ابن العاصغه ⚡

نيكولا تسلا: العبقري الذي تحدّى الصعاب
في ليلة 10 يوليو 1856، كانت السماء تتشقّق بالبرق والرعد يعلن ولادة شيء غير عادي في قرية سميلجان الصغيرة، وُلد نيكولا تسلا، طفل لم يكن عاديًا؛ عيناه ترى ما لا يراه أحد، وشرارة الإبداع بداخله تنتظر أن تُشعل العالم.
قالت القابلة: "هذا طفل العاصفة…"، لكن أمه نظرت إليه وقالت: "لا… هذا طفل النور"، كلمات ستصبح وصفًا دقيقًا لحياته كلها.
كبر في بيت يجمع بين الانضباط الديني والذكاء العملي؛ والده قسيس صارم، وأمه عبقرية صامتة تعلمه أن العقل يمكن أن يخلق المعجزات. لكن الصدمة جاءت مبكرًا، مع وفاة أخيه الأكبر دانيال بحادث حصان، فصار الطفل الوحيد الذي يحمل كل آمال العائلة، ومع ذلك بدأ يظهر قدراته الغريبة؛ ومضات ضوء وصور حية، وقدرة على تخيل الآلات كاملة في ذهنه قبل لمسها.
دخل الجامعة في غراتس بعمر التاسعة عشرة، حيث أصبح كل محاضرة رحلة في المستقبل، وكل معادلة خريطة سرية للكون، لكنه دفع ثمن هذه العبقرية: انعزال، إرهاق، صداع، وأحلام مزعجة تقاطعه من النوم. حتى التجربة القصيرة للقمار انتهت فورًا بإرادة صلبة، مركزًا على العقل والابتكار.
في بودابست، أثناء نزهة، رأى المحرك الحثّي كاملًا في ذهنه، كل سلك، كل ملف، كل حركة للتيار، ركع ورسم الفكرة على التراب، لحظة الإلهام التي ستغير العالم. لكنه أدرك أن الطريق لن يكون سهلاً، وأنه سيواجه مقاومة وغدر من أقرب الناس إليه.
عند وصوله نيويورك، عمل مع توماس إديسون، الذي وعده بمكافأة مقابل تطوير نظام التيار المستمر، لكنه لم يفِ بوعده، وشعر تسلا بالخيانة لأول مرة على نطاق واسع، لكن بدلاً من الانهيار ركّز وقرر أن طريقه سيُبنى على عبقريته فقط. استقال وبدأ العمل وحده، يحفر الخنادق ويصنع أفكارًا بلا توقف، بينما يستهزئ الناس به، لكنه كان يعرف أن عقله يتقدم على الزمن.
التقى جورج وستنغهاوس وبدأ العمل على التيار المتردد، لكن إديسون شن حملات دعائية لتخويف الناس، يصعق الحيوانات علنًا لإظهار خطورة التيار المتردد، وكأن العالم كله ضد فكرة عبقرية واحدة. ومع ذلك، أضاء معرض شيكاغو عام 1893، ومشروع شلالات نياجرا، مثبتًا أن أفكاره واقع يمكن تطبيقه، رغم كل الغدر والخيانة من المستثمرين الذين أرادوا أرباحًا سريعة فقط.
لاحقًا، حلم بما يفوق الكهرباء: نقل الطاقة لاسلكيًا، اتصالات عالمية، التحكم عن بعد، وبناء برج واردنكليف. لكن المستثمرين لم يفهموا رؤيته، وعندما علموا أنه يريد طاقة مجانية للعالم، سحبوا التمويل، وكان الغدر والخيانة المادية شعورًا جديدًا يعانقه دائمًا.
مع مرور الوقت، فقد الدعم المالي والشهرة، وسُرقت بعض أفكاره أو نُسبت لآخرين مثل ماركوني، حتى المحكمة اعترفت لاحقًا بعد موته بأسبقيته. عاش سنواته الأخيرة وحيدًا في فنادق نيويورك، مع الحمام الذي يطعمه يوميًا وكتبه وأفكاره التي لم يتوقف عن توسيعها. لم يتزوج قط، ولم يكن المال يهمه، كل شيء كان العقل والرؤية، رغم كل الغدر والصعوبات.
في 7 يناير 1943، وُجد ميتًا في غرفته، بلا احتفال، بلا مال، بلا جمهور، لكنه مات وهو يحمل كل حلمه، كل اختراعه، كل رؤيته التي سبقت عصره بعقود. إرثه بقي: وحدة قياس المجال المغناطيسي باسمه، كل شبكة كهرباء حديثة تعمل بالتيار المتردد، وكل فكرة اتصالات لاسلكية كانت له.
تسلا تعرض للخذلان، الغدر، والخيانة، لكنه لم ينهار. كل صدمة، كل ألم، كل خيانة كانت شرارة لعقله، قوة لصموده، دافعًا لتحقيق ما لم يحققه المال أو السلطة. الطفل الذي وُلد في ليلة الرعد عاش صامدًا، وأضاء العالم بالنور قبل أن يفهمه أحد.
الدرس واضح: ليس المهم أن يفهمك العالم، المهم أن تثق في عقلك ورؤيتك، فالصعوبات تصنع العباقرة، وكل خيانة أو ألم يمكن أن تتحول إلى شرارة تضيء المستقبل.