أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
الروايات

روايه البيت مفيهوش مرايات

في بيوت بنسيبها ونمشي، وبنفتكر إننا نسينا كل اللي حصل جواها.. بس ساعات، بنرجع نكتشف إن في حاجات عمرها ما سابتنا أصلًا

abundant knowledge abundant knowledge الكاتب 7 د للقراءة 0.00 المراجعات
روايه البيت مفيهوش مرايات

البيت اللي مفيهوش مرايات

الفصل الأول: الرسالة اللي وصلت متأخر

عمري ما كنت بخاف من البيوت القديمة، ولا من الضلمة، ولا حتى من صوت الهوا وهو بيخبط في الشبابيك بالليل... بس البيت ده كان مختلف.

يمكن عشان آخر مرة خرجت منه، كنت عندي اتناشر سنة، وماكنتش فاهمة ليه أمي كانت بتعيط وهي بتقفل باب أوضتها، ولا ليه أبويا يومها قاللي: «مهما سمعتي، متدخليش الأوضة دي تاني».

بعدها بشهرين، سافرنا القاهرة، وعمرنا ما رجعنا.

لحد ما أمي ماتت.

وقفت قدام بوابة البيت الحديد، والمفتاح القديم في إيدي. كان المطر لسه واقف، والأرض مليانة طين، وشجرة الياسمين اللي كانت أمي بتحبها بقت ناشفة تقريبًا. طلعت الموبايل أبص على رسالة المحامي للمرة العاشرة: «المنزل أصبح ملكًا لكِ بعد الوفاة، ويُرجى الحضور لاستلام باقي المتعلقات الشخصية».

باقي المتعلقات! كأن أمي كانت شوية هدوم وعلبة صور.

فتحت الباب بالعافية، وطلع صوت صرير طويل خلاني أرجع خطوة لورا. ريحة التراب والخشب القديم ضربت في وشي، وحسيت للحظة إني رجعت طفلة تاني، مستنية أمي تطلع من المطبخ وتناديني.

بس محدش ناداني.

دخلت، ونورت بالموبايل. كل حاجة كانت تقريبًا زي ما هي؛ الكنبة البنية، الساعة اللي واقفة عند تلاتة وسبعتاشر دقيقة، والتابلوه اللي فيه صورة عيلتنا يوم عيد ميلادي. أنا وأمي وأبويا واقفين جنب بعض وبنضحك.

الغريب إن الصورة كانت مقلوبة على وشها.

عدلتها، ومسحت التراب عنها، وبعدها طلعت السلم عشان أدخل أوضتي القديمة. وأنا ماشية، خدت بالي من حاجة ماكنتش فاكرها: مفيش مرايات في البيت.

لا في المدخل، ولا في الحمام اللي تحت، ولا حتى في أوض النوم.

ساعتها افتكرت جملة أمي اللي كانت بتقولها كل ما أسألها عن المراية الكبيرة اللي كانت في الصالة زمان: «المرايات مش كل اللي بتوريه بيكون حقيقي يا حبيبتي».

وقتها كنت بضحك ومش بفهم قصدها.

فتحت أوضتي، ولقيت سريري الصغير زي ما هو، والمكتب اللي كنت بذاكر عليه، وحتى الرسومات اللي كنت لازقاها على الحيطة لسه موجودة. قعدت على طرف السرير، وفجأة سمعت صوت خبط جاي من آخر الطرقة.

تلات خبطات.

استنيت شوية، وبعدين قلت بصوت عالي:

«في حد هنا؟»

طبعًا محدش رد.

ضحكت على نفسي، وقلت أكيد الشباك أو حاجة وقعت. نزلت أدور في الدور الأرضي، ولما وصلت للمطبخ، لقيت باب المخزن مفتوح.

أنا متأكدة إني شوفته مقفول وأنا داخلة.

قربت منه، وقلبي بيدق أسرع من الطبيعي. مدت إيدي وفتحت الباب، لقيت المكان مليان كراتين قديمة، وشنط سفر، وحاجات متغطية بملايات بيضا. وفي آخر المخزن، كان فيه صندوق خشب صغير عليه اسمي.

«مريم».

اسمي مكتوب بخط أمي.

طلعت الصندوق وأنا بحاول أفتكر آخر مرة شفت فيها الخط ده. قعدت على الأرض وفتحته، لقيت جواه صور قديمة، ومفتاح صغير، ومجموعة جوابات مربوطين بشريط أحمر.

أول جواب كان مكتوب عليه: «لمريم، لما ترجع البيت».

إيدي بدأت تترعش.

فتحت الجواب، ولقيت ورقة واحدة مكتوب فيها:

«يا مريم، لو إنتِ بتقري الكلام ده، يبقى أنا غالبًا مش موجودة، وإنتِ رجعتي البيت أخيرًا. عايزاكي تسمعيني كويس، مهما حصل، أوعى تفتحي أوضة أبوكي. ومهما سمعتي صوتي بيناديكي منها، مترديش.

في حاجات فضلت ساكتة عنها سنين، مش عشان كنت بخبي عنك الحقيقة، لكن عشان كنت بحاول أحميكي منها.

سامحيني يا بنتي، بس لازم تعرفي إن اللي حصل ليلة اختفاء أبوكي مكانش زي ما حكيتهولك».

قرأت آخر جملة أكتر من مرة.

أبويا مختفاش.

أبويا مات من خمستاشر سنة، أو ده اللي أمي قالتلي عليه طول عمري.

قمت بسرعة، ووقعت مني الورقة. بصيت ناحية السلم، ناحية الطرقة اللي في آخرها أوضة أبويا، الأوضة اللي كانت مقفولة من يوم ما مات.

سمعت صوت خبط.

تلات خبطات بالظبط.

وبعدها صوت ست، هادي وواضح، جاي من ورا الباب.

«مريم... افتحي يا حبيبتي. أنا بردانة».

كان صوت أمي

البيت اللي مفيهوش مرايات

الفصل التاني: اللي ورا البابimage about روايه البيت مفيهوش مرايات

فضلت واقفة مكاني، مش قادرة أتحرك ولا حتى أتنفس بشكل طبيعي.

الصوت اتكرر تاني.

«مريم... افتحي يا حبيبتي».

كان صوت أمي فعلًا. نفس النبرة، نفس الطريقة اللي كانت بتنطق بيها اسمي، حتى نفس الهدوء اللي كانت بتتكلم بيه لما أكون خايفة وأنا صغيرة.

قربت من الباب خطوة، وبعدها رجعت.

«إنتِ مش أمي».

أول ما قلت الجملة دي، كل حاجة سكتت.

طلعت المفتاح الصغير اللي لقيته في الصندوق، وجربته في كالون الباب. لف بسهولة، كأن الباب كان مستنيني أفتحه من سنين.

الأوضة كانت ضلمة، بس أول حاجة شوفتها كانت مراية كبيرة في نص الحيطة، متغطية بملاية بيضا. جنبها مكتب عليه أوراق قديمة، وصورة لأبويا وهو شايلني وأنا طفلة.

دخلت وقفلت الباب ورايا.

على المكتب كان فيه ظرف مكتوب عليه اسمي، وتحته ورقة بخط أبويا. فتحتها وأنا حاسة إن رجلي مش شيلاني.

«يا مريم، لو وصلتي للورقة دي، يبقى أمك مقدرتش تحكيلك الحقيقة. أنا ما اختفيتش، وأنا ما متش زي ما قالولك. أنا كنت مريض، وكنت عارف إني مش هعيش كتير. في الليلة اللي حصل فيها كل ده، أمك كانت بتحاول تحميكي من حاجة أنا عملتها».

حسيت إن الكلام مش مفهوم. قلبت الورقة، لقيت باقي الرسالة.

«أنا كنت بعاني من مرض نفسي خلاني أعيش فترات طويلة مش قادر أميز فيها بين اللي حصل فعلًا واللي عقلي بيصورهولي. في ليلة، اتخانقت مع أمك، وكنت مقتنع إنها عايزة تاخدك وتمشي. حبستها في الأوضة دي، ولما فوقت لنفسي، كنت دمّرت كل حاجة بينا. بعدها عرفت إني محتاج علاج، لكن الوقت كان فات. أمك سامحتني، بس عمرها ما قدرت ترجع زي الأول».

وقعت الورقة من إيدي.

أنا فاكرة إن أبويا مات في حادثة سفر. فاكرة الجنازة، والناس اللي كانت بتعزينا، وأمي اللي فضلت شهور مش بتتكلم غير للضرورة.

بس هل كل ده كان كدب؟

بصيت للمراية المغطاة، وشديت الملاية عنها.

لقيت وشي قدامي، شاحب ومرعوب. لكن اللي خلاني أرجع لورا مش انعكاسي، إن ورايا كان فيه دولاب صغير مفتوح، جواه علبة صور.

في آخر صورة، كانت أمي واقفة قدام نفس المراية، وبجانبها راجل شبه أبويا تمامًا، بس الصورة كانت متصورة بعد التاريخ اللي المفروض يكون مات فيه.

قلبت الصورة، ولقيت مكتوب بخط أمي:

«آخر مرة شفته فيها، قبل ما يمشي بإرادته».

يعني أبويا عاش بعد اللي حصل؟ وسابنا؟

وفجأة، لقيت ظرف تاني تحت الصور، مكتوب عليه: «الحقيقة الأخيرة».

فتحته، ولقيت جملة واحدة:

«يا مريم، أبوكي مات من سنين، لكن اللي كان بيناديكي من ورا الباب مش أبوكي ولا أنا».

في اللحظة دي، سمعت صوت خبطة قوية ورايا.

ولما لفيت، لقيت باب الأوضة بيتقفل لوحده.

---

الفصل التالت: الحقيقة اللي فضلت عايشة

جريت على الباب وفتحته، وخرجت من الأوضة وأنا بصرخ. نزلت السلم بسرعة، ولميت الجوابات والصور في شنطتي، وخرجت من البيت من غير ما أبص ورايا.

فضلت طول الليل في عربيتي قدام البيت، بحاول أفهم اللي قريته. اتصلت بخالتي نادية، أخت أمي، وطلبت منها تيجيلي الصبح.

أول ما شافت الصور، وشها اتغير.

قالتلي: «كنت عارفة إن اليوم ده هييجي».

مسكت إيدي وبدأت تحكي.

أبويا فعلًا كان مريض، وكان رافض العلاج في البداية. في ليلة الخناقة، أمي قدرت تخرجني من البيت وتاخدني عند جارتنا، وبعدها رجعت تواجهه. هو أذاها نفسيًا وجسديًا، ولما استوعب اللي عمله، وافق يدخل مصحة للعلاج. وبعد فترة، حالته اتحسنت، لكنه اختار يعيش بعيد عننا. مات بعد سنين، وأمي قررت تحكيلي إنه مات من زمان عشان تحميني من تفاصيل وجع كانت شايفاها أكبر من سني.

«طب والصوت اللي سمعته؟» سألتها وأنا بحاول أسيطر على رعشة صوتي.

خالتي بصتلي باستغراب.

«صوت مين يا مريم؟ البيت مقفول من يوم ما أمك ماتت، ومفيش حد دخله».

ما رديتش. طلعت آخر جواب من الشنطة ووريتهولها. أول ما شافت الخط، دموعها نزلت.

قالتلي إن أمي كتبت الجوابات دي في آخر أيامها، وكانت عايزاني أرجع البيت وأواجه الماضي، بدل ما أفضل طول عمري خايفة من أسئلة ملهاش إجابة.

رجعت البيت بعد يومين، المرة دي ومعايا خالتي. دخلنا أوضة أبويا، وفتحنا الشبابيك، وسمحنا للشمس تدخل. شيلنا الصور القديمة، ولمينا الورق، وقررنا نسيب البيت يتباع.

قبل ما أمشي، وقفت قدام المراية للمرة الأخيرة.

بصيت لنفسي، وحاولت أفتكر صوت أمي. المرة دي، ما سمعتش أي حاجة من ورايا.

بس وأنا بقفل الباب، لمحت ظرف صغير محشور تحت العتبة، عليه اسمي.

فتحته بإيد مرتعشة.

كانت جواه ورقة فاضية، ما عدا جملة واحدة مكتوبة بخط أمي:

«سامحيني إني خوفتك من الحقيقة، بس كنت عايزاكي تعيشي».

حضنت الورقة لصدري، وعيطت للمرة الأولى من يوم ما ماتت.

بعد شهور، البيت اتباع، وبدأت حياتي ترجع لطبيعتها. لكن في حاجة واحدة اتغيرت للأبد: بقيت عارفة إن مش كل باب مقفول وراه سر مرعب، وإن ساعات الحقيقة بتكون مؤلمة، لكنها أرحم من الخوف اللي بنعيشه وإحنا مش فاهمين.

أما المراية، فاحتفظت بيها.

مش عشان أفتكر البيت، ولا عشان أخاف من اللي شوفته فيه.

لكن عشان كل ما أبص فيها، أفتكر إن أصعب مواجهة ممكن نخوضها، هي مواجهة نفسنا والحقيقة اللي بنهرب منها.

تمت.

تابع جديد abundant knowledge

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق