زلزال "وول ستريت": قصة الكساد الكبير الذي أعاد صياغة اقتصاد العالم
زلزال "وول ستريت": قصة الكساد الكبير الذي أعاد صياغة اقتصاد العالم

1. مقدمة الانحدار: من العشرينيات الواعدة إلى الفخ الاقتصادي
شهدت عشرينيات القرن الماضي طفرة اقتصادية هائلة في الولايات المتحدة، حيث تضاعفت الثروة الوطنية ونشأت ثقافة المضاربة الجماعية في سوق الأسهم بـ "وول ستريت". ومع ذلك، كانت هذه القشرة البراقة تخفي خلفها تراجعاً حقيقياً في الإنتاج وارتفاعاً في البطالة؛ فقد كانت أسعار الأسهم مبالغاً فيها ولا تعكس القوة الشرائية المنخفضة للأجور أو الديون الاستهلاكية المتراكمة. ومع حلول صيف عام 1929، دخل الاقتصاد في ركود معتدل تمثل في تراكم السلع غير المباعة، لكن جنون الأسهم استمر في الصعود نحو مستويات غير منطقية، ممهداً الطريق لارتطام تاريخي.
2. الانهيار الكبير: ذعر أكتوبر والخميس والأسود
في 24 أكتوبر 1929، المعروف بـ "الخميس الأسود"، حدث الانهيار الذي لطالما خشي منه المستثمرون، حيث تم تداول 12.9 مليون سهم في موجة بيع جماعية. وبعد خمسة أيام فقط، جاء "الثلاثاء الأسود" ليشهد تداول 16 مليون سهم، مما جعل ملايين الأسهم بلا قيمة وأفلس المستثمرين الذين اعتمدوا على القروض لشراء الأسهم. تسبب هذا الانهيار في تبخر ثقة المستهلك، مما أجبر المصانع على تسريح العمال وخفض الأجور، ودفع الاقتصاد العالمي تدريجياً نحو الهاوية نتيجة الالتزام بمعيار الذهب الذي نقل العدوى إلى أوروبا وبقية القارات.
3. سنوات الشقاء: جحيم البطالة وتفكك المجتمع
بين عامي 1930 و1933، انحدرت الأوضاع في أمريكا إلى مستويات مأساوية، حيث عجز 6 ملايين شخص عن العثور على عمل وانخفض الإنتاج الصناعي بمقدار النصف. انتشرت خطوط الخبز ومطابخ الحساء والمشردون في المدن، بينما تسبب الجفاف الشديد في السهول الجنوبية (ما عرف بـ "قصعة الغبار") في تدمير المحاصيل وقتل الماشية، مما أدى إلى نزوح جماعي للمزارعين. لقد كانت مفارقة مؤلمة؛ حيث تُرك المحصول ليتعفن في الحقول في وقت كان الجوع يفتك بالناس في المدن، بينما كانت السلطات تحاول يائسة تدارك الموقف.
4. الذعر المصرفي: انهيار الثقة وتصدع النظام المالي
شهد خريف عام 1930 الموجة الأولى من أربع موجات ذعر مصرفي، حيث فقد المودعون ثقتهم في البنوك وطالبوا بودائعهم النقدية بشكل جماعي. هذا السلوك الإجباري دفع البنوك لتصفية القروض وتجميد الائتمان، مما أدى في النهاية إلى إغلاق آلاف البنوك بحلول عام 1933. ورغم محاولات إدارة "هوفر" تقديم قروض حكومية لإنقاذ المؤسسات المالية المتعثرة على أمل أن تعيد تشغيل الشركات وتوظيف العمال، إلا أن الأزمة كانت أعمق من الحلول التقليدية، وظلت البلاد غارقة في انكماش اقتصادي غير مسبوق.
5. فجر الإنقاذ: "الصفقة الجديدة" وإعادة بناء الدولة
بدأ التعافي الحقيقي مع برامج "الصفقة الجديدة" التي أطلقت مشاريع كبرى مثل "سلطة وادي تينيسي" لبناء السدود وتوليد الطاقة، وإدارة برنامج العمل المتقدم الذي وظف 8.5 مليون شخص. كانت الولايات المتحدة حينها تفتقر لأي تأمين ضد البطالة، فجاء قانون الضمان الاجتماعي لعام 1935 ليمنح الأمريكيين أول نظام للمعاشات والعجز. بدأ الاقتصاد يتحسن بمعدل نمو 9% سنوياً، ورغم حدوث ركود حاد آخر في عام 1937 نتيجة قرارات الاحتياطي الفيدرالي، إلا أن هذه البرامج وضعت الأساس للضمان الاجتماعي الحديث.
6. الخاتمة والآثار العالمية: من الركود إلى طبول الحرب
لم تكن آثار الكساد الكبير اقتصادية فحسب، بل كانت محركاً سياسياً عنيفاً أدى إلى صعود الحركات المتطرفة في أوروبا، وعلى رأسها النازية في ألمانيا. ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939، تحول التركيز الأمريكي نحو تعزيز البنية التحتية العسكرية، وهو ما ساهم في القضاء النهائي على البطالة وتحويل الاقتصاد نحو الإنتاج الحربي. لقد ترك الكساد الكبير دروساً قاسية للبشرية حول مخاطر المضاربة غير المنضبطة، وأهمية دور الدولة في حماية الأمن الاجتماعي والمالي لمواطنيها.