ليلة الباب الأسود
ليلة الباب الأسود
كان سكان القرية يتجنبون الحديث عن المنزل المهجور الواقع عند أطراف الغابة، وكأن مجرد ذكر اسمه يجلب الحظ السيئ. كانوا يطلقون عليه "منزل الباب الأسود"، لأن بابه الخشبي ظل أسود اللون رغم مرور عشرات السنين، ولم يتغير لونه أبدًا، حتى بعد الأمطار والعواصف. كان الأطفال يسمعون قصصًا عنه منذ صغرهم، فيقسم بعض كبار السن أنهم كانوا يسمعون همسات تخرج منه ليلًا، بينما أكد آخرون أنهم رأوا أشخاصًا يدخلونه ولا يعودون إلا بعد أيام، وقد تغيرت ملامحهم تمامًا.
في إحدى الليالي، قرر شاب يُدعى كريم أن يثبت أن كل تلك القصص مجرد خرافات. حمل كاميرته ومصباحًا صغيرًا، وأخبر أصدقاءه أنه سيصور جولة داخل المنزل وينشرها على الإنترنت. ضحك الجميع، لكن أحدهم قال له قبل أن يغادر: "إذا سمعت أحدًا ينادي باسمك... فلا تلتفت أبدًا."
وصل كريم إلى المنزل بعد منتصف الليل. كانت الرياح تعصف بالأشجار، والقمر يختبئ خلف الغيوم. دفع الباب الأسود ببطء، فانطلق صوت صرير طويل اخترق الصمت. شعر ببرودة غريبة تسري في جسده، وكأن الهواء داخل المنزل مختلف عن الخارج.
بدأ يتجول بين الغرف المتربة، وكانت الأرضية الخشبية تصدر أصواتًا مع كل خطوة. في نهاية الممر وجد مرآة قديمة ضخمة. مسح الغبار عنها، فرأى انعكاسه بوضوح، لكنه لاحظ شيئًا مرعبًا... صورته لم تكن تقلد حركاته. بينما كان هو يحدق بخوف، بقي انعكاسه يبتسم ابتسامة باردة لا تناسب الموقف.
ارتبك كريم وتراجع إلى الخلف، فانطفأ المصباح فجأة. عمّ الظلام المكان بالكامل، ولم يعد يسمع سوى صوت أنفاسه المتسارعة. وبعد لحظات، بدأت همسات خافتة تتردد في أرجاء المنزل، تكرر اسمه ببطء: "كر...يم... كر...يم..."
أضاء المصباح مرة أخرى، لكن المرآة أصبحت فارغة تمامًا، وكأنها لم تعكس شيئًا من قبل. حاول الهروب، إلا أن الباب الرئيسي كان مغلقًا بإحكام. وفي تلك اللحظة، بدأت خطوات ثقيلة تنزل ببطء من أعلى السلم، خطوة... ثم أخرى... ثم أخرى.
رفع كريم الكاميرا نحو السلم، لكنه لم يرَ شيئًا بعينيه. وعندما نظر إلى شاشة الكاميرا، ظهر شخص طويل جدًا يقف في أعلى الدرج، بلا ملامح واضحة، يراقبه بصمت. تجمد في مكانه، ولم يستطع حتى الصراخ.
وفجأة، شعر بيد باردة تمسك كتفه من الخلف. استدار بسرعة، فلم يجد أحدًا، لكن الكاميرا سقطت من يده، وانطفأ كل شيء.
في صباح اليوم التالي، عثر أهل القرية عليه فاقدًا للوعي أمام المنزل. كانت الكاميرا لا تزال تعمل، لكن التسجيل توقف عند لحظة واحدة فقط، ظهر فيها وجه شاحب بعينين سوداويين يقترب من العدسة قبل أن تتحول الشاشة إلى السواد.
ومنذ تلك الليلة، لم ينطق كريم بكلمة واحدة عن المنزل. وكلما سُئل عما حدث، كان يحدق في الغابة بصمت، بينما ظل الباب الأسود مفتوحًا قليلًا... وكأنه ما زال ينتظر زائره التالي.
