«فارس بلا جواد»: الدراما بوصفها ساحة للصراع على التاريخ

«فارس بلا جواد»: الدراما بوصفها ساحة للصراع على التاريخ

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

«فارس بلا جواد» في سجل الذاكرة العربية

image about «فارس بلا جواد»: الدراما بوصفها ساحة للصراع على التاريخ

حين يُستعاد مسلسل «فارس بلا جواد» (2002) بعد مرور أكثر من عقدين على عرضه، لا يُستحضر بوصفه عملًا دراميًا فحسب، بل باعتباره وثيقة ثقافية تعكس لحظة صدام حادة بين الفن والتاريخ والسياسة. لقد قدّم محمد صبحي في هذا العمل تجربة فريدة في الدراما العربية، مزجت بين السخرية السوداء، والاستدعاء التاريخي، والنقد السياسي المباشر، في زمن كانت فيه مثل هذه المقاربات محفوفة بالمخاطر.


السياق التاريخي والفكري

جاء «فارس بلا جواد» في مطلع الألفية الثالثة، وهي مرحلة اتسمت بتراجع المشروع القومي العربي، وتكريس الهيمنة الغربية، وتصاعد الانتفاضة الفلسطينية الثانية. في هذا المناخ، لم يكن استدعاء محمد صبحي لنصوص مثل «بروتوكولات حكماء صهيون» عملاً بريئًا أو عابرًا، بل كان إعلانًا واضحًا عن رغبة في إعادة فتح ملف الصراع السردي حول التاريخ والذاكرة.

بوصفنا مؤرخين، لا يمكن قراءة المسلسل خارج هذا السياق؛ فهو نتاج مرحلة شعرت فيها النخبة الثقافية العربية بأن السردية العربية قد أُقصيت، وأن التاريخ يُكتب من طرف واحد، فحاول الفن أن يستعيد دوره بوصفه أداة مقاومة رمزية.


الدراما بوصفها أداة تفكيك تاريخي

لم يُقدَّم «فارس بلا جواد» كعمل توثيقي بالمعنى الأكاديمي، بل كـدراما رمزية تستخدم الماضي مرآةً للحاضر. اعتمد محمد صبحي على شخصية «الفارس» بوصفها استعارة: بطل يحمل الوعي والشجاعة، لكنه يفتقد الوسائل، أي «الجواد»، في إشارة واضحة إلى المثقف العربي الذي يمتلك المعرفة ويعاني العجز البنيوي.

من منظور المؤرخ، تكمن أهمية المسلسل في طريقة طرحه للأسئلة لا في إجاباته. فهو لا يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، بل يثير الشك، ويحفّز المتلقي على مراجعة الروايات السائدة، حتى لو وقع أحيانًا في التبسيط أو التعميم.


محمد صبحي والمثقف المشتبك

يمثل محمد صبحي في «فارس بلا جواد» نموذج المثقف المشتبك، الذي لا يكتفي بالرمز، بل يقتحم المناطق المحظورة. لقد تحمّل العمل هجومًا إعلاميًا دوليًا، واتهامات بالتحريض ومعاداة السامية، وهو ما يضعنا أمام سؤال تاريخي أعمق:

هل كان الهجوم على المسلسل بسبب مضمونه، أم بسبب كسره احتكار سردية بعينها؟

هنا، لا يُحاكم المؤرخ العمل أخلاقيًا أو سياسيًا، بل يسجّل أن «فارس بلا جواد» شكّل سابقة نادرة في الدراما العربية، حيث تجرأ فنان على تحويل شاشة التلفزيون إلى ساحة جدل تاريخي مفتوح.


بين القيمة الفنية والجدل التاريخي

فنيًا، لم يكن المسلسل متكاملًا من جميع الوجوه؛ فقد عانى من خطابية مباشرة، ومن ثقل الرسائل الأيديولوجية أحيانًا. لكن التاريخ لا يحفظ الأعمال فقط لجمالياتها، بل أيضًا لدورها في تحريك المياه الراكدة.

لقد أصبح «فارس بلا جواد» مرجعًا يُستدعى كلما دار النقاش حول:

حدود حرية التعبير في الدراما العربية

العلاقة بين الفن والتاريخ

استخدام النصوص الإشكالية في المجال العام


خاتمة: مكانة «فارس بلا جواد» في سجل الذاكرة العربية

بعد سنوات، يمكن القول إن «فارس بلا جواد» لم يكن مجرد مسلسل، بل حدثًا ثقافيًا عبّر عن لحظة قلق عربي عميق تجاه التاريخ والهوية والهيمنة. وقد يكون محمد صبحي أخطأ في بعض مقارباته، أو بالغ في بعض أطروحاته، لكن المؤرخ لا ينكر أن العمل مثّل محاولة جريئة لكسر الصمت.

وهكذا، يبقى «فارس بلا جواد» شاهدًا على زمن حاول فيه فنان أن يكتب التاريخ بلغة الدراما، وأن يواجه السرد الأقوى بسردٍ أضعف، لكنه أكثر جرأة.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
المقالات

191

متابعهم

68

متابعهم

188

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.