الوحوش التي ولدت في الظلام
الجاثوم (الوحوش التي ولدت في الظلام)
## الفصل الأول: الغرفة ٦
في خضم الحرب الباردة، وتحديداً في شتاء عام ١٩٤٧ القارس، كان معهد الأبحاث العسكرية السوفييتي رقم ١٣٧، المنحوت في صخر جبال الأورال، يضج بنشاط غير معتاد. كانت الثلوج تغطي كل شيء خارج الجدران الخرسانية التي يبلغ سمكها خمسة أمتار، ولكن بداخلها، كان العلماء يعملون كالنحل على مشروعٍ كان عنوانه الرسمي: **"تقييم قدرة الجندي على الأداء في غياب الدورة البيولوجية"**. أما تسميته الداخلية فكانت: **"الجاثوم"**.
اختير ستة متطوعين من سجون الجيش. لم يكونوا جواسيس، ولا خونة، بل كانوا جنوداً عاديين ارتكبوا مخالفات بسيطة، وقيل لهم إن المشاركة في هذا الاختبار ستُسقط عنهم الأحكام وتعيد لهم شرفهم العسكري. كانوا خمسة رجال وامرأة واحدة، تتراوح أعمارهم بين العشرين والثلاثين، أجسادهم مفتولة، وأعينهم تلمع بالأمل الساذج.
قبل دخولهم، وقف الضابط المسؤول، الكولونيل "إيفان فيكتوروف"، أمامهم وألقى كلمته الأخيرة:
*"أيها الرفاق، ستدخلون غرفةً معزولة تماماً عن العالم، مزودة بتهوية صناعية، وإضاءة لا تنطفئ، ومخزون غذاء وماء يكفي لثلاثين يوماً. هذا الغاز الذي ستستنشقونه عبر فلاتر التهوية ليس سماً، بل هو مركب كيميائي ثوري يُبقي الدماغ في يقظة دائمة. لن تشعروا بالرغبة في النوم أبداً. مهمتكم هي البقاء مستيقظين لأطول فترة ممكنة. كل دقيقة إضافية تعني مكافأة أكبر. سترون من خلال زجاج تلك النوافذ ذات الاتجاه الواحد أننا نراقبكم. أظهروا للعالم صلابة الجندي السوفييتي."*
لم يكن أحد يعلم أن تلك الغرفة ستتحول إلى جحيم، وأن الزجاج الذي سينظرون من خلاله سيصبح في النهاية مرآةً مظلمة تعكس وحوشهم الداخلية.
## الفصل الثاني: الأيام الذهبية (اليوم ١ - ٥)
في البداية، كانت الأجواء أشبه بمخيم صيفي غريب. الجنود الستة، الذين أُطلق عليهم الرموز (أ، ب، ج، د، هـ، و)، بدأوا يتحدثون ويتبادلون النكات. الغرفة كانت بيضاء ناصعة، تحوي ستة أسرّة حديدية، ومكتباً، وكرسياً، وصنبور ماء، وزاوية للطعام. الضوء الفلوري كان ينبعث من السقف دون توقف، يغمر المكان ببياض بارد كبياض المقابر.
بحلول اليوم الثالث، لاحظ الباحثون شيئاً مدهشاً: المتطوعون لم يظهروا أي علامات إرهاق. بل على العكس، كانوا يتحدثون بطلاقة أكبر، ويضحكون بصوت أعلى، ويحلون الألغاز الرياضية التي تُعرض عليهم على شاشة صغيرة بسرعة قياسية. كانت ذاكرتهم حادة كالسيف.
كتب الدكتور "أناتولي كريلوف" في مذكراته: *"يبدو أن الغاز يُنشط الخلايا العصبية بشكل غير مسبوق. نبضات قلبهم مستقرة، وضغط الدم مثالي. ربما اكتشفنا إكسير الحياة الذي يلغي الحاجة إلى ثلث العمر الذي نضيعه في النوم."*
لكن في اليوم الخامس، بدأ الشق الأول يظهر. المتطوع (أ) - جندي شاب كان يُلقب بـ"الأوكراني" بسبب لكنته - توقف فجأة عن الكلام. كان يجلس على سريره، ينظر إلى الحائط الأبيض، ويهمس لنفسه بكلمات غير مفهومة. وعندما حاول رفيقه (ج) أن يربت على كتفه، انقلب عليه (أ) كالثعبان، وعيناه محتقنتان بالدم، وصاح: *"لا تلمسني! ألا تسمعهم؟ إنهم يخدشون من وراء الجدار!"*.
نظر الرفاق إلى الجدار الصامت. لم يكن هناك شيء. قرر الباحثون أن هذا مجرد إرهاق وهمي، وأن الجسم يحاول التمرد على اليقظة المطلقة. قرروا زيادة جرعة الغاز بنسبة ٢٠٪.
## الفصل الثالث: انهيار الجدران (اليوم ٩ - ١٢)
كان اليوم التاسع نقطة التحول. فقد جميع المتطوعين الستة القدرة على الكلام الموجَّه. بدلاً من ذلك، كانوا يصدرون أصواتاً: نقرات بالأسنان، طقطقة بالأصابع، وهمهمات منخفضة كالأنين. تجمعوا في وسط الغرفة، بعيداً عن الأسرة، جالسين على الأرض في دائرة، يحدقون في نقطة فارغة في السقف.
أصابت الباحثين الحيرة. كانت أجهزة القياس تظهر نشاطاً دماغياً متزامناً بينهم جميعاً، كأنهم أصبحوا كائناً واحداً. المتطوع (و) - وهي المرأة الوحيدة، ممرضة سابقة تدعى "ناتاشا" - كانت تبكي باستمرار، لكن دموعها كانت دماً. نعم، دماً أحمر صافياً يسيل من عينيها دون أي سبب عضوي.
عندما دخلت فرقة العناية الطبية في اليوم العاشر لتقديم الغذاء، عبر نافذة محكمة الإغلاق، حدث ما هز الجميع. هرع الجنود الستة نحو النافذة الزجاجية، واضعين وجوههم عليها، وبدأوا يصرخون. لكن الصراخ لم يكن صراخ استغاثة. كان صراخاً غاضباً، وحشياً. بدأ أحدهم، وهو المتطوع (د)، يضرب رأسه بالزجاج بقوة، مكرراً كلمة واحدة بصوت بحة غريبة لم تكن صوته:
*"أطلِقوا... الجاثوم... أطلِقوا الجاثوم..."*
قام العلماء بتحليل الصوت. لم يكن الصوت قادماً من أحبالهم الصوتية فقط، بل كان مختلطاً بتردد منخفض يبدو وكأنه قادم من بطن الغرفة نفسها. الكولونيل فيكتوروف، الذي كان متشككاً في البداية، أمر بزيادة الغاز إلى أقصى حد مسموح، وقال: *"لن نتوقف. نحن على حافة اكتشاف يغير التاريخ. هؤلاء الجنود سيضحون بأنفسهم من أجل الاتحاد السوفييتي."*
## الفصل الرابع: العرين الصامت (اليوم ١٤ - ١٨)
بحلول اليوم الرابع عشر، توقف كل شيء. توقف الجنود عن الحركة تماماً. كانوا جالسين في دائرة، ظهورهم لبعضهم البعض، وجوههم تواجه الحوائط الأربعة المختلفة. لم يكن أحد يتحرك. نبضات قلوبهم كانت بطيئة بشكل غير طبيعي، حوالي ٣٠ نبضة في الدقيقة. لكن أدمغتهم كانت في حالة من التوهج الكهربي غير المسبوق، كأنها مدينة مضاءة بالكامل في منتصف الليل.
أمر العلماء بإرسال كاميرا متحركة داخل الغرفة. عندما دخلت الكاميرا، حدث المشهد المروع: فجأة، انقلب المتطوع (أ) كالزواحف، واندفع على يديه وركبتيه نحو الكاميرا. كانت أصابعه قد تشوهت؛ الأظافر طويلة وكثيفة، والجلد حولها متشقق ومتقشر. نظر إلى عدسة الكاميرا بعينين بيضاء بالكامل، بلا بؤبؤ، وقال بصوت هادئ مرعب:
*"نحن لسنا متعبين. نحن لسنا مرضى. نحن فقط... كنا نائمين طويلاً. الآن صحونا. هناك أشياء في الظلام يا دكتور. إنها تريد أن تلعب."*
ثم مضغ الكاميرا بأسنانه حتى تحطمت.
في تلك اللحظة، بدأ الجنود يتحدثون جميعاً في آن واحد، ولكن ليس باللغة الروسية. كانوا يتحدثون بلغة قديمة، أشبه باللاتينية المبتورة، لكن كلماتها كانت تحمل معاني دموية وفق ما ترجمه علماء اللغة لاحقاً: *"تقديم الجسد لغير الجسد، إطعام العظم للروح."*
بدأت الفظائع الجسدية. المتطوع (ب) مزق جلده بأصابعه، ليس بدافع الألم، بل بدافع الفضول، وكأنه يفتح غلاف حلوى. كان يمزق شرائح من جلد بطنه، ويرفعها إلى الضوء الفلوري، ويتأمل عروقه وأمعائه الدامية وكأنها لوحة فنية. والغريب في الأمر، لم ينزف كثيراً. كان الدم ينساب ببطء، لزجاً وكثيفاً، ويبدو أن جروحه تبدأ بالالتئام بشكل متسارع بعد دقائق، لكنها تترك ندوباً سوداء غريبة تنبض كالكائنات الحية.
المتطوع (هـ) اقتلع ثلاثة من أسنانه الأمامية ووضعها على الأرض في شكل مثلث، ثم بدأ يتلو أسماءً غير مفهومة. كل اسم كان يردده، كانت درجة حرارة الغرفة تنخفض درجة مئوية واحدة. في غضون ساعة، أصبحت الغرفة درجة حرارتها ٤ تحت الصفر، رغم أن نظام التدفئة كان يعمل بكامل طاقته.
## الفصل الخامس: العيون في الداخل (اليوم ٢٠ - ٢٣)
الآن، لم يعد العلماء يرون جنوداً. رأوا ستة كيانات تجلس في ظلام حقيقي، لأن الجنود (بمعجزة ما) نجحوا في تحطيم مصابيح الفلوريسنت العالية باستخدام أحذيتهم الحديدية، تاركين الغرفة في شبه ظلام دامس. كانت الكاميرات الحرارية تظهرهم ككتلٍ من الحرارة غير المنتظمة، كأن أعضاءهم الداخلية تتحرك مستقلة عن إرادتهم.
لاحظ الدكتور كريلوف شيئاً مرعباً على الشاشات الحرارية: المتطوع (أ) كان لديه ثلاثة مصادر حرارة في صدره، كأن له ثلاث قلوب. المتطوع (و) كانت تظهر صورتها الحرارية وكأنها مُحاطة بغطاءٍ من البرودة، وكأن شيئاً ما يلف جسدها من الخارج، شيئاً غير مرئي للعين المجردة.
في اليوم الثاني والعشرين، سمع الباحثون طرقاً على الزجاج الكثيف للنافذة التي تفصلهم. نظر الكولونيل فيكتوروف من خلال الزجاج، وإذ به يرى المتطوع (ج) واقفاً هناك، وجهه ملتصقاً بالزجاج، ولكن... كان وجهه مبتسماً. ابتسامة عريضة جداً، تمزق خديه حتى الأذنين، كأن أحداً قد أجرى له عملية جراحية بلا تخدير. نظر إلى الكولونيل وقال بصوت مسموع بوضوح عبر ميكروفونات الغرفة:
*"لقد رأيناك، يا إيفان. أنت تخاف. أنت تخاف لأنك تعرف أن ما بداخلنا هو ما بداخلك أيضاً. نحن لسنا غرباء. نحن إخوتك. كل ما فعلته هو أنك أيقظتنا. اسأل نفسك: من الذي ينام في زاوية عقلك عندما تغمض عينيك؟"*
ارتعد الكولونيل للمرة الأولى في حياته. أمر بقطع الاتصال الصوتي، وهدد العلماء أنه إن لم ينتهِ الأمر خلال ٤٨ ساعة، سيتم إغراق الغرفة بغاز سام.
## الفصل السادس: الموسيقى الأخيرة (اليوم ٢٤ - ٢٥)
في اليوم الرابع والعشرين، بدأ الجنود الستة يغنون. كانت ترنيمة جميلة، حزينة، بلا كلمات بشرية. لكن التحليل أظهر أنها تحتوي على تردد ٢٠ هرتز، التردد الذي يسبب الرعب الفطري لدى البشر. بدأ الباحثون يعانون من هلوسات جماعية: رأوا وجوهاً في زوايا المختبر، سمعوا أسماءهم تُنادى من خلفهم.
في منتصف الليل، صدر أمر الإخلاء للجميع. لكن عندما فتحت فرقة الاقتحام باب الغرفة الفولاذي، خرجت رائحة كريهة كرائحة الأمونيا والدم الفاسد.
المشهد بالداخل كان يتجاوز الخيال.
الجدران كانت مغطاة بطبقة من الكتابات الدموية، رسوم بيانية لدوائر سحرية وأعضاء بشرية موصولة بخطوط تشبه الأسلاك العصبية. الجنود الستة كانوا ما زالوا أحياءً، لكن تشوهاتهم كانت هائلة. المتطوع (أ) كان قد مزق جفنيه العلويين ليمنع نفسه من الوميض، وكانت عيناه تلسعان كل من ينظر إليهما مباشرة. المتطوع (د) كان قد أكل لسانه، ورغم ذلك كان يتحدث بوضوح كامل!
لكن الجندي (و) "ناتاشا" كانت تجلس في الزاوية بهدوء، محاطة بظلال تتمايل وكأنها كائنات واقفة. نظرت إلى الضابط الداخل وقالت بصوتٍ كان خليطاً بين صراخ طفل وبحة عجوز:
*"ألم يحن الوقت لتخبرهم بالحقيقة، أيها الكولونيل؟ أن هذا الغاز لم يكن من صنعكم. وجدتموه في الحفريات تحت الجبل. إنه غبار عظام مخلوقات كانت تسكن الأرض قبل البشر. نحن الآن نسمع أصواتهم. إنهم يعلموننا كيف نكون... كاملين."*
ثم بدأت ترفع يدها ببطء شديد، وفي كل مفصل من مفاصل أصابعها كان ينكسر عكس الاتجاه الطبيعي، مخرجاً صوت طقطقة كالمكسرات. ظلّت ترفعها حتى لامست سقف الغرفة بارتفاع ثلاثة أمتار، وهي جالسة!
## الفصل السابع: الحل الأخير
أمر الكولونيل بإطلاق الغاز السام. لكن المستوى الأول لم يؤثر فيهم. المستوى الثاني جعلهم يضحكون فقط. المستوى الثالث، الذي يقتل الفيل خلال ثوانٍ، جعلهم يتوقفون عن الحركة لمدة دقيقة، ثم عادوا للنظر نحو الفريق باقشعرار.
عندها، جاء قرار الإعدام المباشر. دخل فريق من أربعة جنود مسلحين. أطلقوا النار على كل متطوع طلقة في الرأس. سقط الجسد (أ)، وسقط (ب)، وسقطت (و)...
في لحظة الصمت التي تلت، سمع الجميع شيئاً: طرقاً خافتاً يأتي من داخل جثثهم. ثم بدأت الجثث تتحرك مجدداً! نهضوا، لكن رؤوسهم كانت متدلية إلى الخلف بزاوية مستحيلة، وأعينهم في مؤخرة رؤوسهم كالجمبري.
نظرت الجثث الستة إلى الكولونيل في انسجام عجيب وقالت بصوت واحد، هادئ وعميق كقاع البحر:

*"ليس بهذه السهولة يا إيفان. لقد أيقظت الجاثوم. والآن، الجاثوم سيمشي في الأرض. كل إنسان ينظر في عينينا... سنكون نحن. في كل مرة ينام فيها إنسان، سنهمس له باسمك. سنقول له: 'انظر... الكولونيل ينتظرك في الغرفة البيضاء.'"*
تم إحراق الغرفة بالكامل، ودفن المختبر تحت مئات الأطنان من الخرسانة. أُغلقت الملفات، وأُعدم الكولونيل فيكتوروف بعد ثلاثة أيام بتهمة الخيانة، لكن قبل إعدامه، كتب رسالة قصيرة على جدار زنزانته:
*"إنها ليست مادة كيميائية. إنها أبواب. فتحنا أبواباً لا يجب أن تُفتح. عندما ينام الإنسان، فإنه ليس مرتاحاً. إنه يختبئ. والآن... لم يعد لديه مكان يختبئ فيه. الجاثوم قادمون. اسمعهم وهم يطرقون خلف جفونك."*
## الخاتمة: الباب المفتوح
بعد عقود، في عام ٢٠١٢، وجد فريق من علماء الآثار الصناعيين المختبر المدفون أثناء حفر نفق جديد. لم يجدوا هياكل عظمية، بل وجدوا ستة أكفان حجرية، عليها كتابات بلغة لم يُهتدَ إليها بعد. لكن الصور التي التقطوها بكاميراتهم أظهرت شيئاً غريباً: داخل كل كفن، كان هناك زجاجة صغيرة تحوي غباراً رمادياً لامعاً، وتحت الزجاجة، كان مكتوباً بخط سيريلي حديث:
*"إذا كنت تقرأ هذا، فأنا آسف. لقد ظننا أننا نستطيع حبسهم بالموت. لكن الموت ليس سوى حلم آخر. والجاثوم... هم الذين يحلمون بنا الآن. أغلق الكتاب. أطفئ الضوء. لكن لا تغمض عينيك. أبداً."*
---
**النهاية**