"بطرس الأكبر: مؤسس روسيا الحديثة وإصلاحاتها الشاملة"
بطرس الأكبر: مؤسس روسيا الحديثة

مقدمة
بطرس الأكبر، المعروف أيضًا باسم بطرس الأول، هو واحد من أعظم حكام روسيا وأكثرهم تأثيرًا في تاريخها. وُلد في 9 يونيو 1672 في موسكو، وتوفي في 8 فبراير 1725. حكم روسيا من عام 1682 وحتى وفاته، وشهدت البلاد خلال فترة حكمه تحولات جذرية في جميع المجالات: العسكرية، الإدارية، الاقتصادية، والاجتماعية. يُعرف بطرس الأكبر بكونه مهندس تحديث روسيا، إذ سعى إلى جعلها قوة عظمى أوروبية من خلال الإصلاح الشامل والتحديث المستمر.
النشأة والبداية السياسية
ولد بطرس في أسرة رومانوف، وكان أصغر أبناء القيصر ألكسيس ميخايلوفتش. منذ صغره أبدى اهتمامًا شديدًا بالعلوم والآلات، وتأثر بالخبرات الغربية.
في عام 1682، تولى الحكم رسميًا بعد صراعات سياسية داخلية بين عائلته وخصومها في البلاط الروسي، بمشاركة أخته صوفيا كحاكمة وصية في البداية.
خلال سنوات حكمه الأولى، بدأ بطرس بالاهتمام بتطوير الجيش البحري والبرمائي، إذ كان يرى أن قوة روسيا المستقبلية تعتمد على الأسطول البحري والقوة العسكرية الحديثة.
الإصلاحات الداخلية
تحديث الإدارة
أدرك بطرس الأكبر أن روسيا بحاجة إلى نظام إداري فعال لتصبح قوة عظمى. فأدخل إصلاحات في الحكومة شملت:
إنشاء مجلس الدولة (Senate) لتسهيل إدارة شؤون الدولة.
تقسيم روسيا إلى محافظات لتقوية السلطة المركزية.
تحديث الضرائب وتحسين الإيرادات لضمان تمويل مشروعاته الضخمة.
تحديث الجيش والبحرية
أسس أول أسطول بحري روسي حديث.
أنشأ أكاديميات لتدريب الضباط على أحدث الأساليب الأوروبية.
استدعى خبراء أجانب لتدريب الجنود وبناء السفن.
الإصلاحات الاجتماعية والثقافية
فرض تقليد الحلاقة والملابس الغربية على النبلاء لتقليل الفوارق مع أوروبا.
شجع على التعليم والعلوم، وأسّس أكاديمية العلوم الروسية.
أرسل بعثات شبابية للدراسة في أوروبا لجلب المعارف والتقنيات الجديدة.
الإصلاح الاقتصادي
دعم الصناعة المحلية وخصوصًا التعدين وصناعة الأسلحة.
شجع التجارة الخارجية وفتح موانئ جديدة على بحر البلطيق.
حارب الاحتكار وعزز دور السوق الحرة في الاقتصاد الروسي.
السياسة الخارجية والحروب
حرب الشمال العظمى (1700–1721)
كانت أهم إنجازاته العسكرية، حيث واجه تحالفًا ضم السويد بقيادة الملك كارل الثاني عشر.
نجح بطرس في الحصول على منافذ بحرية على بحر البلطيق، وهو ما أسس لمدينة سانت بطرسبرغ كعاصمة جديدة.
نقل القوة الروسية من دولة معزولة إلى قوة أوروبية مؤثرة.
التوسع في الجنوب
خاض حروبًا ضد الدولة العثمانية وخانية القرم لتأمين حدود روسيا الجنوبية.
سيطر على أراضي استراتيجية، مما عزز الأمن الداخلي وتوسيع النفوذ الروسي.
بناء سانت بطرسبرغ
أحد أهم إنجازاته كان تأسيس مدينة سانت بطرسبرغ عام 1703 على ساحل بحر البلطيق، لتكون نافذة روسيا إلى أوروبا الغربية.
صُممت المدينة على الطراز الأوروبي.
تحولت إلى مركز سياسي وثقافي، وأصبحت العاصمة عام 1712.
كانت رمزًا لتوجهاته الأوروبية ورغبته في تحديث روسيا.
الإرث والتأثير
ترك بطرس الأكبر إرثًا هائلًا:
روسيا الحديثة، قوية عسكريًا ومؤسسيًا.
أسس تعليمًا وعلميًا متطورًا.
أدخل نمط حياة أوروبي وأسس الدولة الحديثة التي ستستمر حتى القرن العشرين.
أصبح شخصية محورية في السياسة الأوروبية، وتمت دراسة حكمه كقوة إصلاحية حاسمة.
خاتمة
يُعد بطرس الأكبر أحد أعظم الحكام في التاريخ الروسي، ليس فقط لنجاحاته العسكرية والسياسية، ولكن لقدرته على تغيير البنية الاجتماعية والثقافية لروسيا بالكامل. بفضل رؤيته وإرادته الحديدية، خرجت روسيا من العزلة وأصبحت دولة حديثة متقدمة تستطيع منافسة القوى الأوروبية العظمى. ورغم صرامته وعنفه في بعض الإصلاحات، يبقى حكمه نقطة تحول حقيقية في تاريخ روسيا، وجسرًا بين الماضي التقليدي وروسيا الحديثة.
المراجع (APA)
Cracraft, J. (2003). The Revolution of Peter the Great. Harvard University Press.
Frost, R. I. (2000). The Northern Wars: War, State and Society in Northeastern Europe 1558–1721. Longman.
Hughes, L. (2002). Russia in the Age of Peter the Great. Yale University Press.
Massie, R. K. (1980). Peter the Great: His Life and World. Ballantine Books.
Pipes, R. (1990). Russia under the Old Regime. Penguin Books.
Riasanovsky, N. V. (2010). A History of Russia. Oxford University Press.