في هذا المقال

تكملة فخ المنزل المهجور وبداية ظلآل زائر الليل
سنعود أدراجنا. رفيقكم في عداد الأموات، ولا يمكنني المجازفة بكم، خصوصا أن الشمس على وشك المغيب. هؤلاء المتمردون بارعون في الحيل، وأظنهم يتوقعون منا الاندفاع خلفه.
ثم أشار إلى الجنة وقال:
احملوا هذه الجثة لندفنها، وفتشوا ملابسها عن هوية صاحبها. أريد أن أعرف من هو.
عاد الجنود من حيث جاؤوا، والخيبة تثقل خطواتهم بسبب قرار قائدهم بترك زميلهم. وبعد أن ابتعدوا مسافة، قطع القائد همسهم وقال:
- ثقوا بأنني لن أترك جنديا تحت إمرتي... لكن في الأوقات الحرجة على القادة أن يتريثوا ويكونوا حكماء. لن نكون لقمة سهلة لأولئك المتمردين. ثقوا بقائدكم غالو.
ظلال زائر الليل
عام 1930، ومع ازدياد الضغط التمويني وتدفق الدعم المسلحلقوات الاحتلال الإيطالي، بدأ الجنرال رودولفو غراتسياني تنفيذ مخططه بتوجيه من الحاكم العام بييترو بادوليو لتفريغ الجبل الأخضر من سكانه. وأعلن إنشاء معتقلات لأهالي برقة شرق ليبيا، لقطع الصلة بين الناس والمجاهدين وكسرهم قبل مطاردة المقاتلين.
لكن الرد جاء من عمر المختار ومن معه من ثلة صابرة، يقودون مجموعات متفرقة بين مرتفعات الجبل الأخضر، تدافع عن أرضها ببسالة وشعارها : لن نستسلم... ننتصر أو نموت.
في تلك الأيام كانت فرقة من المجاهدين تعسكر في أعالي إحدى القمم، تطارد العدو بين الصخور والضباب. غير أن شيئا مقلقًا بدأ يحدث؛ ففي كل فجر كانوا يعثرون على جثة أحد المقاتلين ملقاة داخل فجوات الجبل، ولا أثر سوى احمرار على العنق يدل على خنق بيد قاتل مجهول
ساد التعجب بين الرجال؛ فالعدو بعيد ولا علامة على تسلل. ثم تسللت الهمسات بأن الجبل مسكون، وترددت على الألسنة أسطورة قديمة شاعت في شمال إفريقيا: "عمتي الغولة". عندها قرر أحمد، فتى الاستطلاع الهادئ وأصغر المقاتلين سنا، أن يتولى البحث في الأمر بنفسه.
كان أحمد يعبث بالنار، والأفكار تتصارع في رأسه، حتى وضع فرج رفيق دربه يده على كتفه وقال:
فيم تفكر ؟
- اختلطت الأمور علي يا صديقي. لا أدري: أفكر بأهلي المشردين؟ أم بالمحتل الذي يجهز قواته لسحقنا ؟ أم بهذه الكارثة التي حلت على الجبل ؟ أشعر أن الأفكار تثقل رأسي.
- اهدأ يا رفيق، ودع الأمر لقادتنا هم في اجتماع مع سيدي عمر لبحث ما يحدث.
- وهذه هي المشكلة يا فرج. نحن اليافعون، لا هم. نحن من يجب أن يكون الشعلة لحل التعقيدات، لا أن نزيد على كبارنا حملًا فوق حملهم. يخططون ويفكرون ويبحثون... ثم نضيف لهم مشكلة كهذه؟ لا. سأتكفل أنا بالأمر. سأربط الخيوط وأجد القاتل قريبا.
- يا أحمد... أنت تحمل نفسك هما كبيرًا.
- بالله عليك... حتى الآن أربعة من رفاقنا وجدوا جثنا داخل كهوف الجبل. وهذه الجبال نفسها نتخذها مخبأ من العدو. هذا يعني أحد أمرين: إما أن العدو اخترق صفوفنا وذلك كارثة، وإما .…
لا تقل إنك تصدق قصة الغولة
- والله أهون علي أن أصدق خرافة من أن تكون صفوفنا مخترقة. هذه مصيبة.
سکت فرج لحظة، ثم قال وهو يحاول أن يخفف عنه:
- تعلم يا أحمد ؟ البطل الذي خطف جنديًا من جنود المحتل من بينهم لن تعجزه هذه القضية. سأتركك الآن حتى تصفي ذهنك. اجعلهدفك واحدا اكتشاف السر والثأر لشهدائنا... من مهشم الأعناق.
مضى فرج بعدما زرع في قلب أحمد شيئًا من الطمأنينة بكلماته.
أخذ أحمد نفسًا عميقًا وهو يتذكر آخر ضحايا الكهوف عبد المطلب.
كانت الدماء قد غطت جسده، وهذا ما زاد حيرة أحمد؛ فوجود الدم دليل على مقاومة سبقت الخنق.
هز أحمد رأسه كمن ينفض عنه الخواطر، ثم نهض مدركا قيمة الوقت، ووجه بصره نحو فم الكهف الذي عثروا فيه على جثة عبد المطلب في اليوم السابق. دخل وحده، ثم حدث نفسه
- ماذا الآن؟ عم أبحث؟ هيا يا عبقري زمانك... أعطنا دليلًا واحدًا.
حرك مصباحه يمنة ويسرة، وتوغل في عمق الكهف حيث يختفي أثر الإنسان عن العين في الخارج. ظل يفتش حتى أمال الضوء نحو صخرة، فلمح آثار دماء قليلة على سطحها، قطع خيط أفكاره صوت من خلفه
- ماذا تفعل ؟
التفت أحمد فرأى أحد المقاتلين، حسن خلفه. قال أحمد:
- اقترب يا حسن
- ماذا هناك ؟
- انظر إلى آثار الدماء هذه.
قال حسن وهو يحدق في الصخرة
- بالتأكيد هي دماء عبد المطلب، رحمه الله، تناثرت حين قاوم قاتله. وكما رأيت، قبل أن يخنق حتى الموت كان قد ضرب حتى أدميت جراحه.
- نعم.... لكن هذا ليس مقصدي. ركز جيدا: هناك نقاط واعوجاج.... كأن الدم لم يتناثر، بل كتب.
- ماذا؟ لا أرى ذلك. تبدو خربشة عشوائية.
فلنضع احتمالا واحدا ربما حاول عبد المطلب كتابة كلمة مهمة ثم جاء القاتل ومسحها. ربما كان يريد أن يخبرنا باسم القاتل.
- لا أشاركك هذا التفكير. ثم كيف سيجد من يخنق حتى الموت وقتا للكتابة ؟
- لا تحتاج إلا إلى إصبع مغموس بالدم. ربما حاول... وحين انتبه له القاتل مسح الحروف، فلم يبق إلا هذا الأثر.
- كل شيء وارد.
- لا أجزم ... لكني أشعر أنه أراد أن يقول شيئا. ربما اسما، أو كلمة مهمة. لا تشغل بالك، سأتابع الأمر بنفسي.
تنحنح حسن قائلا:
- أعلم أني جديد بينكم، لكن عليك أن تعلم أني ذو فائدة. اسأل القائد مفتاحا عن خبرتي في المعارك.
نظر أحمد إليه لحظة، ثم خفف نبرته:
- الأمر ليس هكذا يا حسن... فقط لا تتعب نفسك.
يتبع……… في الفقرة القادمه
تابع جديد Free Palestinian
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق