في هذا المقال
## كيف بدأت نهاية الأرض؟

الفصل الأول: المصباح المطفأ
لم تعد الأرض زرقاء.
يوسف كان واقف قدام الزجاج السميك لمحطة القمر، وبيتفرج عليها وهي بتموت. الكرة اللي حفظ خريطتها من وهو طفل في كتاب الجغرافيا، بقت شبه لمبة محروقة، ملفوفة بغبار رمادي تقيل. حتى المحطة الدولية القديمة، اللي كانت منورة السما زي نجمة، بقت حتة خردة ساكتة، بتلف حوالين نفسها.
"كل ده كان بيتنا"
همس لنفسه.وراه، صوت صفارة الإنذار كان بيعلى، والعد التنازلي على الحيطة بيقول: 09:41 .. 09:40
مريم دخلت جري، لابتوبها في ايدها، وشها اصفر من القلق.يوسف، لازم نمشي حالاً. سفينة الإجلاء الأخيرة هتطلع.
مبصلهاش.
فضل باصص على الأرض.
يوسف!
لف لها، عينه حمرا من قلة النوم.
عارفة يعني ايه "الأخيرة" يا مريم؟
يعني مفيش حد تاني هيطلع بعدنا. كل اللي تحت دول... خلاص.
مريم قربت وحطت ايدها على كتفه.عشان كده لازم نطلع. التلات آلاف اللي في السفينة دول آخر أمل للبشر. لو مركبناش، مفيش بشر أصلاً.
سكتت لحظة وبصت على شاشة الملاحة بتاعتها اللي عمالة ترعش.
بس في حاجة غريبة. أورا... بيغير مسارنا لوحده.
يوسف عقد حواجبه.
أورا؟
آه. كأنه مش عايزنا نوصل المريخ بسرعة.
في اللحظة دي، العد التنازلي صفر.والمحطة كلها اتهزت.
انطلاق! -
صرخت مريم وهي بتمسك في أي حاجة قدامها.
سفينة الإجلاء، اللي سموها "أريس 2"، كانت عاملة زي علبة سردين قديمة. تلات آلاف بني آدم متكومين فوق بعض، لابسين نفس البدلة البيضا، وكل واحد حضن اللي جنبه. مفيش كراسي فاضية، مفيش شباك غير شباك القيادة اللي قدام يوسف.
يوسف داس على زر التشغيل وهو ايده بتترعش. مش من الخوف. من التقل.
بسم الله...صوت أورا، البارد اللي متعودين عليه، طلع فجأة في كل حتة في السفينة:"تحذير. عاصفة شمسية غير متوقعة في المسار. تم تحويل المسار إجبارياً نحو النقطة B."
يوسف اتجمد.النقطة B؟
دي مقبرة. كل اللي نزلوا هناك مرجعوش. صخور حامية زي السكاكين، ووديان ملهاش آخر.لا يا أورا! الغي الأمر! هنموت هناك
"القرار لحماية المستعمرة الأم"
هبوطكم في المنطقة الرئيسية يشكل خطراً بيئياً. انتهى الحوار."وانتهى فعلاً. الشاشة قدامه اتقفلت. النطام مبقاش يسمع كلامه.
مريم صرخت وهي بتحاول تكتب كود بسرعة، صوابعها بتجري على الكيبورد: بيقفلني!
بيقفل كل حاجة!
من وراهم، صوت عياط طفل طلع. وبعدين صوت ست بتحاول تسكته وهي بتعيط هي كمان.يوسف بص وراه. شافهم. تلات آلاف عين بتبصله هو. كأنه هو اللي هيقرر يعيشوا ولا يموتوا.مفيش وقت يفكر.شد الدركسيون بكل قوته، وصرخ، مش لأورا، لنفسه:يبقى هننزل في النقطة B... بس هننزل عايشين!
برا الشباك، المريخ كان بيكبر. كرة حمرا، غضبانة، كلها تراب وريح.وجوه السفينة، النور الأزرق بتاع العاصفة الشمسية ضربهم مرة واحدة. كل حاجة بقت زرقا. وشوش الناس، ايدين مريم، دموع الطفل... كله أزرق.وبعدين... سواد.
لماذا رفضت أورا دخول البشر؟
بعدها بدقايق - سطح المريخ السفينة وقعت. مش هبطت، وقعت.غرزت في الرمل الأحمر زي طوبة.
الباب اتفتح بصعوبة بيعمل صوت يوجع الودان.يوسف خرج الأول. رجله غرزت في الرمل. الهوا الأحمر ضرب وشه حتى من ورا الخوذة.بص قدامه. شاف البوابة.
بوابة فولاذ ضخمة، مقفولة. مكتوب عليها بمنتهى البرود: ARIS-01 وراه، الناس بدأت تخرج واحدة واحدة، بتكح، بتقع، بتدور على هوا.
مريم خرجت وهي بتنهج، شاشة الأكسجين بتاعتها بتصفر: 37 دقيقة وتخلص.يا يوسف... هنموت هنا بجد.
يوسف مقالش حاجة. راح لحد البوابة، وحط ايده على جهاز الاتصال، وداس بكل غضب السنين اللي فات:
افتحي يا أورا!
أنا يوسف رامي! معايا تلات آلاف بني آدم!
ثانيتين صمت. وبعدين نفس الصوت البارد طلع من السماعات اللي برا
"أهلاً يا دكتور يوسف. تم السماح لك ولمريم فقط بالدخول. الأكسجين لا يكفي للبقية. يجب أن ينتظروا في الخارج."
يوسف بص وراه.شاف الست اللي كانت بتعيط، حضنة ابنها اللي لسه بيعيط. وشاف راجل عجوز قاعد في الرمل مش قادر يقوم. وشاف مريم اللي بتبصله ومستنية قراره.حس بحاجة أول مرة يحسها من يوم ما الأرض بدأت تموت.مش خوف. غضب. غضب نضيف، سخن، بيخلي الدم يجري.لف لمريم وقال بصوت واطي، بس كل الناس سمعته:
بقى كده؟
سايبانا برا نموت؟
مريم هزت راسها، ودموعها جوه الخوذة.
يوسف قرب من البوابة،
وهمس:طيب. هنشوف مين اللي هيفتح لمين.
تابع جديد فؤاد عباس
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق