In this article

فخ المنزل المهجور
في آخر النهار، كانت مجموعة من جنود الاحتلال الإيطالي تجوب المكان بحقا عن أي مجاهد ليقتلوه مروا بحي شبه مهجور، بيوته قليلة ومتباعدة.
لفت انتباههم منزل موارب الباب، وعلى العتبة خوذة جندي إيطالي ملطخة بالدماء، يعلوها غبار كثيف. توقف أصغرهم وانحنى نحو الخوذة كأنه يصغي إلى قصتها، ثم خطا باتجاه الداخل، فقطع القائد سكون اللحظة
- توقف. قد يكون فخا. لا شيء يحدث هنا مصادفة. كونوا مستعدين لأي مفاجأة.
امتثل الجندي للأمر على مضض، ثم همس لرفيقه وهما يتحركان
- اسمع ... هذه الخوذة ليست مجرد حديد إنها رمز لقواتنا، وربما كان صاحبها مقتولاً، أو هناك مصاب في الداخل ينتظر النجدة. بعد دقائق، استأذن لقضاء حاجتك واذهب إلى المنزل.
- ولماذا لا تذهب أنت ؟
- إن طلبت ذلك الآن سيشك القائد، ثم إنك أكبر سنا، ولن يظن أنك تخدعه، سألحق بك بعد لحظات بحجة تأمين ظهرك.
- حسنا، لكني لن أدخل قبل أن تأتي.
- اتفقنا. وجهز بندقيتك لأي طارئ.
وبالفعل قال الجندي لقائده
- سيدي، أستأذن لأقضي حاجتي سريعا.
- حسنًا. لديك دقيقتان
وبعد قليل قال الثاني:
سيدي، أستأذن للحاق به لتأمينه.
- نعم. تحرك خلفه على بعد ثلاث خطوات، وإن لاحظت شيئا مريبا فعد فورا.
وقف الاثنان أمام الباب. انحنى الجندي الأصغر، تناول الخوذة ونفض عنها التراب، ثم دخل بحذر. كان المكان فوضى كما توقعا جدران مثقوبة بالرصاص، وغرف مهدمة كأنها شهدت اشتباكا.
وفجأة خرج من إحدى الغرف صوت خافت متقطع بالإيطالية
- النجدة... النجدة.…
رفع الجندي الأصغر بندقيته نحو الباب، فزجره رفيقه
- لا تفكر في إطلاق النار.…
رد عليه بحزم
- أشعر أن هناك من يحتاجنا.
أجابه رفيقه متشككا
- وقد يكون فخا.
فرد عليه
صحيح ... لكنه يحتمل الوجهين. لم آت إلى هنا إلا على أمل أن أنقذ أحد رفاقنا. ابتعد قليلا، سأدفع الباب بقدمي، وكن مستعدا لأي عدو.
تقدم الجندي نحو باب الغرفة المهترئ رافعا بندقيته بحذر وابتعد رفيقه إلى ناحية باب المنزل ليراقب الطريق، لكن المسافة ضيقت زاوية رؤيته إلى الداخل، وقد زادها سوءا صمت المكان وظلاله وركام الأثاث.
دفع الجندي الباب المتهالك بقدمه، فانقلب إلى الداخل بصرير مزعج، واندفع غبار كثيف فحجب عينيه، وفي اللحظة نفسها سقطت ألواح خشب متكسرة من أعلى الفتحة، فكونت حاجزا بينه وبين رفيقه.
وسط ذلك الظلام والارتباك، برزت هيئة من خلف أنقاض منخفضة عند جانب الغرفة، كان شابا قوي البنية. مد يده وأمسك بالجندي قبل أن يلتقط أنفاسه، وحاول الجندي إطلاق النار، لكن الطلقات في المكان الضيق لم تزد إلا فوضى، وقد أحكم الرجل قبضته من الخلف وطرحه أرضًا بعنف، فسقطت البندقية بعيدا.
في الخارج تجمدت أطراف رفيقه، وتلاحقت أنفاسه، وارتجفت يداه، واختنق صوته في حلقه تردد بين أن يركض لطلب الدعم فيتأخر، أو أن يقترب لرفع العائق فيقع في المصيدة نفسها... ثم حسم أمره وتقدم.
شق طريقه بين الألواح، وفي يده مسدس يضغطه إلى صدره. كانت الأخشاب تتكسر تحت قدميه وتتصاعد منها رائحة غبار
قديم. ومع كل لوح يزيحه كان الضوء داخل الغرفة يزداد حتى انكشف المشهد دفعة واحدة.…
جثة على الأرض، مسودة ومثقبة بالرصاص، يغطيها الدم اليابس وحشرات تزحف حولها. ترنّح الجندي وسقط من هول ما رأى، ثم تماسك سريعًا حين أدرك أن الجثة ليست جديدة... وأن رفيقه لم يعد هنا.
ارتفعت دقات قلبه كطبول حرب، وسمع أقدامًا تركض من الخلف فالتفت بسرعة فرأى قائده وبقية الجنود يندفعون إلى الداخل بوجوه مشدودة وعيون تفتش عن تفسير لما جرى.
قال الجندي بصوت مرتجف
سيدي... سأخبرك بما حدث.
فتلقى صفعة مؤلمة من قائده أطاحت به أرضا، ثم قال القائد مشيرا إلى الجثة الملقاة
- أين رفيقك؟ وما الذي حدث هنا؟
ابتلع الجندي ريقه ونهض متماسكا، ثم قال متلعثما:
- هذا ... ليس رفيقي دخلنا الغرفة بعد أن سمعنا الاستغاثة، فسقطت ألواح الخشب وحجبت الرؤية، ثم ظهر رجل من الظلام وخطفه أمامي .... لم أتمكن من الوصول إليه.
اندفع بعض الجنود نحو الفتحة في الجدار، فرفع القائد سلاحه وأطلق رصاصة حادة أوقفتهم في مكانهم، ثم صاح:
يتبع……
Keep up with وهيب الجبري
Choose site notifications, email, or both. Guests can subscribe by email without an account.
Report this article
Tell our review team about a problem with this content. Your details will not be shown to the author or other readers.
Your report could not be sent. Please try again later.
Sign in to report an article

Discussion
comments (0)
Share a perspective. Start a thoughtful conversation.
please login to be able to comment