كأن الاسم وصل إليه رغم المسافة، التفت فجأة.
التقت عيناهما.
لم يبتعد بنظره كما يفعل الغرباء عادة، بل تأملها طويلًا، ثم قال شيئًا للرجل الذي بجواره وبدأ يسير نحوها.
شعرت ليل بأن قلبها أخطأ إيقاعه للحظة، فكرهت نفسها على ذلك.
توقف أمامها.
— لا أظن أنني رأيتك هنا من قبل.
رفعت حاجبها.
— وهل تحفظ وجوه جميع ضيوفك؟
— أحفظ الوجوه التي تستحق أن أتذكرها.
— لا بد أن ذاكرتك متعبة.
ارتسمت على فمه ابتسامة خفيفة.
— ولسانك يبدو أكثر تعبًا منها.
كادت ليل تبتسم، لكنها تداركت نفسها.
مد يده.
— سامر الراوي.
صافحته بثقة.
— ليل منصور.
كانت الكذبة الأولى التي قالتها له تلك الليلة، لأن اسمها الحقيقي لم يكن كاملًا كما ظهر في هويتها الجديدة، ولأنها لم تكن تريد أن يعرف أي شيء عن طفولتها.
نظر سامر إلى يدها قبل أن يتركها.
— يدك باردة.
سحبتها.
— الجو بارد.
ألقى نظرة على القاعة الدافئة.
— بالطبع.
ثم مال قليلًا نحوها وقال بصوت منخفض:
— هل تعرفين ما أكثر شيء أكرهه؟
— الرجال الذين يطرحون الأسئلة ويتوقعون أن يجيبهم الجميع؟
ضحك ضحكة قصيرة، بدت غريبة على وجهه.
— الكذب.
شعرت ليل أن الجملة موجهة إليها وحدها.
أجابته بثبات:
— إذًا لا بد أنك تعيش حياة صعبة.
اختفت ابتسامته، لكنه لم يغضب.
على العكس، بدا أكثر اهتمامًا.
— أخبريني يا ليل، ما الذي جاء بك إلى حفلي؟
— دعوة.
— جميع الموجودين هنا يحملون دعوة. لم أسأل عن الطريقة التي دخلتِ بها، بل عن السبب.
رفعت كأسها إلى شفتيها دون أن تشرب.
— ربما أردت أن أرى الرجل الذي يتحدث عنه الجميع.
— وهل أعجبك ما رأيتِ؟
تأملته لثانية.
— لم أقرر بعد.
اقترب أحد رجال سامر وهمس في أذنه:
— سيدي، السيارة جاهزة، والاجتماع سيبدأ خلال عشر دقائق.
لم يرفع سامر عينيه عن ليل.
— أجّله.
— لكن السيد كمال ينتظر منذ—
قاطعه سامر ببرود:
— هل طلبت رأيك؟
انخفض رأس الرجل فورًا.
— لا، سيدي.
ابتعد.
نظرت ليل إلى سامر، وقد سجّلت في ذهنها رد فعله. لم يكن مجرد رجل يملك المال؛ كان رجلًا يخافه المحيطون به، ويعرف كيف يجعل الصمت أكثر تهديدًا من الصراخ.
قالت:
— يبدو أن الناس لا يحبون إزعاجك.
— الناس يحبون أشياء كثيرة، لكنهم يتعلمون بسرعة ما الذي يجب ألا يفعلوه.
— وأنت؟ هل تعلّمت ما الذي يجب ألا تفعله؟
تغير شيء في عينيه.
شيء قديم، حاد، ومؤلم.
ثم عاد وجهه إلى بروده المعتاد.
— نعم. تعلّمت ألّا أمنح أحدًا فرصة لإيذائي مرتين.
للمرة الأولى، لم تجد ليل ردًا سريعًا.
كانت تعرف هذا الشعور جيدًا.
أن تُجرح مرة، ثم تقضي بقية حياتك في معاقبة العالم كله على جرح لم يسببه الجميع.
وقبل أن تستعيد توازنها، مد سامر يده إليها.
— هل ترقصين؟
حدقت في يده.
كان عليها أن ترفض. مهمتها تتطلب الحذر، وكل دقيقة تقضيها قريبة منه تزيد احتمال انكشافها.
لكن رفضه بلا سبب قد يثير شكوكه.
وضعت يدها في يده.
— رقصة واحدة.
جذبها برفق نحو وسط القاعة.
— بالطبع.
ثم همس قرب أذنها:
— لنرَ إن كنتِ تجيدين الرقص بقدر ما تجيدين إخفاء ما تفكرين فيه.
تجمدت ابتسامتها.
أما هو، فابتسم للمرة الثانية.
وكانت تلك أول إشارة إلى أن سامر الراوي لم يكن الرجل السهل الذي تخيلته.
الفصل الثالث: رقصة فوق حافة الهاوية
وضعت ليل يدها على كتف سامر، بينما استقرت يده عند خصرها بمسافة محترمة، وبدأت الموسيقى تتصاعد ببطء.
كان يرقص بثقة رجل لا يخشى أن يخطئ أمام أحد.
أما ليل، فكانت تحاول أن تتذكر أن قربها منه ليس إلا جزءًا من المهمة.
قال سامر:
— أنتِ لا تبدين كفتاة تحب الحفلات.
— وأنت لا تبدو كرجل يحب الأسئلة.
— ربما لأنني أفضل الإجابات.
— ربما لأنك لا تسمع إلا ما تريد سماعه.
نظر إليها مباشرة.
— أنتِ خطيرة يا ليل.
شعرت بقشعريرة خفيفة، لكنها رفعت ذقنها.
— هذه مجاملة أم تهديد؟
— لم أقرر بعد.
تبادلا ابتسامة قصيرة، ثم دار بها مع إيقاع الموسيقى.
وللحظة، نسيت ليل أنها تحمل مسدسًا تحت فستانها، وأن فريقًا كاملًا ينتظر منها معلومات عن هذا الرجل.
نسيت الملفات والصور والأسئلة.
لم ترَ سوى عينين داكنتين تنظران إليها وكأنهما تحاولان حل لغز قديم.
وكان ذلك أخطر من أي سلاح.
انتهت الموسيقى، لكنها لم تسحب يدها فورًا.
لاحظ سامر ذلك.
لاحظ أيضًا أنها ابتعدت عندما عاد وعيها إليها.
قال:
— هل أخفتك؟
— لا أحب الرجال الذين يظنون أن العالم يدور حولهم.
— وأنا لا أحب النساء اللواتي يكذبن بثقة.
توقفت أنفاسها للحظة.
ثم سألته:
— هل تتهمني بالكذب؟
اقترب خطوة، وقال بهدوء:
— لم أتهمك بشيء. أنا فقط أحب أن أعرف مَن يقف أمامي.
— وماذا لو لم يعجبك ما تعرفه؟
مال برأسه قليلًا.
— عندها أقرر إن كنت أريد أن أعرف المزيد.
لم تعرف ليل ماذا تقول.
وفجأة، انطفأت أضواء القاعة.
تعالت أصوات الضيوف، وسمعت ارتطام شيء بالأرض، ثم صرخة قصيرة من جهة الممر.
تحولت الموسيقى إلى صمت، وأضاءت مصابيح الطوارئ بلون أحمر خافت.
وقبل أن تتمكن ليل من التحرك، أمسك سامر بذراعها وسحبها خلف عمود رخامي.
— ابقي هنا.
همست بغضب:
— لا تعطيني أوامر.
نظر إليها بحدة.
— ليس الآن.
أخرج سلاحه، ثم أشار إلى أحد الحراس الذي ظهر من الظلام.
— أغلقوا الأبواب. لا أحد يغادر.
قال الحارس:
— هناك رجل مسلح قرب الممر الغربي.
تحرك سامر بسرعة، لكنه توقف عندما سمع صوت ارتطام خلفه.
كان أحد الحراس قد اندفع نحو ليل، بعدما لاحظ حركتها وهي تحاول الوصول إلى الممر.
أمسك بذراعها بعنف.
— إلى أين تذهبين؟
حاولت الإفلات منه.
— اتركني!
قبل أن يتمكن من جرّها، ظهر سامر.
أمسك الحارس من كتفه ودفعه بعيدًا عنها.
— هل فقدت عقلك؟!
قال الحارس مرتبكًا:
— سيدي، كنت أظن أنها—
— لا تفكر نيابة عني مرة أخرى.
ثم التفت إلى ليل.
كانت تحاول إخفاء ارتجافة أصابعها.
لاحظ سامر ذلك، فخفض صوته.
— هل أصابك شيء؟
— أنا بخير.
نظر إلى معصمها الذي بدأ يحمر.
— هذا ليس ما سألتك عنه.
سحبت يدها.
— قلت إنني بخير.
صمت لحظة، ثم خلع سترته ووضعها على كتفيها، رغم أنها لم تبدُ بحاجة إليها.
نظرت إليه بدهشة.
قال دون أن ينظر في عينيها:
— لا أحب أن يلمس رجالي ضيوفي دون إذني.
كانت تلك طريقته في إخفاء اهتمامه.
لكن ليل لم تكن تعرف ذلك بعد.
بعد دقائق، عادت الإضاءة، وأعلن الحراس أن الرجل المسلح قد فرّ من المبنى.
وقف سامر وسط القاعة، وأصدر أوامره بصوت هادئ، بينما كان الجميع ينتظر رد فعله.
لم يصرخ.
لم يبدُ خائفًا.
لكنه كان غاضبًا على نحو جعل رجاله يتجنبون النظر إليه.
وقبل أن يغادر، التفت إلى ليل.
— سأرسل أحد رجالي لإيصالك إلى المنزل.
أجابت فورًا:
— لا أحتاج إلى حراسة.
— لم أسألك عما تحتاجين إليه.
— وأنا لا أقبل أن يقرر أحد عني.
نظر إليها طويلًا، ثم قال:
— إذًا اعتبريها دعوة لركوب سيارة مريحة بدلًا من الوقوف في الشارع حتى تجدي سيارة أجرة.
رفعت حاجبها.
— هل هذه طريقتك في الاعتذار عن الأوامر؟
— أنا لا أعتذر كثيرًا.
— لاحظت.
ضحك بخفة.
ثم أشار إلى الباب.
— تصبحين على خير، يا ليل.
غادرت وهي ترتدي سترته فوق كتفيها، ولم تنتبه إلى الورقة الصغيرة التي سقطت من جيبها أثناء الحادث.
ورقة تحمل ختم الشرطة.
وجدها سامر بعد دقائق.
فتحها.
قرأ الاسم المكتوب عليها.
ليل منصور — إدارة مكافحة الجريمة المنظمة.
اختفت كل ملامح المرح من وجهه.
رفع عينيه نحو الباب الذي غادرت منه.
ثم طوى الورقة ووضعها في جيبه.
قال رجله المقرّب، مازن:
— سيدي، هل هناك مشكلة؟
أجاب سامر ببرود:
— لا.
ثم أضاف، وعيناه معلقتان بالباب:
— بل بدأت المشكلة للتو.
الفصل الرابع: أول كذبة
في صباح اليوم التالي، جلست ليل في غرفة التحقيق أمام اللواء فؤاد، وقد وضعت سترتها السوداء على ظهر الكرسي.
لم تنم إلا ساعتين.
كانت تفكر في سامر، وفي الطريقة التي وقف بها أمامها عندما أمسك الحارس بذراعها، وفي نظراته التي بدت أحيانًا كأنها تخفي حزنًا أعمق مما تستطيع فهمه.
كرهت أنها تذكرت تلك التفاصيل.
قال اللواء:
— كيف سار اللقاء؟
أخرجت دفترها.
— سامر شديد الحذر، ورجاله يخضعون له بالكامل. لديه اجتماعات مغلقة، ويبدو أنه تلقى تهديدًا خلال الحفل.
— هل رأيتِ شيئًا يربطه بالعمليات التي نحقق فيها؟
— ليس بعد.
نظر إليها اللواء مطولًا.
— أنتِ تبدين شاردة.
أغلقت الدفتر.
— لم أنم جيدًا.
— ليل، أنا أثق بك. لكن هذا الرجل قادر على جعل أذكى الأشخاص يرتكبون أخطاء غبية.
رفعت رأسها.
— لن أقع في حبه، إذا كان هذا ما يقلقك.
لم يبتسم اللواء.
— أنا لا أخشى أن تقعي في حبه. أخشى أن تكتشفي شيئًا يجعلك تتوقفين عن كرهه.
سكتت ليل.
كانت الجملة غريبة، لكنها لم تمنحها وقتًا للسؤال.
أخرج اللواء صورة قديمة ووضعها أمامها.
تلاشت الألوان من وجهها.
كانت الصورة لوالدها، واقفًا بجوار رجل لم تره من قبل، أمام مبنى قديم احترق منذ سنوات.
على ظهر الصورة، كُتب تاريخ يسبق وفاة والديها بأسبوع واحد.
همست:
— من أين حصلت على هذه؟
— وُجدت في ملف مرتبط بإحدى الشركات التي نراقبها. الشركة كانت واجهة مالية لإمبراطورية الراوي قبل عشر سنوات.
رفعت ليل عينيها ببطء.
— هل تقول إن أبي كان يعمل مع سامر؟
— أقول إن هناك شيئًا في ماضي عائلتك لم يخبرك به أحد.
شعرت كأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.
— لماذا لم تخبرني بهذا من قبل؟
— لأنني لم أكن أملك الدليل. ولأن بعض الأشخاص الذين حققوا في القضية اختفوا أو ماتوا في ظروف غامضة.
وقفت ليل.
— أريد الملف كاملًا.
— ليس الآن.
— سيدي!
— ليس الآن يا ليل! لا أريدك أن تدخلي هذه القضية بعاطفتك. مهمتك مع سامر ستستمر، لكنني أريدك أن تخبريني بكل شيء تكتشفينه، حتى لو كان ضد مصلحتك الشخصية.
نظرت إلى الصورة مرة أخرى.
كان الرجل الذي يقف بجوار والدها يحمل ساعة فضية مميزة.
ساعة رأت مثلها في يد سامر الليلة الماضية.
تراجعت خطوة.
لا.
لا يمكن أن يكون الأمر بهذه البساطة.
أخذت الصورة وغادرت الغرفة دون أن تقول كلمة.
وفي الممر، أخرجت هاتفها وفتحت الرسالة التي أرسلها إليها رقم مجهول قبل دقائق.
كانت الرسالة قصيرة:
«إذا أردتِ معرفة مَن قتل والديك، فتوقفي عن البحث في ملفات سامر... وابدئي بالبحث في ملفات الشرطة.»
وتحتها صورة لوالدها وهو يدخل مبنى الأمن المركزي، قبل ساعات من وفاته.
شعرت ليل أن الهواء لم يعد يكفيها.
للمرة الأولى منذ سنوات، لم تعرف مَن عدوها.
وللمرة الأولى، لم يكن الرجل الذي يفترض أن توقعه هو أكثر مَن تخشاه.
بل الرجل الذي قد يكشف لها الحقيقة.
سامر الراوي.
الفصل الخامس: رسالة من عدوّ
في تلك الليلة، جلست ليل في شقتها، وأمامها الصور القديمة وتقارير القضية والرسالة المجهولة.
لم يكن من المنطقي أن تثق بسامر.
ولم يكن من المنطقي أن تتجاهل احتمال أن يكون شخص آخر قد زرع الأدلة ليوجهها نحوه.
كانت تعرف شيئًا واحدًا: إذا أرادت الحقيقة، فعليها أن تتوقف عن رؤية العالم بالأبيض والأسود.
رن هاتفها.
رقم غير مسجل.
أجابت بحذر:
— مَن معي؟
جاءها صوت سامر.
— مساء الخير، يا ضابطة منصور.
تجمدت في مكانها.
لم تقل شيئًا.
تابع بصوت هادئ:
— أظن أن لدينا مشكلة صغيرة.
أغمضت عينيها لثانية.
— لا أعرف عمّا تتحدث.
— بالطبع. وأظن أنك لم تتركي ورقة تحمل اسم إدارتك في جيبي أيضًا.
صمتت.
ثم سألته:
— لماذا لم تسلّمني للشرطة؟
ضحك ضحكة قصيرة بلا مرح.
— سؤال ممتاز. كنت أفكر في السؤال نفسه.
— إذا كنت تريد تهديدي، فاختصر الطريق.
— لو أردت تهديدك، لما اتصلت بك.
— إذًا ماذا تريد؟
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قال سامر:
— أريد أن أعرف لماذا تحققين معي.
أجابت ببرود:
— ربما لأنك مجرم.
— احتمال وارد.
— وربما لأنني أريد أن أراك خلف القضبان.
— وهذا احتمال وارد أيضًا.
ضاقت عيناها.
— هل تسخر مني؟
— قليلًا.
— أنت رجل مستفز.
— وأنتِ ضابطة سيئة في إخفاء غضبها.
كادت تغلق الهاتف، لكنه قال فجأة:
— ليل.
توقفت أصابعها.
كانت هذه المرة الأولى التي ينطق فيها اسمها دون سخرية.
— ماذا؟
— الرجل الذي هاجم الحفل لم يكن يستهدفني وحدي.
نظرت إلى الصورة أمامها.
— ماذا تقصد؟
— كان يبحث عن شخص ما بين الضيوف. وعندما انطفأت الأنوار، اتجه مباشرة نحو المكان الذي كنتِ تقفين فيه.
— ربما كان يريد قتلي.
— ربما.
— ولماذا تخبرني بهذا؟
جاءها صوته أكثر جدية:
— لأنني لا أحب أن يستخدم أحد ضيوفي لإرسال رسالة إليّ.
— أنا لست ضيفتك.
— هذا صحيح.
صمت لحظة، ثم أضاف:
— لكنني أظن أنك ستعودين.
شعرت ليل بالغضب من ثقته.
— لا تراهن على ذلك.
— لم أراهن قط على شيء لا أستطيع الفوز به.
أنهت المكالمة.
لكن هاتفها أضاء بعد ثوانٍ برسالة جديدة منه.
عنوان مكان، ووقت محدد.
ثم جملة واحدة:
«إذا كنتِ تريدين معرفة الحقيقة عن والدك، تعالي وحدك.»
حدقت في الشاشة طويلًا.
كان عليها أن تخبر اللواء.
كان عليها أن تعتبر الرسالة فخًا.
وكان عليها، قبل كل شيء، أن تتذكر أن سامر رجل لا يثق بأحد، وأنها ضابطة شرطة، وأن الاقتراب منه أكثر من اللازم قد يكلّفها كل شيء.
لكنها نظرت إلى صورة والدها.
ثم إلى الساعة.
وعند منتصف الليل، اتخذت القرار الذي سيغيّر حياتها.
ذهبت لمقابلة سامر.
لم تكن تعرف أن الرجل الذي ينتظرها يحمل ملفًا قديمًا، وأن داخل ذلك الملف اسمًا واحدًا سيجعلها تشك في كل ما آمنت به طوال حياتها.
اسم والدها.
الفصل السادس: الملف الأسود
كان المستودع القديم يقع في أطراف المدينة، بعيدًا عن الأضواء والعيون المتطفلة.
وصلت ليل قبل الموعد بعشر دقائق. أوقفت سيارتها على مسافة من المكان، وتأكدت من وجود سلاحها، ثم دخلت من الباب الحديدي الذي تركه أحدهم مواربًا.
كان المكان مظلمًا، تفوح منه رائحة الغبار والرطوبة.
— تأخرتِ.
جاء الصوت من خلفها.
استدارت بسرعة، ورفعت يدها نحو سلاحها، لكنها توقفت حين رأت سامر واقفًا بجوار طاولة خشبية، مرتديًا قميصًا أسود مطوي الأكمام.
نظر إلى يدها المقتربة من سلاحها، ثم رفع عينيه إليها.
— هل تحملين مسدسًا في كل مكان تذهبين إليه؟
— فقط عندما أقابل رجالًا مثلك.
ابتسم بسخرية.
— إذًا لا بد أنك تحملين ترسانة كاملة.
— ماذا تريد يا سامر؟
اختفت ابتسامته.
فتح درج الطاولة وأخرج ملفًا أسود، ثم دفعه نحوها.
— انظري بنفسك.
اقتربت ليل بحذر، وفتحت الملف.
كانت الصفحة الأولى تحمل صورة والدها، وتحتها اسم شركة لم تسمع بها من قبل. أما الصفحة الثانية فاحتوت على تحويلات مالية قديمة، وتوقيعات متعددة، من بينها توقيع رجل تعرفه جيدًا.
اللواء فؤاد.
تراجعت يدها عن الورقة.
— هذا مستحيل.
— هل أنتِ متأكدة؟
رفعت عينيها نحوه.
— فؤاد هو من أشرف على التحقيق في قضية والديّ.
— وهل أخبركِ بكل شيء؟
لم تجب.
أخرج سامر صورة أخرى ووضعها أمامها. ظهرت فيها ثلاثة رجال أمام مبنى قديم: والدها، واللواء فؤاد، ورجل ثالث لم يظهر وجهه كاملًا.
قال سامر:
— والدك لم يكن يعمل معي كما تظنين. كان محاسبًا لدى شركة تُستخدم لغسل الأموال. لكنه اكتشف أن الشركة تخفي شبكة أكبر، تضم أشخاصًا من داخل الشرطة وخارجها.
— ولماذا لم يذهب إلى السلطات؟
— لأنه ذهب بالفعل.
أشار إلى اسم فؤاد.
— لكنه وثق بالشخص الخطأ.
شعرت ليل أن الأرض تميد تحت قدميها.
— كيف تعرف كل هذا؟
سكت سامر طويلًا.
ثم قال:
— لأن أبي مات في الليلة نفسها التي مات فيها والداك.
رفعت رأسها ببطء.
— ماذا؟
— قيل لي إن والدك سرق أموالًا من شركتنا، وإن أبي حاول إيقافه. قُتل أبي في حادث سيارة بعد ساعات من اختفاء والدك. كبرت وأنا أعتقد أن عائلتك كانت السبب.
نظرت ليل إليه بذهول.
— إذًا أنت أيضًا كنت تبحث عن الانتقام؟
— سبع سنوات.
اقترب منها، لكنه توقف عندما لاحظ أنها تشد الملف بين أصابعها.
— والآن، يبدو أننا كنا نطارد بعضنا طوال هذه السنوات، بينما القاتل الحقيقي يراقبنا من بعيد.
أغلقت ليل الملف.
— لا أثق بك.
— وأنا لم أطلب منكِ ذلك.
— لماذا أعطيتني الملف إذًا؟
نظر إليها بعينين متعبتين.
— لأنك تستحقين معرفة الحقيقة، حتى لو كانت ستجعلك تكرهينني أكثر.
للمرة الأولى، لم تجد ليل شيئًا تقوله.
وحين غادرت المستودع، لم يطلب سامر منها البقاء.
لكنه قال قبل أن تصل إلى الباب:
— ليل؟
التفتت.
— احذري فؤاد.
أجابته بصوت خافت:
— وأنت احذر مني.
ابتسم ابتسامة حزينة.
— هذا ما أخشاه بالضبط.
الفصل السابع: الرجل الذي خذلها
في صباح اليوم التالي، دخلت ليل مكتب اللواء فؤاد وهي تحمل نسخة من إحدى الوثائق التي وجدتها.
كان يجلس خلف مكتبه، يراجع أوراقًا عندما رفع رأسه إليها.
— صباح الخير يا ليل. هل هناك شيء جديد؟
وضعت الورقة أمامه.
— أريد تفسيرًا لهذا التوقيع.
تغير وجهه للحظة قصيرة، لكنها لاحظتها.
— من أين حصلتِ على هذه؟
— هذا ليس جوابًا.
أغلق الملف الذي كان أمامه.
— بعض الوثائق القديمة لا تعني ما تظنينه.
— هل كنت تعرف والدي؟
صمت.
— أجيبي عن سؤالي أولًا، ثم سأجيب عن سؤالك.
ضربت الورقة بيدها فوق المكتب.
— لا! قضيت سنوات أبحث عن الحقيقة، وأنت تطلب مني أن أثق بك دون أن تشرح شيئًا.
نهض فؤاد ببطء.
— كنت أعرف والدك، نعم. وكان رجلًا جيدًا، لكنه تورط في أمور أكبر منه.
— هل قتلته؟
ساد الصمت.
كانت تلك الثواني أطول من كل سنوات طفولتها.
ثم قال:
— لا.
حدقت في عينيه، محاولةً قراءة الكذب.
لم تستطع.
أضاف فؤاد:
— لكنني ارتكبت خطأً لن أسامح نفسي عليه أبدًا. في الليلة التي مات فيها والداك، وصلتني رسالة منه يطلب فيها المساعدة. لم أذهب.
شعرت ليل بغصة مؤلمة.
— لماذا؟
— لأنني كنت أعتقد أنه يحاول توريطي في قضية فساد. وفي الصباح، عرفت أنه مات.
جلست على الكرسي المقابل له.
لم يكن اعترافًا كاملًا، لكنه كان أول شرخ في الجدار الذي بنته حول ذكرياتها.
قال فؤاد:
— ليل، أريدك أن تنسحبي من قضية سامر.
رفعت رأسها.
— لماذا؟
— لأن الأمر لم يعد آمنًا.
— أم لأنني بدأت أقترب من الحقيقة؟
تجمد وجهه.
وفي تلك اللحظة، فهمت أن الشك الذي زرعه سامر لم يكن وهمًا.
خرجت من المكتب دون أن تنتظر إذنًا.
لكنها لم ترَ الرجل الذي كان يقف في نهاية الممر، يستمع إلى آخر جملة من حديثهما.
كان العقيد مازن، الرجل الذي يثق به فؤاد أكثر من الجميع.
أخرج هاتفه وأرسل رسالة قصيرة:
«الفتاة بدأت تعرف. يجب أن ننهي الأمر قبل أن تصل إلى الملف الأصلي.»
الفصل الثامن: اعتراف تحت المطر
كانت السماء تمطر حين خرجت ليل من مبنى الشرطة.
وقفت تحت المظلة الصغيرة قرب البوابة، تحدق في الشارع دون أن تراه حقًا.
سمعت صوت سيارة تتوقف أمامها.
انخفض الزجاج، وظهر سامر خلف المقود.
— اركبي.
نظرت إليه بحدة.
— هل تراقبني؟
— كنت في اجتماع قريب.
— وأصبحت مصادفةً تمر أمام مركز الشرطة في اللحظة التي أخرج فيها؟
— إذا كنتِ تريدين إجابة رومانسية، فأنا لست بارعًا في ذلك.
رغم غضبها، كادت تضحك.
ثم فتحت الباب وجلست.
لم يتحدث سامر في البداية. شغّل التدفئة، ثم أخرج منديلًا ووضعه قربها.
— أنت ترتجفين.
— الجو بارد.
نظر إليها بطرف عينه.
— هذه الجملة مألوفة.
أدارت وجهها نحو النافذة.
— لا تبدأ.
قاد السيارة إلى شارع هادئ، ثم توقف أمام مقهى صغير لا يكاد يعرفه أحد.
جلسا قرب النافذة، وطلب لها قهوة ساخنة دون أن يسألها عن نوعها.
قالت وهي تراقبه:
— كيف عرفت أنني أشربها دون سكر؟
— لأنك تكرهين الأشياء التي تخفي مذاقها الحقيقي.
رفعت حاجبها.
— هل تدرسني؟
— أحاول فهمك.
— ولماذا؟
نظر إليها مباشرة.
— لأنني لم أعد أعرف إن كنت أريد أن أكتشف الحقيقة فقط، أم أنني أريد أن تبقي قريبة مني بعد أن نكتشفها.
توقف قلبها للحظة.
كانت هذه أول مرة يتحدث فيها دون قناع السخرية أو البرود.
خفضت عينيها إلى فنجانها.
— أنت لا تعرفني يا سامر.
— أعرف أنك تتظاهرين بالقوة عندما تكونين على وشك الانهيار. وأعرف أنك تضعين يدك على معصمك عندما تشعرين بالخوف. وأعرف أنك لم تنامي جيدًا منذ لقائنا.
رفعت عينيها نحوه.
— هذا لا يعني أنك تعرفني.
— صحيح.
صمت، ثم قال:
— لكنه يعني أنني أنتبه إليك.
لم تعرف كيف ترد.
في الخارج، اشتدت الأمطار، وانعكست أضواء السيارات على الزجاج.
قالت ليل أخيرًا:
— أخشى أن أكتشف أنني كنت مخطئة طوال حياتي.
أجابها بهدوء:
— الحقيقة لا تغيّر ما حدث، لكنها تمنحك فرصة ألا تعيشي أسيرة له.
— وهل نجحت أنت في ذلك؟
ابتسم ابتسامة لم تصل إلى عينيه.
— لا.
كان الجواب صادقًا إلى درجة أوجعتها.
مدت يدها دون تفكير، ثم توقفت قبل أن تلمس يده.
لاحظ سامر الحركة، لكنه لم يعلّق.
قال فقط:
— عندما تكونين مستعدة للثقة بي، سأكون هنا.
سحبت يدها.
— لا تعدني بشيء لا تستطيع الوفاء به.
أجابها:
— أنا لا أعد كثيرًا يا ليل. لكن عندما أفعل، لا أتراجع.
وفي طريق عودتها، أدركت ليل أن خوفها منه بدأ يتغير.
لم يعد خوفًا من رجل قد يؤذيها.
بل خوفًا من أن يصبح الرجل الذي لا تستطيع احتمال خسارته.
الفصل التاسع: الغيرة الأولى
بعد ثلاثة أيام، دعا سامر ليل إلى حفل خيري تنظمه إحدى شركاته.
كانت تعرف أن الحفل فرصة لجمع المعلومات، لكنها لم تكن تتوقع أن تشعر بالانزعاج عندما رأت امرأة شقراء أنيقة تقترب من سامر وتضع يدها على ذراعه.
قالت المرأة بابتسامة واسعة:
— لقد اشتقت إليك يا سامر.
أجابها ببرود:
— لم أكن أعلم أنك ستأتين.
— هل هذه طريقة للترحيب بي؟
— إنها الطريقة التي أرحب بها بمن لم أدعهم.
ابتعدت المرأة بامتعاض.
كانت ليل تراقب المشهد من بعيد، وقد وجدت نفسها تبتسم دون أن تشعر.
لكن سامر التفت إليها فجأة.
التقت عيناهما.
ابتسم لها ابتسامة صغيرة، ثم بدأ يسير نحوها.
قالت ليل عندما وصل:
— يبدو أن لديك معجبات كثيرات.
— هل يزعجك ذلك؟
— لا يعنيني الأمر.
— لم أسألك إن كان يعنيك. سألتك إن كان يزعجك.
رفعت كأس الماء إلى شفتيها.
— أنت مغرور أكثر مما توقعت.
— وأنت تغيرين الموضوع عندما لا يعجبك السؤال.
نظرت إليه بحدة.
— لا تظن أنني أغار عليك.
مال قليلًا نحوها.
— لم أقل إنك تفعلين.
— لكنك تفكر في ذلك.
ابتسم.
— ربما.
قبل أن ترد، اقترب رجل شاب يرتدي بدلة رمادية.
— ليل؟ لم أصدق عندما أخبروني أنك هنا!
التفتت بدهشة.
— كريم؟
كان كريم زميلها القديم في التدريب، وأحد الأشخاص القلائل الذين وثقت بهم في بدايات عملها.
صافحها بحرارة.
— اختفيتِ تمامًا! ظننت أنك نسيتِ أصدقاءك.
ضحكت ليل للمرة الأولى منذ أيام.
— كنت مشغولة.
وقف سامر إلى جانبها، وراقب الحوار دون أن يتدخل.
قال كريم:
— هل تسمحين لي برقصة؟ أم أن صديقك هذا سيعترض؟
نظرت ليل إلى سامر.
كان وجهه جامدًا، لكن أصابعه انقبضت حول كأسه.
أجابت بابتسامة متعمدة:
— بكل سرور.
ابتعدت مع كريم إلى ساحة الرقص.
من بعيد، تابع سامر حركتهما بعينين داكنتين.
اقترب منه مازن، الذي كان يراقبه.
— لم أرك غاضبًا هكذا منذ زمن، سيدي.
— أنا لست غاضبًا.
— بالطبع.
التفت إليه سامر.
— هل تريد أن تفقد عملك؟
رفع مازن يديه مستسلمًا.
— سأصمت.
لكن سامر لم يكن ينظر إليه.
كان ينظر إلى ليل، التي ضحكت على شيء قاله كريم، وشعر للمرة الأولى برغبة غريبة في أن يكون هو سبب تلك الضحكة.
حين عادت ليل، وجدته ينتظرها قرب الشرفة.
قالت:
— هل هناك مشكلة؟
— لا.
— وجهك يقول غير ذلك.
— وجهك أيضًا يقول أشياء كثيرة.
عقدت ذراعيها.
— هل أنت غاضب لأنني رقصت مع كريم؟
نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
— نعم.
لم تتوقع الإجابة.
— ماذا؟
— سمعتِني.
— ولماذا يهمك الأمر؟
اقترب خطوة، ثم توقف، كأنه يجبر نفسه على ألا يقول أكثر مما ينبغي.
— لأنني أكره أن أراكِ سعيدة مع رجل آخر بينما لا أعرف حتى إن كنتِ سعيدة معي.
تلاشت ابتسامتها.
لم يكن اعترافًا بالحب، لكنه كان أقرب شيء إليه.
همست:
— سامر...
هز رأسه.
— انسي ما قلته.
ابتعد عنها، تاركًا وراءه سؤالًا جديدًا لم تستطع ليل الإجابة عنه.
هل كان قلبها يقع في حبه فعلًا؟
أم أن أخطر فخاخ سامر لم تكن تلك التي ينصبها لأعدائه؟
بل تلك التي ينصبها لنفسه دون أن يشعر؟
الفصل العاشر: الرصاصة التي غيّرت كل شيء
في طريق عودتها إلى المنزل، لاحظت ليل سيارة سوداء تتبعها منذ عدة شوارع.
لم تكن سيارة سامر.
غيّرت مسارها مرتين، فتأكدت من أن السيارة تتبعها عمدًا.
أرسلت موقعها إلى زميل موثوق، ثم توقفت قرب شارع تجاري مضاء.
نزل رجلان من السيارة السوداء.
قال الأول:
— الضابطة ليل منصور؟
لم تجب.
أخرج الرجل الثاني سلاحًا.
تحركت ليل بسرعة، لكنها لم تتمكن من الوصول إلى مسدسها قبل أن يندفع أحدهما نحوها.
صرخت وهي تحاول الإفلات.
وفجأة، انطلقت سيارة مسرعة من نهاية الشارع، وتوقفت بعنف بجوارهم.
نزل سامر.
كان وجهه مختلفًا تمامًا؛ لم يكن الرجل الهادئ الذي عرفته في الحفل، بل رجلًا غاضبًا إلى حد مخيف.
صرخ:
— ابتعدا عنها!
ارتبك الرجلان، لكن أحدهما رفع سلاحه.
دوّى صوت الرصاصة.
شعرت ليل بيد تدفعها بعيدًا، ثم سمعت سامر يتأوه.
سقط على ركبته.
— سامر!
أطلقت ليل سلاحها في الهواء بعد أن ابتعد المهاجمان، ثم اندفعت نحوه.
كانت يده تضغط على كتفه، والدم يتسرب بين أصابعه.
قال بصوت متقطع:
— هل أنتِ بخير؟
نظرت إليه بذهول.
— أنت مصاب! هل فقدت عقلك؟ لماذا وقفت أمامي؟!
حاول الابتسام.
— سؤال طويل... أجيبي عن السؤال القصير أولًا.
— أي سؤال؟!
— هل أنتِ بخير؟
اغرورقت عيناها بالدموع.
— أنا بخير، أيها الأحمق!
أغمض عينيه لثانية، وكأنه ارتاح أخيرًا.
وصلت سيارة أخرى، ونقله رجاله إلى المستشفى الخاص الذي يتعاملون معه.
في غرفة الطوارئ، وقفت ليل في الممر، ويداها ملطختان بدمه.
لم تكن تعرف كم مرّ من الوقت.
كل ما كانت تتذكره هو أنه سأل عنها قبل أن يسأل عن نفسه.
اقترب منها مازن.
— الرصاصة لم تصب عضوًا حيويًا، لكن الطبيب يحتاج إلى وقت.
جلست ليل على المقعد، وغطت وجهها بيديها.
قال مازن بهدوء:
— لم أرَ سامر يخاطر بحياته من أجل أحد من قبل.
رفعت رأسها.
— لماذا؟
نظر إليها.
— لأنكِ أول شخص يخاف أن يخسره.
لم تستطع منع دموعها هذه المرة.
وبعد ساعات، سمح لها الطبيب بالدخول.
كان سامر مستلقيًا على السرير، شاحب الوجه، وكتفه ملفوفًا بالضمادات.
اقتربت وجلست بجانبه.
فتح عينيه عندما شعر بها.
— هل جئتِ للتحقيق معي؟
ضحكت من بين دموعها.
— سأقتلك بنفسي عندما تتعافى.
— هذا يعني أنكِ ستزورينني مرة أخرى.
ضربته بخفة على ذراعه السليمة.
— أنت لا تُطاق.
أمسك يدها قبل أن تسحبها.
كانت قبضته ضعيفة، لكنها جعلتها تتوقف.
قال بصوت منخفض:
— لا تبكي بسببي يا ليل.
نظرت إليه، ولم تستطع الكذب.
— لا أعرف كيف أتوقف.
ظل ينظر إليها، ثم قال:
— إذًا ابقي حتى تتوقفي.
لم تسحب يدها هذه المرة.
ولم يحاول هو أن يقول شيئًا آخر.
جلسا في صمت، بينما بدأت الحقيقة التي خافت ليل منها طويلًا تتشكل داخل قلبها.
لقد أصبحت تخاف عليه.
أكثر مما تخاف منه.
الفصل الحادي عشر: اعتراف لم يكتمل
مرّت أربعة أيام قبل أن يسمح الطبيب لسامر بمغادرة المستشفى.
أصرّ على العودة إلى منزله، رغم اعتراض ليل التي رافقته بناءً على طلب الطبيب.
قالت وهي تساعده على الجلوس:
— لو استمعت إلى نصائح الأطباء نصف ما تستمع إلى أوامر رجالك، لكان العالم مكانًا أفضل.
أجابها:
— لو استمعتِ أنتِ إلى نصائح الآخرين، لوفرتِ على نفسك الكثير من المتاعب.
— أنا لا أحتاج إلى نصائحك.
— وأنا لا أحتاج إلى ضابطة شرطة توبخني كل خمس دقائق.
تبادلا نظرة حادة، ثم ضحك سامر.
كانت تلك أول مرة ترى فيها ليل ضحكته الحقيقية، دون سخرية أو حذر.
وفي المساء، وجدته جالسًا قرب النافذة، يحدق في المدينة.
جلست على الأريكة المقابلة.
قال دون أن يلتفت:
— لماذا أصبحتِ ضابطة شرطة؟
أجابت بعد لحظة:
— لأنني فقدت والديّ دون أن أعرف السبب. أردت أن أصبح الشخص الذي لم أجده عندما كنت طفلة.
التفت إليها.
— هل ما زلتِ تبحثين عن قاتلهما؟
— كل يوم.
— وإذا اكتشفتِ أن الشخص الذي تحبينه يعرف الحقيقة؟
توقفت أنفاسها.
لم يسألها إن كانت تحبه.
لكنه استخدم الكلمة وكأنه يعرف الإجابة.
قالت بحذر:
— سأطلب منه أن يخبرني.
— وإذا كانت الحقيقة ستجعلك تكرهينه؟
نظرت إليه طويلًا.
— سأكرهه إذا كذب عليّ، لا لمجرد أن الحقيقة مؤلمة.
خفض سامر عينيه.
للمرة الأولى، بدا كأنه رجل لا يعرف كيف يتحدث.
قال:
— هناك شيء يجب أن أخبرك به.
اقتربت ليل قليلًا.
— ما هو؟
فتح فمه، ثم أغلقه.
رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة، وتغير وجهه فورًا.
أجاب:
— ماذا حدث؟
جاءه صوت مازن متوترًا:
— سيدي، وجدنا شيئًا في مكتب والدك القديم. أعتقد أنك يجب أن تراه بنفسك.
نهض سامر رغم ألمه.
وقفت ليل.
— إلى أين تذهب؟
— هناك أمر يجب أن أتحقق منه.
— لن تذهب وحدك وأنت في هذه الحالة.
نظر إليها.
— ليل، هذا ليس من شأنك.
تألمت من كلماته أكثر مما أرادت أن تعترف.
— حسنًا.
أخذت حقيبتها واتجهت نحو الباب.
ناداها:
— ليل...
لم تلتفت.
— عندما تقرر أن تثق بي، أخبرني.
وغادرت.
بقي سامر واقفًا في منتصف الغرفة، يدرك أنه كاد يقول لها إنه يحبها، لكنه خاف من شيء لم يخفه طوال حياته.
أن تمنحه قلبها، ثم يكتشف أنه السبب في تدميره.
الفصل الثاني عشر: الصورة التي لم يكن يجب أن تراها

في اليوم التالي، عادت ليل إلى مركز الشرطة، وطلبت الاطلاع على الأرشيف القديم لقضية والديها.
لم تكن تريد أن تتصرف بدافع الغضب، لكنها لم تعد تستطيع الوثوق بالمعلومات التي يقدمها لها فؤاد.
بعد ساعات من البحث، وجدت ملفًا ناقصًا يحمل رقم القضية.
كان بداخله تقرير عن حريق وقع في مستودع قبل وفاة والديها بأيام، وقائمة بأسماء الأشخاص الذين دخلوا المبنى.
اسم والدها.
اسم فؤاد.
واسم ثالث جعلها تشعر بأن الدم انسحب من وجهها.
مازن الراوي.
شقيق سامر الأكبر.
لكنها كانت تعرف أن سامر هو الابن الوحيد لعائلته، وأن شقيقه مات قبل سنوات في حادث غامض.
كيف ظهر اسمه في قضية والديها؟
واصلت البحث، فعثرت على صورة قديمة لمازن وهو يقف بجوار رجل آخر، يحمل الساعة الفضية نفسها التي رأتها في الصور.
كان الرجل هو العقيد مازن، مساعد فؤاد.
أغلقت الملف بسرعة عندما سمعت خطوات في الممر.
دخل زميلها كريم.
— ليل؟ ماذا تفعلين هنا وحدك؟
وضعت الأوراق في حقيبتها.
— أبحث عن شيء.
نظر إلى الملف المفتوح.
— هل يتعلق بقضية والديك؟
تجمدت.
— كيف عرفت؟
لم يجب مباشرة.
ثم قال:
— لأنني رأيت اسمك في تقرير قديم. ليل، هناك أشخاص لا يريدون لهذه القضية أن تُفتح مجددًا.
اقتربت منه.
— هل تعرف شيئًا؟
خفض صوته.
— أعتقد أن فؤاد ليس وحده.
— مَن معه؟
قبل أن يجيب، رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة، ثم ابتعد خطوتين.
— نعم، سيدي... فهمت.
أنهى المكالمة، وعاد إليها بوجه مختلف.
— يجب أن أغادر.
أمسكت بذراعه.
— كريم، انتظر.
نظر إليها، وفي عينيه شيء يشبه الاعتذار.
— لا تثقي بأحد الآن، حتى بي.
ثم غادر.
بقيت ليل وحدها في غرفة الأرشيف، تحدق في الباب الذي أغلقه خلفه.
كانت دائرة الخيانة تتسع.
والأسماء التي وثقت بها طوال حياتها بدأت تتساقط واحدًا تلو الآخر.
لكنها لم تكن تعرف أن كريم لم يكن يحاول حمايتها فحسب.
كان يحاول إنقاذ نفسه أيضًا.
الفصل الثالث عشر: الحقيقة التي أخفاها سامر
في تلك الليلة، ذهبت ليل إلى منزل سامر دون أن تخبره.
وجدته في مكتبه، والملف الأسود مفتوح أمامه.
رفع رأسه عندما دخلت.
— ظننت أنكِ لن تعودي.
قالت ببرود:
— جئت من أجل إجابات.
أشار إلى المقعد المقابل.
— اجلسي.
بقيت واقفة.
— مَن هو مازن الراوي؟
تغير وجه سامر.
— أين سمعتِ هذا الاسم؟
— أجبني.
أغلق الملف ببطء.
— أخي الأكبر.
— أخبرتني أنك الابن الوحيد.
— لأنه مات.
— هل أنت متأكد؟
نهض سامر، وأدار وجهه نحو النافذة.
— اختفى مازن عندما كنت في التاسعة عشرة. قيل لنا إن سيارته احترقت في حادث، لكن لم يُعثر على جثته. بعد ذلك، أخبرني رجال أبي أن عليّ نسيان الأمر.
اقتربت ليل خطوة.
— وهل نسيته؟
— لا.
التفت إليها.
— لكنني تعلمت ألا أبحث عن الأموات في عالم لا يعيد إليك أحدًا.
أخرجت الصورة التي وجدتها في الأرشيف، ووضعتها أمامه.
تأملها طويلًا.
— من أين حصلتِ عليها؟
— من ملف قضية والديّ.
رفع عينيه إليها.
— هل تعتقدين أن مازن لا يزال حيًا؟
— لا أعرف. لكنني أعتقد أن شخصًا ما يستخدم اسمه.
أخذ سامر الصورة، وراح يحدق في وجه الرجل الذي يقف بجوار أخيه.
— هذا فؤاد.
— أعرف.
— وهناك شيء آخر لم أخبرك به.
شعرت ليل بأن قلبها انقبض.
— ماذا؟
أعاد الصورة إلى الطاولة.
— قبل وفاة أبي بأيام، طلب مني أن أحافظ على شيء. مفتاح خزنة قديمة. قال إن داخلها دليلًا على خيانة شخص قريب منا.
— أين المفتاح؟
فتح درج مكتبه، وأخرج سلسلة فضية صغيرة تتدلى منها قطعة معدنية قديمة.
نظرت ليل إلى المفتاح.
كان مطابقًا للرسم الموجود على إحدى الوثائق في ملف والدها.
قال سامر:
— أعتقد أن الخزنة تحتوي على الحقيقة التي نبحث عنها.
— ولماذا لم تخبرني من قبل؟
نظر إليها طويلًا.
— لأنني كنت أخشى أن يكون اسم والدك داخلها.
— وهل هذا سبب كافٍ لتخفي الحقيقة عني؟
— لا.
كانت إجابته بسيطة وصادقة.
ثم أضاف:
— لكنه السبب الذي جعلني جبانًا للمرة الأولى في حياتي.
شعرت ليل بألم في صدرها.
— سامر، أنا لا أريد رجلًا يخفي عني الحقيقة بحجة أنه يريد حمايتي.
اقترب منها، لكنه لم يلمسها.
— أعرف.
— إذا أردت أن أكون إلى جانبك، فلا تجعلني أقاتل الظلام وحدي.
ظل ينظر إليها طويلًا.
ثم مد يده، ووضع المفتاح في كفها.
— لن أخفي عنك شيئًا بعد الآن.
أغلقت أصابعها حوله.
وللمرة الأولى، شعرت أن سامر لا يحاول السيطرة عليها.
بل يحاول أن يتعلم كيف يقف إلى جانبها.
لكنها لم تكن تعرف أن هناك شخصًا آخر يراقب المنزل من الخارج.
شخصًا يحمل الاسم نفسه الذي أصبح يطارد أحلامها.
مازن الراوي.
وكان يبتسم.
الفصل الرابع عشر: الخيانة الكبرى
قاد المفتاح ليل وسامر إلى خزنة قديمة داخل منزل عائلة الراوي، مخفية خلف لوحة زيتية في غرفة لم يدخلها أحد منذ سنوات.
فتح سامر الخزنة.
في الداخل، وجدا دفترًا ماليًا قديمًا، وذاكرة إلكترونية صغيرة، ورسالة مختومة باسم والد ليل.
فتحت الرسالة بيدين مرتجفتين.
كانت مكتوبة بخط أبيها:
«إلى ابنتي، إن وصلت هذه الرسالة إليك يومًا، فاعلمي أنني لم أتركك باختياري. اكتشفت شبكة من الفساد تمتد إلى أشخاص أقسموا على حماية الناس. وثقت برجل اعتقدت أنه صديقي، لكنه باعني مقابل السلطة. إذا حدث لي شيء، فلا تثقي بالملفات الرسمية وحدها. الحقيقة محفوظة في الحسابات، وفي أسماء الذين اختفوا.»
توقفت ليل عن القراءة.
لم تستطع التنفس.
كانت تلك أول مرة تشعر فيها أن والدها يتحدث إليها عبر السنوات.
أمسك سامر بالرسالة برفق، وأعادها إلى يدها.
— خذي وقتك.
هزت رأسها.
— لا أريد وقتًا. أريد أن أعرف مَن فعل هذا.
فتحا الدفتر المالي، وبدأا بمراجعة الأسماء.
ظهر اسم فؤاد.
ثم اسم العقيد مازن.
ثم اسم رجل لم يتوقعه أي منهما.
مازن الراوي.
لكن بجواره رقم حساب حديث، ومعاملة مالية تمت قبل شهر واحد فقط.
همست ليل:
— إنه حي.
لم يجب سامر.
كان وجهه شاحبًا، وعيناه معلقتين باسم أخيه.
قال أخيرًا:
— لقد كذبوا عليّ طوال هذه السنوات.
وقبل أن يتمكنا من متابعة القراءة، انفتح باب الغرفة.
وقف العقيد مازن عند المدخل، ممسكًا بسلاحه.
قال ببرود:
— كنت أتمنى أن تتركا الماضي مدفونًا.
رفع سامر رأسه.
— أنت؟
ابتسم العقيد.
— مساء الخير يا سامر.
تقدم سامر خطوة، لكن ليل أمسكت بذراعه.
قالت:
— لا تتحرك.
نظر العقيد إليها.
— ذكية كوالدك، لكنه ارتكب الخطأ نفسه. ظن أن الحقيقة وحدها تكفي لإنقاذه.
صرخت ليل:
— أنت قتلته!
لم ينكر.
قال فقط:
— والدك كان سيهدم كل شيء بنيته. لم يكن أمامي خيار.
ارتجفت يد ليل، لكنها لم ترفع سلاحها.
— كان أمامك خيار دائمًا. أنت اخترت قتله.
ضحك العقيد.
— وهل تظنين أنني عملت وحدي؟ فؤاد عرف جزءًا من الحقيقة، وصمت. أما سامر، فقد بنى إمبراطوريته فوق أنقاض ما تركه الآخرون.
التفتت ليل إلى سامر.
كانت الكلمات كالسكاكين، لكنها لم ترَ في وجهه إنكارًا ولا غضبًا منها.
فقط صدمة رجل اكتشف أن عائلته كانت تكذب عليه.
قال سامر بصوت منخفض:
— ضع سلاحك يا مازن.
— أنت من يجب أن يضع سلاحه.
— لن أكررها.
ضحك العقيد، ثم رفع سلاحه نحو ليل.
وفي اللحظة التي ضغط فيها على الزناد، دفعها سامر إلى الأرض.
دوّى صوت الرصاصة، وتحطم زجاج النافذة.
اندفعت ليل نحو سلاحها، بينما استغل سامر اللحظة للاحتماء خلف الطاولة.
صرخت:
— الشرطة! ألقِ سلاحك!
نظر العقيد إليها بسخرية.
— الشرطة؟ هل ما زلتِ تظنين أن هذه القضية تخص الشرطة وحدها؟
أخرج جهازًا صغيرًا من جيبه وضغط عليه.
انطلق إنذار حاد في أرجاء المنزل، وبدأت أبواب الطابق السفلي تُغلق آليًا.
كان الفخ قد أُعد مسبقًا.
لكن العقيد ارتكب خطأً واحدًا.
لقد ترك ليل وسامر معًا.
وكانا قد تعلما أخيرًا كيف يثقان ببعضهما.
الفصل الخامس عشر: ليلة سقوط الأقنعة
استطاعت ليل إرسال إشارة استغاثة مشفرة قبل أن ينقطع الاتصال.
أما سامر، فكان يحاول الوصول إلى مخرج جانبي.
قالت ليل:
— علينا أن نبقى معًا.
نظر إليها، ورغم خطورة الموقف، ابتسم.
— أهذا أمر من ضابطة الشرطة؟
— نعم.
— كنت أفضل أن يكون طلبًا.
رمقته بنظرة غاضبة.
— سامر!
— حسنًا، حسنًا.
تحركا عبر الممر الخلفي حتى وصلا إلى غرفة التحكم. كان العقيد قد بدأ بنقل الملفات إلى جهاز آخر استعدادًا لإتلافها.
دخلت ليل من الباب الجانبي، وصوّبت سلاحها.
— انتهى الأمر.
استدار العقيد ببطء.
— هل أنت متأكدة؟
رفع يده الأخرى، وأظهر هاتفًا عليه بث مباشر من كاميرا مراقبة.
كانت هناك صورة للواء فؤاد جالسًا في مكتبه، وخلفه رجلان مسلحان.
قال العقيد:
— إذا اعتقلتِني، فلن يعيش رئيسك حتى الصباح.
ترددت ليل للحظة.
استغل العقيد ترددها وحاول الوصول إلى السلاح الموضوع على الطاولة.
لكن سامر اندفع نحوه، وأسقطه أرضًا.
تشابكا بعنف، حتى سقط الهاتف وتحطم.
صرخت ليل:
— سامر، ابتعد!
رفع العقيد سلاحه مرة أخرى.
أطلقت ليل طلقة أصابت ذراعه، فسقط السلاح بعيدًا.
في اللحظة نفسها، اقتحم فريق من الشرطة المنزل.
قُيّد العقيد، وأُخذت الملفات تحت حراسة مشددة.
اقتربت ليل من سامر، الذي كان يتنفس بصعوبة.
— هل أنت مصاب؟
هز رأسه.
— لا.
أمسكت بوجهه بين يديها دون أن تفكر.
— أقسم إنك إذا مت، سأعيدك للحياة لأقتلك بنفسي.
نظر إليها بدهشة، ثم ابتسم.
— أهذه طريقتك في الاعتراف بالحب؟
تجمدت.
سحبت يديها بسرعة.
— لا تتوهم.
لكنه أمسك يدها برفق.
— ليل، انظري إليّ.
رفعت عينيها.
لم تكن هناك سخرية في وجهه هذه المرة.
قال:
— أنا أحبك.
توقفت الأصوات من حولها في داخل رأسها.
ثلاث كلمات بسيطة، لكنها كانت أثقل من كل ما حملته طوال حياتها.
تابع سامر:
— لا أطلب منك أن تنسي من أكون، ولا أن تتخلي عن عملك، ولا أن تسامحيني على أخطائي. أعرف أنني لست الرجل الذي كنتِ تبحثين عنه. لكنني أريد أن أكون الرجل الذي يمكنكِ الوثوق به، حتى عندما تكون الحقيقة ضدي.
امتلأت عيناها بالدموع.
— أنت لا تعرف كم أخاف من هذا الشعور.
— وأنا لا أعرف كيف أتعامل معه.
ضحكت من بين دموعها.
— أنت زعيم المافيا، وتخاف من الحب؟
— لا أخاف من الحب. أخاف أن أخسرك بسببه.
سكتت طويلًا.
ثم وضعت يدها على صدره وهمست:
— وأنا أحبك، يا سامر. لكنني لن أسمح لحبي لك أن يجعلني أغمض عيني عن الحقيقة.
قبّل جبينها برفق.
— لا أريدك أن تفعلي ذلك أبدًا.
في تلك اللحظة، لم يكن هناك زعيم مافيا وضابطة شرطة.
كان هناك رجل وامرأة تعبا من الحرب، ووجدا أخيرًا شخصًا لا يطلب منهما أن يختبئا خلف أقنعتهما.
لكن القضية لم تنتهِ بعد.
فقد كشفت الملفات أن اللواء فؤاد كان يعرف أكثر مما اعترف به، وأن شبكة الفساد تمتد إلى مسؤولين كبار.
وكانت ليل تعرف أن عليها أن تواجه الرجل الذي وثقت به سنوات طويلة.
حتى لو كان ذلك يعني أن تفقد آخر ما تبقى لها من ماضٍ.
الفصل السادس عشر: ثمن الحقيقة
في صباح اليوم التالي، ذهبت ليل إلى مكتب اللواء فؤاد.
لم تكن تحمل سلاحًا، ولم تكن تريد الانتقام.
كانت تحمل نسخة من الأدلة.
رفع فؤاد رأسه عندما دخلت، ثم نظر إلى الملفات في يدها.
أغلق عينيه للحظة.
— إذًا وصلتما إلى الخزنة.
وضعت الأوراق أمامه.
— أريد أن أسمع الحقيقة منك، لا من الملفات.
جلس ببطء.
— كنت أعرف أن هناك فسادًا في الشركة التي عمل بها والدك. لم أكن أعرف أن العقيد مازن متورط في القتل، لكنني اشتبهت في وجود شبكة داخل الشرطة.
— لماذا لم تحقق؟
— لأنني خفت.
كانت الكلمة صادمة أكثر من أي تبرير.
تابع:
— كنت أملك عائلة، ومستقبلًا، ومكانة بنيتها طوال حياتي. أقنعت نفسي أن الصمت سيحميني، وأنني سأتمكن من إصلاح الأمور لاحقًا. لكنني تأخرت، ومات والداك.
لم تستطع ليل النظر إليه.
— وتركتني أعيش سنوات وأنا أعتقد أنني وحدي.
خفض رأسه.
— أعرف أنني لا أستحق مسامحتك.
— لا أملك أن أمنحك البراءة يا سيدي. هذا من اختصاص القانون.
رفعت الملفات.
— لكنني لن أسمح لك بإخفاء الحقيقة مرة أخرى.
غادرت المكتب، وأبلغت الجهة المختصة بما وجدته.
لم يكن قرارًا سهلًا.
كان فؤاد الرجل الذي ساعدها في دخول الشرطة، والذي وقف بجانبها عندما كانت تشعر أنها لا تنتمي إلى أي مكان.
لكنها أدركت أن الامتنان لا يعني الصمت عن الخطأ.
وفي المساء، جلست وحدها أمام قبر والديها.
وضعت باقة من الزهور البيضاء، ثم أخرجت الرسالة القديمة.
— وجدتكما أخيرًا... ليس كما تمنيت، لكنني وجدتكما في الحقيقة التي تركتماها خلفكما.
بكت طويلًا.
وللمرة الأولى منذ طفولتها، لم تشعر أنها طفلة تُركت وحدها في عالم قاسٍ.
شعرت أنها امرأة استطاعت أن تصل إلى الحقيقة، مهما كان الثمن.
وعندما نهضت لتغادر، وجدت سامر ينتظر قرب البوابة.
لم يسألها إن كانت بخير.
لم يحاول أن يخفف ألمها بكلمات جاهزة.
اقترب فقط، وفتح ذراعيه.
ذهبت إليه.
احتضنها دون أن يقول شيئًا.
وكان ذلك كافيًا.
الفصل السابع عشر: الرجل الذي اختار أن يتغير
بعد اعتقال العقيد مازن وكشف جزء كبير من الشبكة، أصبح سامر أمام خيار لم يتوقع أن يواجهه يومًا.
إما أن يواصل حكم عالمه بالخوف، أو أن يهدم الإمبراطورية التي بناها ويحاول النجاة بما تبقى منه.
اجتمع برجاله في مكتبه.
قال أحدهم:
— سيدي، يمكننا نقل الأموال وإغلاق الشركات التي ظهرت في التحقيق. خلال أسبوع لن يبقى أي دليل.
نظر سامر إليه ببرود.
— وهل تظن أنني جمعتكم هنا لأطلب رأيكم في كيفية إخفاء الجرائم؟
تبادل الرجال النظرات.
تابع:
— انتهى الأمر. كل شركة استخدمت في غسل الأموال ستُسلّم حساباتها للجهات المختصة. وكل شخص تورط في الجرائم سيواجه القانون.
قال رجل آخر:
— لكن هذا سيقضي على إمبراطوريتك!
نهض سامر.
— إذا كانت إمبراطوريتي لا تستطيع البقاء إلا بدماء الأبرياء، فهي لا تستحق البقاء.
ساد الصمت.
لم يكن قراره نابعًا من الحب وحده. لقد رأى أخيرًا إلى أين قاده الانتقام، وكيف أصبح أسيرًا لماضٍ لم يختره.
لكنه لم يكن مستعدًا لأن يقضي بقية حياته يكرر أخطاء أبيه.
بعد الاجتماع، وجد ليل تنتظره عند الباب.
قالت:
— سمعت بما فعلت.
— لا تخبريني أنك جئتِ لاعتقالي.
رفعت حاجبها.
— لا تستبعد ذلك.
ضحك.
ثم أصبح جادًا.
— أعرف أن الطريق طويل. هناك جرائم ارتُكبت باسمي، وأشخاص تضرروا من أعمالي. لن أستطيع إصلاح كل شيء في يوم واحد.
— لا أحد يستطيع.
— لكنني سأحاول.
اقتربت منه.
— لا أريدك أن تتغير من أجلي وحدي يا سامر. أريدك أن تختار ذلك لأنك تعرف أنه الصواب.
أمسك يدها.
— لهذا السبب أفعل.
نظرت إليه طويلًا.
لم يكن ملاكًا، ولم يتحول فجأة إلى رجل بلا أخطاء. كان رجلًا يحاول أن يواجه ماضيه بدلًا من الاختباء خلف سلطته.
وكان ذلك أكثر صدقًا من أي وعد.
الفصل الثامن عشر: الاختبار الأخير
بعد أسابيع من التحقيقات، ظهرت أدلة جديدة تثبت تورط العقيد مازن في جرائم القتل والفساد، إضافة إلى محاولته استهداف ليل وسامر لإخفاء الوثائق.
لكن ملف سامر لم يُغلق.
استدعته النيابة للتحقيق في الأنشطة غير القانونية التي ارتبطت بشركاته، وطلبت منه تسليم جميع السجلات.
كان بإمكانه الهرب.
وكان بإمكانه استخدام المال والنفوذ لإخفاء ما تبقى.
لكنه اختار الذهاب بنفسه.
وقفت ليل خارج المبنى، تنتظره بعد انتهاء جلسة التحقيق.
خرج سامر بعد ساعات، وقد بدا التعب واضحًا على وجهه.
اقتربت منه.
— كيف سار الأمر؟
— لم يكن نزهة.
— هل أخبرتهم بكل شيء؟
— كل ما أعرفه.
نظرت إليه بقلق.
— وماذا سيحدث الآن؟
— لا أعرف. ربما أواجه عقوبة، وربما أستطيع إثبات أنني لم أشارك في بعض الجرائم التي ارتُكبت باسمي. لكنني لن أهرب.
أطرقت ليل برأسها.
كانت تعرف أن الحب لا يمحو القانون، وأنها لن تستطيع ضمان نهاية سهلة له.
قال سامر:
— ليل، إذا كان بقاؤك معي سيؤذيك، فلن أطلب منك الانتظار.
رفعت عينيها إليه.
— هل تظن أنني قضيت حياتي أبحث عن الحقيقة لأهرب منها عندما تصبح صعبة؟
— لا. لكنني لا أريد أن أكون سجنًا آخر لكِ.
اقتربت منه وأمسكت يده.
— أنت لست سجني يا سامر. لكنني لن أكون غطاءً لأخطائك، ولن أسمح لك بأن تعود إلى الطريق القديم.
أومأ.
— أتفق معك.
ابتسمت بحزن.
— إذًا لدينا فرصة.
ضغط على يدها برفق.
— فرصة واحدة؟
— سنرى.
ضحك.
— بدأتِ تتعلمين مني.
أجابته:
— لا تقلق. ما زلت أفضل منك في أشياء كثيرة.
وللمرة الأولى، خرجا معًا دون أن يشعر أي منهما بالحاجة إلى إخفاء الحقيقة.
كان المستقبل غامضًا، لكنه لم يعد فخًا.
الفصل التاسع عشر: حين اختارها القدر
مرّت ستة أشهر.
خلال تلك الفترة، شهدت المدينة محاكمات كشفت فساد عدد من المسؤولين، وأُغلقت شركات مرتبطة بالشبكة الإجرامية، وصودرت أموال غير مشروعة.
تعاون سامر مع التحقيقات، وقدّم الأدلة التي يملكها، وخضع للمساءلة عن دوره في الأنشطة غير القانونية. وبموجب ما ثبت في القضية، صدر بحقه حكم بعقوبة محددة، مع السماح له ببدائل قانونية في الجزء المتعلق بالتعاون مع السلطات.
لم يكن طريقه إلى حياة جديدة سهلًا، ولم تختفِ أخطاؤه بمجرد أن قرر التغيير.
لكنه لم يعد يختبئ منها.
أما ليل، فقد واصلت عملها في الشرطة، وأصبحت مسؤولة عن فريق متخصص في مكافحة شبكات الفساد والجريمة المنظمة.
وفي أحد الأيام، تلقت رسالة من سامر.
«أحتاج إلى رؤيتك. هناك مكان أريد أن آخذك إليه.»
التقيا عند حديقة صغيرة تطل على النهر، في المكان نفسه الذي أخبرها فيه للمرة الأولى أنه يريد أن يفهمها.
كان سامر يرتدي قميصًا أبيض وبنطالًا داكنًا، دون حراس أو سيارات فاخرة.
بدا مختلفًا.
أكثر هدوءًا، وأقل خوفًا من أن يرى الآخرون ضعفه.
اقتربت منه.
— ما الأمر؟
أخرج علبة صغيرة من جيبه.
توقفت ليل عن الحركة.
نظر إليها سامر، وكان التوتر واضحًا في عينيه رغم محاولته إخفاءه.
— قضيت حياتي أعتقد أن كل ما أحبه يمكن أن يتحول إلى نقطة ضعف. لذلك لم أسمح لنفسي بأن أحب شيئًا حقًا.
فتح العلبة.
كان بداخلها خاتم بسيط، أنيق، تتوسطه قطعة ألماس صغيرة.
تابع:
— ثم جئتِ أنتِ، وحاولتِ الإيقاع بي، وانتهى بي الأمر وأنا أتمنى أن أجد طريقة لأجعلك تبقين، دون أن أطلب منك التخلي عن نفسك.
اغرورقت عيناها بالدموع.
قال سامر:
— لا أستطيع أن أعدك بحياة خالية من المشاكل. ولا أستطيع أن أمحو الماضي. لكنني أستطيع أن أعدك بأنني لن أطلب منك يومًا أن تختاري بيني وبين الحقيقة.
جثا على ركبة واحدة.
— ليل منصور، هل تقبلين أن تتزوجيني؟
وضعت يدها على فمها، وراحت تضحك وتبكي في الوقت نفسه.
— هل تدرك أنك قضيت أشهرًا تجعلني أظن أنك لن تقول هذه الكلمات أبدًا؟
ابتسم.
— كنت أحاول أن أجد صيغة لا تتضمن تهديدًا أو أمرًا.
ضحكت أكثر.
ثم مدت يدها إليه.
— نعم يا سامر.
رفع رأسه، وكأنه لم يصدق ما سمعه.
— نعم؟
— نعم، أيها الأحمق. قبل أن أغير رأيي.
نهض واحتضنها، ثم وضع الخاتم في إصبعها.
وحين ابتعد قليلًا، نظر إلى عينيها وسأل:
— هل أنتِ متأكدة؟
ابتسمت.
— لأول مرة في حياتي، نعم.
قبّل جبينها، ثم احتضنها بينما كانت الشمس تغيب خلف النهر.
لم يكن العالم قد أصبح مثاليًا.
لكنهما لم يعودا مضطرين إلى مواجهة ظلامه وحدهما.
الفصل العشرون: النهاية التي تستحقها ليل
في صباح ربيعي هادئ، تزينت الحديقة بالزهور البيضاء والفوانيس الصغيرة.
لم يكن حفل الزفاف ضخمًا كما اعتاد سامر في حفلاته القديمة، ولم يكن محاطًا برجال يحملون الأسلحة أو ضيوف يخشون الاقتراب منه.
كان حفلًا بسيطًا، حضره الأصدقاء الذين بقوا إلى جانبهما بعد انكشاف الحقيقة، وبعض زملاء ليل الذين عرفوا كم كلفتها رحلتها الطويلة.
وقفت ليل أمام المرآة، ترتدي فستانًا أبيض ناعمًا، وشعرها ينسدل فوق كتفيها.
كانت تبتسم، لكن عينيها امتلأتا بالدموع عندما أخرجت صورة والديها من درج صغير.
وضعتها قرب باقة الزهور وهمست:
— كنت أتمنى أن تكونا هنا.
طرقت إحدى صديقاتها الباب.
— ليل، الجميع ينتظر.
مسحت دموعها وابتسمت.
— أنا قادمة.
خرجت إلى الحديقة.
كان سامر ينتظرها عند نهاية الممر، مرتديًا بدلة سوداء، وقد اختفت من وجهه تلك القسوة التي جعلت المدينة كلها تخشاه.
وحين رآها، توقف عن الحركة.
همس لنفسه:
— يا إلهي...
اقتربت منه ليل، وهي تضحك.
— ماذا؟ هل نسيت كيف تتحدث؟
هز رأسه.
— كنت أظن أنني رأيت كل ما يمكن أن تقدمه لي الحياة.
نظر إليها بعينين لامعتين.
— ثم رأيتك.
أمسكت يده.
— لا تجعلني أبكي قبل أن نبدأ.
ابتسم.
— لن أعدك بذلك.
بدأت المراسم.
وحين سألها المأذون إن كانت تقبل الزواج منه، نظرت ليل إلى سامر، وتذكرت الفتاة الصغيرة التي كانت تعانق صورة والديها في دار الأيتام، والضابطة التي دخلت عالم المافيا بهدف الانتقام، والمرأة التي وقفت أمام الحقيقة رغم خوفها.
ثم أجابت بثبات:
— أقبل.
وحين جاء دور سامر، نظر إليها طويلًا قبل أن يقول:
— أقبل.
صفق الحاضرون، وتعالت الضحكات والتهاني.
لكن سامر لم يرَ أحدًا غيرها.
اقترب منها وهمس:
— هل تتذكرين أول ليلة التقينا فيها؟
ابتسمت.
— عندما أخبرتني أنني أخفي حربًا خلف عينيّ؟
— كنت محقًا.
— للأسف، نعم.
أمسك يدها وقبّلها.
— وهل تعرفين ما الذي لم أكن أعرفه وقتها؟
— ماذا؟
نظر إليها بحنان.
— أنني سأقضي بقية حياتي أحاول أن أكون الرجل الذي يستحق أن يقف إلى جانبك.
وضعت رأسها على كتفه.
— لا أريد رجلًا بلا أخطاء يا سامر. أريد رجلًا لا يهرب منها.
احتضنها.
— سأحاول كل يوم.
وكانت تظن أن قلبه سيكون آخر ما يمكن أن يهدد مهمتها.
لكنها اكتشفت أن أخطر الأسرار لم تكن في الملفات السوداء، ولا في الحسابات المخفية، ولا في أسماء الخونة.
كانت في قلبين خافا من الحب، حتى التقيا.
ليل لم تنقذ سامر من ماضيه، وسامر لم ينقذ ليل من ألمها.
لقد اختارا معًا ألّا يسمحا للماضي بأن يكتب مستقبلهما.
وفي نهاية الحفل، حين هدأت الموسيقى وغادر آخر الضيوف، وقفت ليل مع سامر تحت الأضواء الصغيرة المتدلية بين الأشجار.
قالت وهي تبتسم:
— أتدري؟ لقد فشلت مهمتي بالكامل.
رفع حاجبه.
— حقًا؟ كنت أعتقد أنك ضابطة ممتازة.
ضحكت.
— جئت لأوقعك في الفخ.
اقترب منها، ووضع يده حول خصرها.
— وماذا حدث؟
نظرت إلى عينيه، ثم همست:
— وقعت أنا فيه.
ابتسم سامر، وقبّل جبينها.
— لا يا ليل.
— لا؟
— لقد وقعتُ أنا أولًا... لكنني كنت عنيدًا بما يكفي لأدعك تكتشفين ذلك بنفسك.
ضحكت، ثم أسندت رأسها إلى صدره.
كانت المدينة تلمع من بعيد، بكل ما فيها من أسرار وطرق مظلمة وحكايات لم تُكتب بعد.
لكن تلك الليلة كانت لهما وحدهما.
النهاية السعيدة.
بقلم : لمياء حرب
تابع جديد Lamiaa Harb
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق