همسات من خلف الباب الأسود
همسات من خلف الباب الأسود كانت السماء تمتلئ بالغيوم السوداء، والرياح تعصف بين
الأشجار القديمة كأنها تحمل أصواتًا غامضة من زمن بعيد. في أطراف القرية وقف منزل مهجور، يكسوه الغبار وتحيط به الأشواك، وكان الجميع يطلقون عليه اسم "البيت الأسود". لم يكن أحد يجرؤ على الاقتراب منه بعد غروب الشمس، فقد تناقلت الأجيال حكايات عن أصوات تُسمع من داخله، وظلال تتحرك خلف نوافذه المحطمة. لم يكن كريم يؤمن بتلك القصص. كان يعتقد أن كل ما يُقال مجرد خرافات ابتكرها الناس لإخافة الأطفال. وفي إحدى الليالي، حمل مصباحًا يدويًا وقرر أن يدخل المنزل بمفرده، متحديًا كل التحذيرات. ما إن دفع الباب الخشبي حتى صدر صوت صرير طويل اخترق سكون الليل. كانت رائحة الرطوبة والعفن تملأ المكان، بينما غطت خيوط العنكبوت الجدران والسقف. تقدم ببطء وهو يسلط ضوء المصباح في كل زاوية، لكن المكان بدا خاليًا تمامًا.
بعد دقائق قليلة، سمع صوت خطوات خلفه.
التفت بسرعة... لم يكن هناك أحد.
ابتسم ساخرًا وقال لنفسه إن الرياح هي السبب، ثم واصل السير. لكن الخطوات عادت مرة أخرى، هذه المرة أقرب من السابق، وكأن شخصًا يسير خلفه بنفس السرعة.
بدأ القلق يتسلل إلى قلبه، إلا أنه رفض الاستسلام للخوف. وصل إلى ممر طويل تنتهي فيه غرفة يتوسط بابها لون أسود قاتم، مختلف تمامًا عن بقية الأبواب القديمة. كان الباب مغلقًا بإحكام، وعليه آثار خدوش عميقة، وكأن أحدًا حاول الخروج منه يومًا ما.
اقترب كريم بحذر، وفجأة سمع همسة خافتة.
"لا تفتح الباب..."
تجمد في مكانه، ونظر حوله، لكن الممر كان فارغًا.
اعتقد أنه يتخيل، فوضع يده على المقبض البارد وأدارَه ببطء.
في اللحظة التي انفتح فيها الباب، انطفأ المصباح تمامًا، وغرقت الغرفة في ظلام دامس.
بدأ يسمع أنفاسًا ثقيلة لا يعرف مصدرها، ثم ظهرت عينان حمراوان وسط الظلام تحدقان فيه دون أن ترمشا. حاول الرجوع إلى الخلف، لكنه اكتشف أن الباب الذي دخل منه قد اختفى.
أصبح محاصرًا.
أخرج هاتفه ليستخدم ضوءه، لكنه وجد الشاشة مليئة برسالة واحدة تتكرر عشرات المرات:
"لقد تأخرت..."
شعر بقشعريرة تسري في جسده، بينما ازدادت الهمسات حوله حتى تحولت إلى أصوات كثيرة تتحدث في الوقت نفسه. وفجأة، ظهر أمامه رجل عجوز بملابس ممزقة، وجهه شاحب وعيناه غائرتان.
قال بصوت منخفض:
"كنا ننتظر شخصًا جديدًا..."
قبل أن يتمكن كريم من الرد، اختفى العجوز، وبدأت الجدران تتحرك ببطء، وكأن المنزل كله أصبح حيًا.
ركض بأقصى سرعته داخل الممرات، لكنه كان يعود دائمًا إلى الباب الأسود نفسه.
كل طريق يسلكه يقوده إلى المكان ذاته.
بدأ يسمع أصوات أطفال يضحكون، ثم بكاء امرأة، ثم صراخًا مكتومًا، وكلما حاول الهرب أصبحت الأصوات أعلى وأكثر وضوحًا.
وفجأة لمح صورة قديمة معلقة على الحائط.
اقترب منها، فإذا بها تضم مجموعة من الأشخاص يقفون أمام المنزل.
لكن أكثر ما أثار رعبه أن آخر شخص في الصورة كان يشبهه تمامًا. بل كان يرتدي الملابس نفسها التي يرتديها الآن.
ارتجفت يداه وسقطت الصورة على الأرض، إلا أنها لم تتحطم.
بل تغيرت.
أصبح الأشخاص داخلها ينظرون إليه مباشرة، ثم بدأوا يبتسمون ببطء.
في تلك اللحظة، عاد المصباح للعمل فجأة.
ركض نحو الباب الرئيسي بكل قوته، وعندما وصل دفعه بعنف حتى انفتح.
خرج من المنزل وهو يلهث، ولم يتوقف عن الجري حتى وصل إلى القرية.
في صباح اليوم التالي، عاد بعض السكان إلى المنزل بعد أن سمعوا قصته، لكنهم لم يجدوا أي أثر لهاتفه أو لمصباحه.
وجدوا شيئًا واحدًا فقط.
صورة قديمة معلقة على الجدار.
كانت تضم جميع الأشخاص الذين ظهرت صورهم سابقًا...
ومعهم شاب جديد يقف في الصف الأخير. كان كريم.
ومنذ تلك الليلة، عاد أهل القرية يسمعون همسات تأتي من خلف الباب الأسود كلما هبت الرياح، ويقول البعض إن شخصًا جديدًا يظهر في الصورة كلما دخل أحد ذلك المنزل ولم يعد.
أما الباب الأسود، فما زال هناك...
ينتظر زائره التالي، بصمتٍ مخيف، وكأنه يعرف أن الفضول أقوى من الخوف دائمًا.