أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
يوميات

بين كبرياء ريان ودموع وعد — الجزء الثالث: السر الذي لم يُكشف بعد

تظن وعد أنها اقتربت من الحقيقة، لكن صندوقًا قديمًا يكشف أسرارًا أخطر مما توقعت! رسالة غامضة، وشاهد اختفى منذ سنوات، وعمّ ريان الذي ظهر اسمه فجأة في القضية… فهل كان والد وعد ضحية مؤامرة؟ ومن الشخص الذي أخفى الحقيقة طوال عشرين عامًا؟

تباركتباركالكاتب 15 د للقراءة 0.00 المراجعات
بين كبرياء ريان ودموع وعد — الجزء الثالث: السر الذي لم يُكشف بعد
image about بين كبرياء ريان ودموع وعد — الجزء الثالث: السر الذي لم يُكشف بعد

 

بين كبرياء ريان ودموع وعد

الجزء الثالث: السر الذي لم يُكشف بعد


 

 

ظنت وعد أن الرسالة القديمة ستكشف لها الحقيقة، لكنها لم تكن تعرف أن كل إجابة ستفتح بابًا لسر أخطر… وأن الشخص الذي وثقت به عائلتها لسنوات قد يكون أقرب إلى الماضي مما تتخيل.

الفصل الأول: مكالمة في منتصف الليل

مرّت ثلاثة أيام منذ أن اكتشفت وعد الرسالة التي كتبها والدها قبل وفاته. كانت تحاول متابعة حياتها بشكل طبيعي، لكنها كلما أغمضت عينيها تذكرت الكلمات التي قرأتها:

«إذا حدث لي شيء، فابحثوا عن الملف الأزرق الموجود في مكتب المحامي ناصر».

كان الملف قد كشف وجود تحويلات مالية مشبوهة في الشركة التي جمعَت والدها بخالد، والد ريان. لكنه لم يكشف كل شيء؛ فهناك مستندات ناقصة، وتوقيعات غير واضحة، وأسماء لم تفهم وعد علاقتها بالقضية.

في تلك الليلة، كانت تجلس مع أمها سارة في الصالة عندما رن هاتفها برقم مجهول.

ترددت قبل أن تجيب.

«ألو؟»

جاءها صوت رجل مسنّ، منخفض ومضطرب:

«أنتِ وعد بنت عبدالعزيز؟»

«نعم، مين معي؟»

«اسمي سالم. كنت أشتغل محاسبًا في الشركة اللي كان أبوك شريكًا فيها».

اعتدلت وعد في جلستها.

«تعرف أبي؟»

«أعرفه زين. واتصلت بك لأنني سمعت أنك رجعتِ تفتحين ملف القضية القديمة».

نظرت وعد إلى أمها التي بدأت تراقبها بقلق.

«إيه، أبي أعرف الحقيقة. عندك شيء تعرفه عن أبوي؟»

صمت الرجل للحظات، ثم قال:

«مو كل الأوراق اللي وصلت للمحكمة كانت أصلية. وفيه نسخة من سجل الحسابات اختفت قبل ما تبدأ التحقيقات».

شعرت وعد بأن قلبها يخفق بسرعة.

«وين أقدر ألقاك؟»

«بكرة، الساعة خمس العصر، في مقهى قريب من طريق الملك فهد. تعالي وحدك، ولا تخبرين أحدًا عن المكالمة».

وقبل أن تسأله عن السبب، أنهى الاتصال.

ظلت وعد تحدق في هاتفها.

سألتها أمها:

«مين كان؟»

ترددت وعد، ثم أخبرتها بما سمعته.

تغير وجه سارة، ونهضت من مكانها.

«لا تروحين يا وعد».

«ليش يا أمي؟ الرجل يقول إنه يعرف أبوي».

«لأننا ما نعرف من يكون، ولا نعرف وش يبي منك».

أمسكت وعد بيد أمها وقالت:

«يمّه، عشرين سنة وإحنا نعيش بنص الحقيقة. ما أقدر أوقف الآن».

لم تجد سارة جوابًا.

لكنها قالت جملة زادت خوف وعد بدل أن تطمئنها:

«إذا كان هذا الرجل يعرف أباك فعلًا، فاسأليه عن آخر ليلة في حياته… ولا تصدقين كل شيء يقوله».

الفصل الثاني: ريان يكتشف ما أخفاه والده

في صباح اليوم التالي، ذهب ريان إلى المستودع القديم التابع لشركة والده. كان المكان شبه مهجور، لا يُستخدم إلا لحفظ المستندات والأثاث القديم.

فتح الخزانة بالمفتاح الذي أعطاه إياه خالد، وبدأ يتفحص الملفات واحدًا تلو الآخر.

وجد تقارير مالية من عشرين عامًا، ورسائل داخلية، ونسخًا من التحويلات التي أثارت الشكوك حول عبدالعزيز.

لكن شيئًا واحدًا لفت انتباهه.

كان هناك تقرير يحمل توقيع خالد، ويتضمن اتهامًا مباشرًا لعبدالعزيز بالتلاعب المالي.

وتحت التوقيع، كُتبت ملاحظة بخط مختلف:

«لا يُرسل هذا التقرير قبل مراجعة الأدلة الأصلية».

قلب ريان الورقة، فوجد تاريخًا يعود إلى اليوم السابق لتقديم الشكوى الرسمية.

جلس على كرسي قديم، وشعر بالارتباك.

إذا كان والده قد طلب مراجعة الأدلة قبل تقديم الاتهام، فلماذا ظل يكرر طوال تلك السنوات أن عبدالعزيز هو المذنب؟

وفي أسفل الصندوق، عثر على ظرف مغلق كُتب عليه:

«خاص — لا يُفتح إلا بحضور الأستاذ خالد».

تردد ريان.

كان يستطيع الاتصال بوالده وسؤاله، لكنه خشي أن يحاول خالد منعه من متابعة البحث.

فتح الظرف بحذر.

داخله صورة تجمع والده بعبدالعزيز وماجد السالم، الرجل الذي كان المدير المالي للشركة. وفي خلف الصورة، ظهرت سيارة تقف أمام مبنى قديم لم يعرفه ريان.

لكن الشيء الغريب لم يكن الصورة.

كان هناك إيصال ورقي صغير، يعود إلى ليلة الحادث الذي مات فيه عبدالعزيز، ويحمل توقيعًا باسم شخص آخر.

شعر ريان بالذهول.

كيف وُجد هذا الإيصال داخل ملف الشركة إذا كان لا علاقة له بالحسابات؟

التقط صورة له، وأعاد الأوراق إلى مكانها، ثم اتصل بوالده.

أجاب خالد بعد رنينين.

«خير يا ريان؟»

«أبي أسألك عن ليلة وفاة عبدالعزيز».

ساد صمت طويل على الطرف الآخر.

ثم قال خالد:

«من وين جبت هذا السؤال؟»

«لقيت إيصالًا باسمه في المستودع. أبي أعرف وش علاقته بالقضية».

تغير صوت خالد.

«لا تلمس أي ورقة ثانية. ارجع البيت، وأنا بشرح لك كل شيء».

«ليش ما تشرح لي الآن؟»

«لأن الموضوع أخطر مما تتصور».

انتهت المكالمة.

بقي ريان ممسكًا بهاتفه، مدركًا أن والده يعرف شيئًا لم يخبره به طوال حياته.

لكن ما أخافه حقًا هو أن خالد لم ينكر وجود الإيصال.

الفصل الثالث: الرجل الذي يعرف أكثر مما ينبغي

في الخامسة عصرًا، وصلت وعد إلى المقهى القريب من طريق الملك فهد. اختارت طاولة قريبة من النافذة، وظلت تراقب الأشخاص الذين يدخلون.

بعد عشر دقائق، جاء رجل مسنّ يرتدي نظارة طبية ويحمل حقيبة جلدية.

اقترب منها وسأل:

«وعد؟»

أومأت برأسها.

جلس أمامها، ووضع الحقيبة على الطاولة.

«أنا سالم. كنت محاسبًا في الشركة قبل سنوات طويلة».

سألته مباشرة:

«هل كان أبي بريئًا؟»

تنهد سالم.

«من اللي شفته في الحسابات، أبوك كان يحاول يعرف مين اللي يسحب الفلوس. لكن لما اختفت المستندات الأصلية، صار من السهل اتهامه».

«ومين اختفى المستندات؟»

نظر سالم حوله، ثم خفض صوته.

«ما أقدر أتهم شخصًا من دون دليل. لكنني أتذكر أن ماجد السالم كان يطلب من الموظفين تسليم بعض الملفات له بنفسه، وكان يمنعنا أحيانًا من الاحتفاظ بنسخ».

أخرج من حقيبته ورقة قديمة.

«هذه صورة من سجل حسابات احتفظت بها قبل ما أترك الشركة. فيها عملية تحويل لم تظهر في النسخة الرسمية للقضية».

أخذت وعد الورقة، وبدأت تقارن الأرقام بالتفاصيل الموجودة في الملف الأزرق.

كانت هناك مطابقة واضحة بين أحد التحويلات المشبوهة وسجل حسابات داخلي، لكن خانة المستفيد كانت ممسوحة جزئيًا.

«تقدر تعرف مين صاحب الحساب؟» سألت.

هزّ سالم رأسه.

«مو من هذه النسخة. لكن فيه موظف بالبنك كان يتابع التحويلات في ذلك الوقت. اسمه عادل. إذا كان لا يزال يحتفظ بسجلاته، يمكن يساعدنا».

أعادت وعد النظر إلى الورقة.

«ليش ما قدمت هالمعلومات وقت التحقيق؟»

أنزل سالم عينيه.

«كنت خايفًا. كان عندي عائلة وأطفال، وما كنت أقدر أخاطر بوظيفتي. وبعد وفاة أبوك، أقنعت نفسي أن القضية انتهت».

ساد الصمت بينهما.

ثم قالت وعد:

«يعني سكوتك ساهم في ضياع الحقيقة».

لم يحاول الدفاع عن نفسه.

«إيه. وأنا نادم على ذلك. لهذا اتصلت بك الآن».

أغلقت وعد الملف الذي أمامها، وقالت:

«إذا فعلًا نادم، ساعدني توصلني إلى الحقيقة».

وافق سالم على أن يسلم النسخة إلى المحامي ناصر حتى تُفحص رسميًا، ووعد ألا يختفي مرة أخرى.

لكن قبل أن يغادر، أمسك بيد الحقيبة، ثم التفت إليها وقال:

«في شيء ثاني لازم تعرفينه».

نظرت إليه بترقب.

«في ليلة وفاة أبوك، شفته بنفسي».

اتسعت عينا وعد.

«كيف؟ أنت قلت إنك كنت تعمل في الشركة!»

قال سالم:

«كنت في المستشفى ذلك المساء. وما شفت الحادث بعيني، لكنني رأيت أباك يدخل المبنى وهو حي، وكان يتحدث مع شخص جاء قبله بدقائق».

«مين الشخص؟»

فتح سالم فمه ليجيب، ثم توقف عندما رن هاتفه.

نظر إلى الشاشة، فتغير وجهه.

نهض بسرعة وقال:

«آسف يا وعد. لازم أروح».

وقفت أمامه.

«لا، انتظر! من كان معه؟»

تجنب النظر في عينيها.

«راح أقول لك، لكن مو هنا».

خرج مسرعًا من المقهى، تاركًا وعد وحدها مع الورقة وأسئلة أكثر من تلك التي جاءت تبحث عن إجاباتها.

وفي اللحظة التي نظرت فيها إلى هاتفها، وجدت رسالة من رقم مجهول:

«لا تبحثي عن الماضي، إذا كنتِ لا تريدين خسارة أشخاص آخرين».

رفعت رأسها نحو الشارع، لكنها لم تعرف من أرسل الرسالة.

لأول مرة، شعرت أن القضية لم تعد مجرد ذكرى قديمة.

هناك شخص ما زال يخشى الحقيقة حتى اليوم.

الفصل الرابع: الرسالة التي وصلت إلى ريان

في تلك الليلة، عادت وعد إلى منزلها، وأخفت الرسالة التي وصلتها عن أمها. لم ترد أن تزيد خوفها، لكنها لم تستطع تجاهل التحذير.

فتحت هاتفها واتصلت بريان.

«ريان، لازم نتكلم».

لاحظ التوتر في صوتها.

«وش صار؟»

أخبرته عن سالم، وعن الأوراق التي أعطاها لها، وعن الرسالة المجهولة.

سكت ريان قليلًا، ثم قال:

«وعد، اسمعيني زين. لا تقابلين أي شخص مجهول وحدك مرة ثانية. مو لأنك ضعيفة، لكن لأننا ما نعرف مع من نتعامل».

ردت بضيق:

«أنا تعبت يا ريان. كل ما قربت من الحقيقة، أحد يحاول يوقفني».

«وأنا ما راح أخليك تواجهين هذا الشيء وحدك. بكرة نروح للمحامي ناصر، ونسلمه كل الأوراق».

ترددت قبل أن تسأله:

«ريان، أنت واثق أن المحامي ما يخفي عنا شيئًا؟»

لم يجب فورًا.

كان ناصر هو الرجل الذي أوصى والدها بأن تبحث عنه، وهو نفسه الذي سلّمها الملف الأزرق. لكن ظهور الأوراق الجديدة جعل ريان يعيد التفكير في كل شخص له علاقة بالقضية.

قال أخيرًا:

«ما عندي دليل ضده، لكن معك حق. من الآن، ما راح نثق بأحد لمجرد أنه يقول إنه يريد مساعدتنا».

في صباح اليوم التالي، توجها إلى مكتب المحامي.

استمع ناصر إلى قصة سالم، ثم تفحص صورة السجل المالي بعناية.

تغير وجهه عندما وصل إلى أحد الأرقام.

لاحظ ريان ذلك وسأله:

«تعرف هذا الحساب؟»

أعاد ناصر الورقة إلى الطاولة.

«أحتاج إلى التحقق من بعض الأمور قبل أن أجيبكم».

قالت وعد بحدة:

«أستاذ ناصر، أنا ما جئت إلى هنا حتى أسمع الكلام نفسه كل مرة. أبي أعرف الحقيقة».

تنهد المحامي، ثم فتح درجًا وأخرج ملفًا رفيعًا.

«قبل سنوات، وصلني مستند من شخص مجهول يتضمن اسم شركة وسيطة يُشتبه في استخدامها لتحويل الأموال. لكن المستند لم يكن موثقًا، ولذلك لم أستطع الاعتماد عليه».

سأل ريان:

«وليش ما قلت لنا من البداية؟»

أجاب ناصر:

«لأنني لم أكن متأكدًا من صحته. وإذا نشرنا اتهامًا بلا دليل، فقد ندمّر حياة شخص بريء».

تصفح ريان الملف، ثم توقف عند اسم الشركة.

كانت شركة صغيرة أُنشئت قبل عشرين عامًا، وأُغلقت بعد فترة قصيرة.

لكن المفاجأة كانت في اسم الشخص الذي سُجلت الشركة باسمه.

سارة بنت محمد… والدة وعد.

شعرت وعد بالدوار.

«مستحيل! أمي ما كان لها أي علاقة بشركة أبوي».

لم يجب المحامي.

أما ريان، فأخذ الورقة وقارن بياناتها بالمستندات الأخرى.

«ممكن تكون الشركة مسجلة باسمها من دون علمها؟»

أجاب ناصر:

«ممكن من الناحية النظرية أن تُستخدم بيانات شخص دون علمه، لكننا لا نعرف ما حدث هنا. نحتاج إلى السجل الأصلي وتوقيع موثق».

كانت وعد تريد الدفاع عن أمها، لكنها لم تفهم لماذا يظهر اسمها في هذه القضية.

نهضت فجأة.

«لازم أرجع للبيت».

حاول ريان أن يتكلم، لكنها كانت قد خرجت بالفعل.

الفصل الخامس: ما الذي تخفيه أم وعد؟

دخلت وعد المنزل، فوجدت أمها في المطبخ تحضّر الغداء.

وقفت أمامها، ووضعت الورقة على الطاولة.

«يمّه، أريدك تجاوبيني بصراحة».

نظرت سارة إلى الورقة، ثم إلى وجه ابنتها.

وعندما قرأت اسمها، سقط الملعق من يدها.

قالت وعد بصوت مرتجف:

«ليش اسمك مسجل بشركة مرتبطة بقضية أبوي؟»

جلست سارة ببطء، ووضعت يديها على وجهها.

«كنت أعرف أن هذا اليوم بيجي».

شعرت وعد بأن قلبها انقبض.

«يعني الكلام صحيح؟ أنتِ كنتِ تعرفين شيئًا عن القضية؟»

رفعت أمها رأسها بسرعة.

«اسمعيني يا بنتي. أنا ما سرقت أموالًا، ولا ساعدت أحدًا على ظلم أبيك».

«إذن ليش اسمك موجود؟»

بكت سارة، وحاولت أن تجمع أفكارها.

«قبل وفاة أبيك بفترة، طلب مني أن أوقّع بعض الأوراق. قال إنها تخص مشروعًا جديدًا، وإنه يحتاج إلى اسمي حتى ينجز معاملة مؤقتة. أنا ما كنت أفهم في الشركات والحسابات، وكنت أثق فيه».

«وش كانت الأوراق؟»

«ما أعرف. ما احتفظت بنسخة منها. وبعد وفاته، جاءني شخص وقال إن الموضوع انتهى، وإن الأفضل ألا أبحث فيه».

اقتربت وعد منها.

«مين هذا الشخص؟»

أغمضت سارة عينيها، وكأنها تستعيد ذكرى حاولت دفنها سنوات طويلة.

«ماجد السالم».

تراجعت وعد خطوة إلى الخلف.

كان اسم ماجد يظهر مرة أخرى، ولكن هذه المرة في رواية أمها.

تابعت سارة بصوت متهدج:

«جاء إلى بيتنا بعد وفاة أبيك، وقال إنه يريد التأكد من أن كل شيء انتهى. طلب مني ألا أتحدث عن الأوراق التي وقّعتها، لأن الكلام عنها قد يسبب مشكلات لعائلتنا».

«وليش ما قلتي لي كل هذا من قبل؟»

نظرت سارة إلى ابنتها بعيون دامعة.

«لأنني كنت خائفة. كنت صغيرة في ذلك الوقت، وأنتِ كنتِ طفلة. وبعد وفاة أبيك، كنت أحاول أحافظ عليكِ وعلى إخوتك. ما كنت أعرف إذا كان ماجد يقول الحقيقة أو يهددني».

وقفت وعد في مكانها عاجزة عن الكلام.

كانت تريد تصديق أمها، لكنها اكتشفت للتو أن هناك جزءًا من الماضي لم تعرفه طوال حياتها.

جلست بجانبها، وأمسكت يدها.

«يمّه، أنا ما أتهمك. لكن لازم نعرف وش كانت تلك الأوراق، لأن اسمك ممكن يغيّر كل شيء».

هزت سارة رأسها.

«في شيء آخر ما قلته لك».

نظرت وعد إليها.

«وش هو؟»

قالت سارة:

«في ليلة وفاة أبيك، اتصل بي قبل خروجه من البيت. قال إنه إذا تأخر، أتوجه إلى مكان محدد وأطلب ملفًا باسمه. لكنني لم أذهب… وبعد الحادث، خفت أن يكون لهذا الأمر علاقة بما حدث».

تسارعت أنفاس وعد.

«وين المكان؟»

ترددت سارة طويلًا، ثم قالت:

«محطة قديمة خارج الرياض. أبوك كان يحتفظ هناك بصندوق صغير».

نهضت وعد فورًا.

«ليش ما قلتِ هذا للمحامي؟»

«لأنني لم أكن أعرف إذا كان الصندوق لا يزال موجودًا. ولأنني كنت أخشى أن يكون الأشخاص الذين تسببوا في تلك الكارثة ما زالوا يراقبوننا».

احتضنت وعد أمها، لكنها شعرت أن الوقت لم يعد يسمح بالمزيد من الصمت.

هذه المرة، لن تبحث عن أوراق فقط؛ بل عن آخر مكان اختاره والدها قبل أن يختفي من حياتها.

الفصل السادس: الصندوق الذي انتظر عشرين عامًا

في اليوم التالي، أخبرت وعد ريان بكل ما قالته أمها.

وبعد الاتصال بالمحامي ناصر والتأكد من عنوان المحطة القديمة، انطلقا إلى المكان في سيارة ريان.

كانت المحطة تقع على طرف منطقة تغيّرت معالمها كثيرًا على مدى السنوات. معظم المباني القديمة أُزيلت، لكن جزءًا من المستودع ما زال قائمًا.

استقبلهما رجل مسنّ يعمل في الموقع، وبعد أن شرحا له سبب وجودهما، قال:

«أتذكر أن رجلًا اسمه عبدالعزيز كان يأتي إلى هنا قبل سنوات طويلة. ترك صندوقًا لدى صاحب المحطة القديم، لكنني ما أعرف وش صار فيه بعد ما تغيرت الإدارة».

شعرت وعد بالأمل.

«تعرف وين كان يحتفظ فيه؟»

أشار الرجل إلى غرفة جانبية صغيرة.

بعد البحث في السجلات القديمة، عثروا على رقم الصندوق، ثم تمكنوا بمساعدة المسؤول عن الموقع من الوصول إلى مخزن الأمانات الذي نُقلت إليه محتوياته.

كان هناك صندوق معدني صغير يحمل اسم عبدالعزيز.

تجمدت وعد عندما رأت اسم والدها مكتوبًا بخط يده.

فتح ريان الصندوق، فوجد بداخله دفترًا قديمًا، وصورة، وذاكرة إلكترونية صغيرة داخل غلاف بلاستيكي.

أخذت وعد الصورة أولًا.

كانت صورة لوالدها وخالد وماجد أمام مبنى الشركة، لكن في خلفية الصورة ظهر رجل رابع يقف بجانب سيارة داكنة اللون.

لم تعرفه.

أما ريان، فحدّق في الصورة طويلًا، ثم قال:

«أنا شفت هذا الرجل من قبل».

التفتت وعد إليه.

«مين هو؟»

«ما أنا متأكد. لكنني أعتقد أنني رأيته في صور قديمة عند أبي».

فتح ريان الدفتر.

كانت صفحاته مليئة بتواريخ وأرقام وملاحظات قصيرة عن التحويلات المالية. وفي أكثر من موضع، كتب عبدالعزيز عبارة واحدة:

«الأصل موجود، لكنهم لا يعرفون أنني احتفظت به».

تبادلت وعد وريان النظرات.

كان هناك دليل آخر، وربما يكون هو المستند الذي احتاجاه طوال الوقت.

لكن عندما حاول ريان الوصول إلى محتويات الذاكرة الإلكترونية، ظهرت رسالة تفيد بأن الملفات محمية بكلمة مرور.

قالت وعد:

«يمكن تكون كلمة يعرفها أبي وحده».

قلبت الدفتر إلى الصفحة الأخيرة، فوجدت عبارة مكتوبة بخط أكبر من بقية الملاحظات:

«الحقيقة ليست عند من يملك المال، بل عند من يملك الشجاعة ليقول ما رآه».

وتحت العبارة، كان هناك اسم وتاريخ.

الاسم: عادل.

والتاريخ: اليوم السابق لحادث والدها.

تذكرت وعد اسم عادل الذي أخبرها عنه سالم، موظف البنك الذي كان يتابع التحويلات.

قال ريان:

«هذا هو الشخص اللي نحتاجه».

لكن قبل أن يتمكنا من متابعة البحث، وصل إلى هاتف ريان اتصال من رقم والده.

أجاب.

جاء صوت خالد متوترًا:

«ريان، وين أنت؟»

«خارج الرياض. نبحث عن أوراق تخص قضية عبدالعزيز».

ساد صمت قصير.

ثم قال خالد:

«أرجوك، ارجع. هناك أمر لم أخبرك به، ويجب أن تسمعه مني قبل أن تذهب إلى عادل».

سأله ريان بحدة:

«وش الأمر؟»

قال خالد بصوت خافت:

«عادل لم يكن مجرد موظف في البنك. هو الشخص الذي اتصل بي في ليلة وفاة عبدالعزيز، وقال إنه شاهده يدخل المستشفى».

توقف ريان عن الكلام.

ثم سمع والده يقول:

«والأمر الذي لم أخبرك به طوال هذه السنوات… أنني ذهبت إلى المستشفى في تلك الليلة أيضًا».

انتهت المكالمة، وبقي ريان ممسكًا بالهاتف دون حراك.

نظرت إليه وعد.

«ريان، وش قال أبوك؟»

رفع عينيه إليها، وكان واضحًا أنه يحاول استيعاب ما سمعه.

«أبوي كان في المستشفى في الليلة اللي توفى فيها أبوك. لكنه ما قال لنا هذا من قبل».

شعرت وعد بأن الأرض تهتز تحت قدميها.

«هل شافه؟ هل كان حيًا؟»

لم يجب ريان، لأنه لم يعرف الإجابة.

وفجأة، وصل إلى هاتف وعد إشعار برسالة جديدة من الرقم المجهول نفسه.

فتحتها بيد مرتجفة.

كانت الرسالة قصيرة جدًا:

«إذا أردتِ معرفة ما حدث لأبيك في آخر ليلة، اسألي خالدًا لماذا وقّع على ورقة خروجه من المستشفى».

شهقت وعد، وأعادت قراءة الرسالة.

ورقة خروج؟

أي ورقة؟ ولماذا يوقّع خالد على شيء يخص والدها؟

نظرت إلى ريان، فوجدته يقرأ الرسالة على هاتفها.

قال بصوت بالكاد يُسمع:

«ما عاد أقدر أقول إن أبوي ما يعرف الحقيقة».

وفي اللحظة نفسها، رن هاتف ريان مرة أخرى.

كان المتصل والده.

لكن ريان لم يجب.

لأن رسالة جديدة وصلت هذه المرة من رقم مجهول إلى هاتفه هو.

«لا تذهب إلى والدك قبل أن تعرف من هو الرجل الرابع في الصورة. إنه الوحيد الذي يستطيع إثبات ما حدث فعلًا».

رفع ريان الصورة من الصندوق، وتأمل وجه الرجل الذي يقف بجانب السيارة.

وفجأة، تذكر أين شاهده.

لم يكن موظفًا في الشركة، ولا محاميًا، ولا شخصًا غريبًا عن العائلة.

كان رجلًا يظهر في صور عائلية قديمة، ويجلس أحيانًا إلى جانب والده في مناسبات خاصة.

كان عمّه، فواز.

عم ريان الذي قيل للعائلة إنه غادر السعودية قبل سنوات طويلة، ولم يعد أحد يعرف عنه شيئًا.

تراجعت وعد خطوة، وهي تحدق في الصورة.

«ليش عمك موجود في كل هذا؟»

لم يجب ريان.

كان يحدق في وجه الرجل، وقد بدأت تتكشف أمامه حقيقة أكثر خطورة مما توقع.

إذا كان فواز حاضرًا في ليلة وفاة عبدالعزيز، وإذا كان والده قد وقّع ورقة في المستشفى، وإذا كانت أم وعد قد وقّعت أوراقًا مالية دون أن تعرف ما تحتويه…

فمن كان يدير الأحداث الحقيقية طوال تلك السنوات؟

وفي أسفل الصندوق، وجد ريان ورقة صغيرة لم ينتبه إليها من قبل.

فتحها.

كانت تحمل جملة واحدة بخط عبدالعزيز:

«إذا وصلتَ إلى هذا الصندوق، فلا تبحث عن الشخص الذي أخذ المال فقط… ابحث عن الشخص الذي جعل الجميع يصدقون أنني المذنب».

رفع ريان رأسه نحو وعد.

قالت بصوت متوتر:

«هل نرجع إلى الرياض؟»

أغلق ريان الصندوق وأجابها:

«نعم. لكن هذه المرة، لن نواجه شخصًا واحدًا. سنواجه الحقيقة كلها».

وضعت وعد يدها على الرسالة القديمة داخل حقيبتها.

كانت تشعر أن آخر خيط في القضية أصبح قريبًا، لكن وصولها إليه قد يكلفها أكثر مما تتخيل.

أما ريان، فلم يكن يعلم أن الليلة المقبلة ستضعه أمام أصعب اختيار في حياته: أن يحمي عائلته كما اعتاد، أو أن يكشف سرًا قد يدمّر الصورة التي عاش عمره كله وهو يؤمن بها.

وهنا ينتهي الجزء الثالث.

في الجزء الرابع والأخير، ستواجه وعد خالدًا وفوازًا، وسيظهر الدليل الذي يكشف ما حدث في ليلة وفاة والدها. لكن السؤال الذي سيبقى حتى اللحظات الأخيرة: هل كانت العائلة تخفي جريمة، أم أن شخصًا آخر كان يستخدم الجميع حتى ينجو بنفسه؟

يتبع في الجزء الرابع والأخير: «الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها».

 

 

تابع جديد تبارك

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق