في هذا المقال

عمتي الغولة
أصل الحكاية
في آخر النهار حين تغيب الشمس خلف الكثبان أو تتوارى وراء قمم الجبال الشاهقة في شمال إفريقيا، لا يحل الظلام وحده، بل تحل معه الحكايات تلك الحكايات التي لم تكن مجرد أسمار القتل الوقت بل كانت سياجا من الرعب يُبنى حول القرى والخيام وسلاحًا نفسيا توارثته الجدات لترويض الصغار وردع الكبار.
وفي قلب هذا الظلام، تتربع الغولة ملكة متوجة على عرش الكوابيس، كائن حفر في الذاكرة الجمعية من حدود مصر الشرقية وصولا إلى جبال الأطلس في المغرب الأقصى، تتغير الأسماء واللكنات لكن تفاصيل الغولة واحدة أنثى الغول، قبيحة الملامحآكلة لحوم بشرية.
في مصر، يعرفونها بـ "أمنا الغولة"، اللقب نفسه يحمل تناقضا مرعبا؛ فهي "الأم" في المسمى والوحش في الفعل، في الحكايات الشعبية المصرية تظهر الغولة غالبا في هيئة امرأة قد تكون جميلة لتغوي الرجال أو عجوزا قبيحة تخطف الأطفال الذين لا ينامون باكرا، هي تلك التي تطحن عظام ضحاياها عندما تنفرد بهم الارتباط المصري بالغولة وثيق الصلة بالأراضي الزراعية وتخوم الصحراء فكانت الغولة حارسة الحدود غير المرئية التي تمنع الفلاح من الابتعاد عن حقله.
في المغرب العربي ليبيا تونس الجزائر، والمغرب الأمر يزداد
عمقًا وتعقيدا، هنا لا تكتفي الغولة بأن تكون رعبا عربيا قديما، بل تجد لها حتى أسماء أمازيغية موازية فتعرف بـ "ترييل" وهي ساحرة آكلة للحلوم، أو "تامزا" والتي يصفونها بأنها امرأة ضخمة الجثة ذات شعر أشعث وأظافر طويلة حادة تخترق الأجساد.
وللغولة أخوات في الجانب الأسطوري، ربما أخذت شهرة أكبر منها في مصر والمغرب، ففي مصر "النداهة" هي الأنثى الأكثر إرعابًا، تلك التي تنادي بأسماء ضحاياها بصوت عذب لتجذبهم، وهي حورية تسكن الأنهار والترع تفتنهم بجمالها المؤقت، وعندما تلقي بيديها على ضحيتها تكشف عن ملامحها البشعة وتفتك بهم، وليست بعيدة عنها في التفاصيل "عيشة" "القنديشة" في المغرب، تظهر عند الأماكن المهجورة في هيئة فاتنة توقظ رغبة الرجال ثم تقودهم إلى هلاكهم ويقال: إن لها علامة تخونها مهما حسن وجهها وهي أقدام ماعز.
هكذا تتشابه الأساطير لأن الخوف واحد، حتى لو تغيرت الأسماء والملامح الناس في كل مكان كانوا يحتاجون حكاية تفسر لهم خطر الليل، وخطر البعد عن البيت وخطر السير وحدك، فصارت الغولة في الجبل والغابة لتخيف الطفل من الضياع، وصارت النداهة في النهر والترع لتخيف الرجل من تتبع الصوت والاقتراب من الماء وحده، وصارت عيشة القنديشة" عند الأماكن المهجورة لتخيفه من فتنة قد تقوده للهلاك.
وفي ليبيا "عمتي الغولة" حكايتها غامضة، بل لا تشير إلى حكاية واحدة إنما إلى سلالة من الحكايات تتناسل، كل قرية لها نسختها وكل جدة تضع في فمها نبرة تخصها؛ لذلك يبدو أصلها غامضا، لا لأن
الناس نسوا، بل لأنهم حفظوا أكثر من أصل في آن واحد.
وترتبط معظم حكايات عمتي الغولة في ليبيا بمقطوعة يعرفها الصغير والكبير
عمتي الغولة فيش تديري ** قاعدة نغسل في شخشيري
حيث يقال إن ضحية الغولة بعد أن قامت باصطياده ووضعته في غرفة مغلقة سمع ضجة منها خارج الغرفة فسألها: (عمتي الغولة فيش تديري ؟ أي عمتي الغولة ماذا تفعلين؟ لتجيبه هي باستهزاء (قاعدة نغسل في شخشيري) أي جالسة أغسل جواربي، بينما في الحقيقة هي تغسل السكاكين وتلمعها تجهيزا لتقطيع ضحيتها وأكله.
وهنا أردت مزاحمة الجدات بقصة "عمتي الغولة" بفكرتي وأسلوبي لأترك للأجيال القادمة حكاية جديدة تضاف إلى مئات الحكايات التي تعبر عن هذه الأسطورة المرعبة
في إحدى القرى الليبية كانت تعيش سيدة لم يكن لها من اسمها نصيب "رابحة"، اجتمعت عليها ظروف الدنيا مات والدها وهي ما تزال غضة السن، ثم كبر أخواها راكضين خلف الحياة وتزوجا، وتركاها وراءهما دون أن يسألا ظنا منهما أن تنازلها عن المنزل لها يشفع لهما، لم يُطرق باب بيتها قط، لا خاطب ولا قريب ولا حتى سائل غريب فملامحها قاسية على العين، وصوتها خشن يوقظ الخوف فيمن لا يعرفها، وجسدها ثقيل أنهكته الأيام، وكانت فوق ذلك بسيطة العقل تفهم الأمور ببطء وتأخر، وازداد الأمر سوءًا بعد كبرها في السن، فأصبحت معرضة للسخرية من شكان الحي، سيدة بائسة مهترئة الملبس ينفر منها الناس، وبين همس الجارات
وضحكات الصبية تردد لقب لها: "عمتي الغولة".
وذات ليلة اتفق مجموعة من فتية الجيران على عبث جديد اشتروا صندوقا صغيرًا جميلا ووضعوا فيه جوارب صوفية رخيصة ثم صعدوا سور حديقة منزل رابحة ورموا الصندوق في منتصف حديقة المنزل، ثم قال أحدهم وهو يضحك:
- فليطرق أحدكم الباب ودعونا ننتظر ردة فعلها.
طرق أحد الفتية باب الحديقة لتفتح رابحة باب منزلها الذي يتوسط الحديقة وتجد الصندوق هبطت لتمسكه وراحت تفتحه ببطء شديد، وحين ظهرت الجوارب لم تر رخصها ولا سخفها، بل ارتعش وجهها وفرحت فرحًا طفوليا وقالت لنفسها بصوت مسموع
- هل يعقل بعد كبر سني هذا أن تكون هذه الهدية من معجب سري ؟
تخيلت شخصا رأى طيبتها فحن عليها وخاف من كلام الناس فأرسل الهدية في صمت، ضمت الجوارب إلى صدرها ثم دخلت منزلها سعيدة ليتعجب الفتية من تصرفها.
أصبحت كل يوم تغسل الجوارب لتجعلها نظيفة وجديدة، وكان الفتية يزيدون السخرية منها فكانوا كل عصر يقفزون فوق سور منزلها ويرونها وهي تغسل الجوارب فيسألونها:
- عمتي الغولة فيش تديري ؟).
وتجيب هي:
(قاعدة نغسل في شخشيري)
أحدهم لم يطق طول هذه المزحة، فكان ألينهم قلبا وقد رأى فرحتها من بعيد فخنقته غصة، وفي المساء اقترب من بيتها مترددًا وطرق الباب طرقا خفيفًا، تلعثم الفتى بعدما فتحت الباب وقال لها بشكل مباشر قبل أن يهرب
- يا عمة الهدية منا، لا أعلم ما سبب فرحتك هذه، أردناه مقلبا بسيطا لم نتوقع عواقبه هذه، توقعنا أنك ستغضبين عندما ترين أن في الصندوق مجرد جوارب، أعلم أن ما فعلناه عيب.
سقطت الكلمة على قلبها كحجر في ماء ساكن، اتسعت عيناها أولا ثم انطفأ بريقهما دفعة واحدة، حاولت أن تبتسم لتخفي الإهانة فلم تسعفها ملامحها، وأغلقت الباب ببطء من غير صراخ ولا لوم، وتردد في داخلها
- هذا متوقع، فمن يهتم لأمر غولة مثلي.
مرت أيام لتنهشها الكآبة بعد أن تيقنت أنه من المستحيل أن يطرق بابها أحد، مرضت ولم تظهر ذلك لأحد، لم تدرك أنها كانت تموت ببطء، أو ربما كانت تدرك وأرادت الفرار من قسوة البشر.
ثم جاء الصباح الذي لم تفتح فيه الباب.
انتقلت رابحة إلى رحمة الله، لكن ما حدث بعدها كان مجرد البداية.
فمن بعدها كثرت حالات الموت بقريتها، وجميع الموتى لا أثر لقاتلهم غير أثر خنق وملامح فزع تدل على أهوال رأوها قبل
موتهم.
وكان بين أهل القرية رجل نجا من الموت بأعجوبة، وظل بعد ذلك يحدث الناس بما رآه، قال: إنه عند عودته لمنزله لمحت عيناه هيئة عجوز ترتدي الزي الليبي التقليدي الأبيض الذي لا تخرج منه إلا العين، وكان تلك العين مريبة حمراء تلمع في الظلام، نادته باسمه والصوت لم يكن غريبا، فتقدم قليلا في عجب لينزلق الرداء عن وجهها، كانت تشبه رابحة، لكنها أشد بشاعة وعفانة، وجه منتفخ وجلد شاحب وشعر ممتلئ بالغبار، وعينان بعيدتان كل البعد عن أعين البشر، قال إنه لمحها تميل نحوه، شعر بأن الأمر ليس طبيعي فأراد الحركة إلا أن سرعتها العجيبة جعلت عنقه بين يديها، إلا أن في تلك اللحظة كانت مجموعة شباب قد مروا فمباشرة اختفت دون أثر.
وبعد سلسلة جرائم في تلك القرية اختفت الغولة أو اختفى أثرها وعم الهدوء المكان، إلا أنه بين القرى والمدن في ليبيا وما جاورها وجد أثر لنفس الجرائم، عجوز مخيفة وخنق حتى الموت، يقال إنها تذهب إلى الأماكن التي يكثر فيها الحقد والكذب والصفات السيئة حيث تتواطأ القلوب القاسية على الظلم.
*** إنتهت أتمنى لكم قراحة ممتعة
تابع جديد Free Palestinian
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق