في هذا المقال
المنزل الذي يرفض الصمت
لم يكن آدم يؤمن بالأشباح أو اللعنات القديمة. كان يرى أن كل قصة مرعبة لها تفسير منطقي، وأن الخوف مجرد وهم يصنعه العقل عندما يواجه المجهول.
لكن رأيه تغيّر عندما ورث منزل جدّه، ذلك المنزل القديم الذي يقع في نهاية طريق تحيط به أشجار كثيفة، ولا يزوره أحد بعد غروب الشمس.
منذ الليلة الأولى، شعر آدم بأن المكان يراقبه. كانت الأرضية تصدر صريرًا رغم ثبات الأثاث، والستائر تتحرك في غياب الرياح، بينما تتوقف ساعة الحائط كل ليلة عند الثالثة وسبع عشرة دقيقة صباحًا.
في البداية، تجاهل تلك الأمور. لكن في الليلة الثالثة، استيقظ على صوت طرقات قادمة من نهاية الممر.
طَق… طَق… طَق…
جلس على سريره، وأصغى باهتمام. تكررت الطرقات، ثم سمع صوت طفل يبكي خلف الجدار.
اقترب من الباب، وسأل بصوت مرتجف: «مَن هناك؟»
توقّف البكاء فجأة، ثم جاءه الرد من خلف الجدار:
«افتح يا آدم… لقد تأخّرت كثيرًا.»
تراجع مذعورًا. لم يكن في المنزل طفل، ولم يكن يعرف أحدًا يستطيع الوصول إلى ذلك المكان في منتصف الليل.
الباب الذي لا ينبغي فتحه
في صباح اليوم التالي، بدأ آدم يفحص الممر. لاحظ أن جزءًا من الجدار يبدو أحدث من بقية أجزائه، رغم أن الطلاء يغطيه بالكامل.
أزال بعض الألواح الخشبية، فاكتشف بابًا أسود صغيرًا، تحيط بإطاره خدوش عميقة تشبه آثار أظافر حاولت الخروج من الداخل.
تذكّر المفتاح النحاسي الذي وجده داخل مكتب جدّه، فأخرجه من جيبه وأدخله في القفل.
دار المفتاح بسهولة.
انفتح الباب ببطء، وانبعثت منه رائحة التراب الرطب والعفن. كانت الغرفة ضيقة، لا تحتوي على نافذة، وفي وسطها كرسي خشبي يواجه مرآة طويلة.
أما الجدران، فكانت مغطاة بصور لأشخاص مجهولين. وتحت كل صورة اسم وتاريخ وفاة.
وبين تلك الصور، رأى صورة لجدّه، ثم صورة لوالده، ثم صورة لامرأة لم يعرفها.
وفي أسفل الجدار، وجد صورة حديثة له، يرتدي فيها الملابس نفسها التي يرتديها الآن.
كُتبت تحت صورته عبارة قصيرة:
«موعد الرحيل: الليلة.»
أسرع إلى الخارج، لكن قبل أن يغلق الباب، لمح شيئًا مرعبًا في المرآة: كان هناك شخص يقف خلفه، رغم أن الغرفة فارغة تمامًا.
استدار بسرعة.
لم يجد أحدًا.
شيء ما يعيش داخل المرآة
حاول آدم إقناع نفسه بأنه متعب، وأن الظلال خدعته. لكنه عاد إلى الغرفة حاملًا هاتفه، مصممًا على تصوير كل شيء.
وقف أمام المرآة، ورفع هاتفه.
ظهر انعكاس الغرفة بوضوح، لكن صورته لم تظهر.
بدلًا منها، كان هناك رجل طويل يرتدي معطفًا أسود، ووجهه مخفي تحت غطاء قاتم. وقف الرجل خلف الكرسي، ثم رفع رأسه ببطء.
تجمّد آدم في مكانه.
تحرّكت شفتا الرجل داخل المرآة، وخرج صوته من كل زاوية في الغرفة:
«هل أخبرك جدّك لماذا أغلق الباب؟»
همس آدم: «مَن أنت؟»
ضحك الرجل ضحكة جافة، ثم أجاب:
«أنا آخر مَن دخل هذه الغرفة… وأنت آخر مَن سيخرج منها.»
فجأة، انغلق الباب خلف آدم بعنف. حاول فتحه، لكن المقبض لم يتحرك. بدأ الهواء يبرد، وظهرت على المرآة آثار أصابع من الداخل، كأن عشرات الأشخاص يحاولون تحطيم الزجاج.
ثم سمع صوت جدّه، واضحًا هذه المرة:
«لا تنظر في المرآة يا بني! مهما سمعت، لا تنظر إليها!»
لكن التحذير جاء متأخرًا.
رفع آدم عينيه، فرأى الرجل يقف خلفه مباشرة. لم يعد يفصل بينهما سوى الزجاج الرقيق.
مدّ الرجل يده، وطرق المرآة ثلاث مرات.
طَق… طَق… طَق…
ثم ابتسم وقال:
«حان دورك لتبقى هنا.»
انطفأ ضوء الهاتف، واختفى كل شيء.
السر الأخير
في الصباح، وصل أحد الجيران بعد أن سمع صراخًا طوال الليل. دخل المنزل، لكنه لم يجد آدم، ولم يعثر على الباب الأسود أو الغرفة السرية.
كان الممر عاديًّا، والجدار سليمًا، وكأن شيئًا لم يحدث.
على المكتب، وجد الجار دفترًا قديمًا يحمل اسم جدّ آدم. وفي الصفحة الأخيرة، قرأ اعترافًا كُتب بخط مرتجف:
«لم تكن الغرفة جزءًا من المنزل قط. لقد ظهرت بعد أن استدعيتُ شيئًا لم أستطع إعادته إلى مكانه. إنها لا تقتل ضحاياها، بل تحتفظ بهم خلف المرآة، وتستخدم أصواتهم لجذب ضحايا جدد. إذا اختفت الغرفة يومًا، فلا تظن أنها رحلت… إنها تبحث عن منزل آخر.»
أغلق الجار الدفتر، وغادر مسرعًا.
وفي تلك الليلة، بينما كان يستعد للنوم، سمع ثلاث طرقات تصدر من مرآة غرفته.
طَق… طَق… طَق…
اقترب منها ببطء، فرأى آدم يقف خلف الزجاج، يضربه بقبضتيه ويصرخ طلبًا للمساعدة.
لكن قبل أن يتمكن الجار من الحركة، ظهرت يد سوداء على كتف آدم، وسحبته إلى الظلام.
ثم ظهر وجه آخر داخل المرآة.
كان وجه الجار نفسه.
وتحت صورته، بدأت الكلمات تظهر ببطء:
«موعد الرحيل: الليلة.»
فإذا سمعتَ يومًا ثلاث طرقات قادمة من خلف مرآتك، فلا تقترب منها لتتحقق من مصدر الصوت…
فقد لا يكون هناك أحد يحاول الدخول، بل شخص ينتظر في الداخل كي يأخذ مكانك.

تابع جديد Demiana Mosa
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق