صدى العهد القديم: حين يستيقظ الساحر

صدى العهد القديم: حين يستيقظ الساحر

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

صدى العهد القديم: حين يستيقظ الساحر 

​الفصل الأول: سكون المقابر وساعة الصفر

​لم تكن مهنة حراسة المقابر بالنسبة لـ "سامر" مجرد وظيفة لكسب العيش، بل كانت ملاذاً هرب فيه من صخب المدينة وضوضاء البشر. اعتاد على السكون الرهيب الذي يلف المكان بمجرد غروب الشمس، وأصبح الظلام صديقاً مألوفاً له. كانت المقابر القديمة تقع عند أطراف المدينة، محاطة بأسوار حجرية تآكلت بفعل الزمن، وفي وسطها يقبع مبنى قديم مكون من طابقين؛ الطابق الأرضي يضم مكتبه الصغير وفراشه، بينما الطابق العلوي مغلق منذ عقود ومملوء بالروايات والإشاعات التي لا تنتهي.

​مرت الأشهر الأولى هادئة، حتى جاءت تلك الليلة الخريفية الباردة. كانت الأجواء غائمة والرياح تصفر بين الشواهد الرخامية. استلقى سامر على فراشه محاولاً النوم، لكن شعوراً غريباً بالثقل كان يجثم على صدره. نظر إلى ساعته المعلقة على الحائط؛ كانت العقارب تتحرك ببطء نحو الثانية بعد منتصف الليل.

​ومع دقات الساعة الثانية تماماً، انقطع حبل الصمت فجأة.

​لم يكن الصوت ريحاً، ولم يكن عواء ذئب، بل كان همساً بشرياً خافتاً ومتواصلاً. صوت يبدو قريباً جداً وكأنه ينبعث من زوايا الغرفة، لكنه في الوقت نفسه يحمل صدى عميقاً قادماً من باطن الأرض. ركز سامر سمعه، فحاول تمييز الكلمات، لكنها لم تكن لغة عربية ولا أي لغة حديثة يعرفها. كانت حشرجة غريبة وكلمات متداخلة ذات جرس صوتي ثقيل: "أستاروس.. فينوم.. كيروم.." تكررت الكلمات بنبرة آمرة وإيقاع منتظم يشبه الطقوس الجنائزية القديمة.

​الفصل الثاني: الرموز المتوهجة

​شعر سامر بقشعريرة تسري في جسده، فالخوف الذي شعر به هذه المرة لم يكن عادياً؛ كان خوفاً يلامس غريزته السحيقة. نهض من فراشه ببطء، وأمسك بمصباحه اليدوي، وخرج إلى الممر الخارجي للمقابر. كانت الأصوات تزداد وضوحاً وقوة كلما تحرك نحو الفناء الأوسط حيث تقبع أقدم القبور في المدافن.

​وجه كشافه نحو الأرض، وهنا تجمدت الدماء في عروقه.

​على التراب المحيط بأحد القبور المنسية، لم تكن هناك آثار أقدام، بل كانت هناك رموز ونقوش هندسية معقدة محفورة بدقة متناهية. لم تكن مجرد حفر في الطين، بل كانت تلك الرموز تتوهج بخفوت شديد، بضوء رمادي مائل للزرقة، وكأنها تتنفس مع كل همسة تتردد في الهواء. اقترب سامر بخطوات مرتعشة، وجثا على ركبتيه ليتفحص تلك الشفرات الغامضة.

​في تلك اللحظة، حدث شيء غير متوقع. بمجرد أن اقتربت يده من الرمز الأكبر في المنتصف، شعر بوخزة كهربائية حادة سرت في كفه، وتوقف الهمس فجأة. ساد صمت مطبق، لكن هذا الصمت لم يجلب الراحة، بل كان يحمل في طياته ترقباً مرعباً. وفي وسط هذا السكون، سمع أصوات خطوات خشبية ثقيلة تأتي من الأعلى.. من الطابق المغلق.

​الفصل الثالث: صعود الحارس

​كان الطابق الثاني مهجوراً منذ زمن بعيد، وكان الباب المؤدي إليه مغلقاً بقفل حديدي صدئ. عاد سامر إلى المبنى مدفوعاً بقوة خفية، لم يكن فضولاً عادياً، بل كان شعوراً غريباً بأن هناك شيئاً يخصه ينتظره في الأعلى، رغبة عارمة لم يستطع مقاومتها ترغمه على الصعود.

​وقف أمام السلم الخشبي المؤدي للطابق العلوي. كانت الدرجات تئن تحت قدميه مع كل خطوة يخطوها. وصل إلى الباب المغلق، وعندما وضع يده على القفل الصدئ ليفكر في كيفية فتحه، تساقط القفل تلقائياً على الأرض وتراجع الباب إلى الخلف ببطء محدثاً صريراً حاداً.

​دلف سامر إلى الغرفة. كانت الرائحة خليطاً من التراب القديم، والورق المحترق، والبخور العتيق. وجه مصباحه في أرجاء المكان، ليرى طاولة خشبية ضخمة في المنتصف، وعليها أدوات غريبة: زجاجات تحتوي على سوائل جافة، ومخطوطات جلدية تآكلت أطرافها، وخنجر ذو مقبض برونزي منقوش عليه نفس الرموز التي رآها على الأرض في الأسفل.

​الفصل Final: الاستيقاظ

​اقترب سامر من الطاولة، وجذبته مخطوطة كبيرة مفتوحة في المنتصف. كانت المخطوطة تحتوي على صورة مرسومة بالحبر الأسود لرجُل يرتدي عباءة قديمة، ويقف في نفس البقعة من المقابر. صعق سامر عندما أمعن النظر في تفاصيل الوجه؛ كانت الملامح، والعيون، وحتى الندبة الصغيرة فوق الحاجب، تطابق ملامحه هو تماماً.

​في تلك اللحظة، تدفقت إلى عقله موجة عارمة من الذكريات التي لم يعشها قط. رأى نفسه في عصور سحيقة، يرتدي تلك العباءة، ويخاطب كيانات غير بشرية، ويخط تلك الرموز على الأرض لحبس قوى عظمى أو استدعائها. لم يكن سامر مجرد حارس عابر تم تعيينه بالصدفة في هذا المكان، بل كان الروح المستنسخة لساحر قديم وعظيم، ساحر دفن أسراره وقواه في هذه الأرض قبل قرون، وانتظر اللحظة المناسبة ليولد من جديد ويعود لاستكمال عهده القديم.

​أدرك سامر الآن سر الأصوات؛ لم تكن الجان تحاول إخافته، بل كانت تناديه باسمه القديم، تعلن ولاءها وتستدعي سيدها من مرقده. نظر إلى يديه، فرأى الرموز تبدأ في الظهور على جلده بلون ذهبي خافت. لم يعد خائفاً، بل ابتسم ابتسامة غامضة وهو يستمع إلى الساعة التي أعلنت استمرار الليل، ودخول العالم في عهد الساحر المستيقظ.

image about صدى العهد القديم: حين يستيقظ الساحر
التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mohammed Rashwan تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

1

متابعهم

1

مقالات مشابة
-