البرديات في مصر القديمة: سجلّ المعرفة وحافظة الحضارة
البرديات في مصر القديمة: ذاكرة الحضارة المكتوبة

تُعدّ البرديات من أعظم إنجازات الحضارة المصرية القديمة، ليس فقط بوصفها وسيلة للكتابة، بل باعتبارها الوعاء الذي حفظ لنا الفكر والدين والإدارة والعلم والأدب عبر آلاف السنين. فبفضل البردي، لم تبقِ مصر القديمة حضارة صامتة من حجارة المعابد والمقابر، بل تحولت إلى حضارة ناطقة بلغتها ونصوصها وأفكارها.
أولًا: ما هو البردي؟
البردي هو مادة للكتابة صُنعت من نبات البردي (Cyperus papyrus) الذي كان ينمو بكثافة على ضفاف نهر النيل، خاصة في دلتا مصر. استُخدم هذا النبات منذ أواخر الألف الرابع قبل الميلاد في صناعة أوراق تُعدّ أقدم أشكال “الكتب” في التاريخ الإنساني.
وقد أطلق المصريون القدماء على البردي اسم “وج” أو “وادج”، وكان يُعدّ موردًا استراتيجيًا للدولة، يخضع للرقابة الملكية في بعض العصور.
ثانيًا: صناعة ورق البردي
كانت عملية صناعة البردي دقيقة ومنظمة، وتعكس معرفة تقنية متقدمة، ويمكن تلخيصها في الخطوات الآتية:
قطع سيقان النبات إلى أطوال مناسبة.
إزالة القشرة الخارجية الصلبة.
تقطيع اللب الداخلي إلى شرائح رفيعة طولية.
ترتيب الشرائح في طبقتين متعامدتين (أفقية ورأسية).
ضغط الشرائح وترطيبها حتى تلتحم بفعل العصارة الطبيعية.
تجفيف السطح وصقله للحصول على ورقة ناعمة صالحة للكتابة.
ثم تُلصق الأوراق ببعضها لتكوين لفائف (scrolls) قد يصل طولها أحيانًا إلى عشرات الأمتار.
ثالثًا: أدوات الكتابة على البردي
استخدم الكتبة المصريون أدوات بسيطة لكنها فعالة، منها:
القلم: مصنوع من سيقان البوص المشذبة.
الحبر الأسود: من الكربون (السناج) ممزوج بالصمغ.
الحبر الأحمر: من أكسيد الحديد، استُخدم للعناوين والتنبيهات.
وكان الكاتب يجلس غالبًا في وضع القرفصاء، واضعًا لفافة البردي على ركبتيه، في صورة أصبحت أيقونية في الفن المصري القديم.
رابعًا: أنواع النصوص المدونة على البرديات
تكشف لنا البرديات عن تنوّع مذهل في مجالات المعرفة والحياة اليومية، ومن أبرز أنواعها:
1. البرديات الدينية
وهي الأشهر، مثل:
برديات كتاب الموتى
نصوص التعاويذ والصلوات الجنائزية
نصوص الطقوس والمعابد
وكان الهدف منها ضمان الخلود وحماية المتوفى في العالم الآخر.
2. البرديات الإدارية والاقتصادية
وتشمل:
سجلات الضرائب
كشوف العمال
عقود البيع والزواج
المراسلات الرسمية
وتُظهر هذه النصوص مدى تعقيد الجهاز الإداري للدولة المصرية.
3. البرديات الأدبية
وتضم:
القصص والحكايات (مثل قصة سنوحي)
الحكم والنصائح
الأشعار
وهي دليل على وجود ذائقة أدبية ووعي إنساني متقدم.
4. البرديات العلمية
ومنها:
البرديات الطبية مثل بردية إدوين سميث وإيبرس
برديات الرياضيات والفلك
وتكشف عن معرفة علمية عملية بعيدة عن الخرافة في كثير من جوانبها.
خامسًا: دور الكتبة في حفظ البرديات
كان الكاتب من أهم أعمدة المجتمع المصري القديم. فالقدرة على القراءة والكتابة كانت حكرًا على نخبة متعلمة، ما منح الكتبة مكانة اجتماعية مرموقة. وقد صوّرت النصوص المصرية مهنة الكاتب باعتبارها أرقى من الأعمال اليدوية، لأنها “لا تُتعب الجسد وتخلّد الاسم”.
سادسًا: حفظ البرديات وبقاؤها عبر الزمن
رغم هشاشة مادة البردي، فإن آلاف البرديات وصلت إلينا بفضل:
المناخ الجاف لمصر
دفنها في المقابر أو تخزينها في أماكن مغلقة
عدم تعرضها للرطوبة
ومع ذلك، فإن ما وصلنا لا يمثل إلا جزءًا ضئيلًا مما كُتب بالفعل.
سابعًا: البردي وتأثيره خارج مصر
لم يقتصر استخدام البردي على مصر وحدها، بل أصبح سلعة تصديرية مهمة إلى:
اليونان
روما
الشرق الأدنى
واعتمدت عليه مكتبات كبرى مثل مكتبة الإسكندرية. بل إن كلمة Paper الإنجليزية تعود في أصلها اللغوي إلى كلمة Papyrus.
خاتمة
تمثل البرديات في مصر القديمة ذاكرة الحضارة المصرية وصوتها المكتوب عبر العصور. فمن خلالها نعرف كيف فكر المصري القديم، وكيف عبد آلهته، وكيف نظم دولته، وعالج أمراضه، ودوّن آماله ومخاوفه. إنها ليست مجرد أوراق بالية، بل شواهد حية على واحدة من أعظم الحضارات الإنسانية.
وإذا كانت المعابد والأهرامات قد خلدت جسد الحضارة، فإن البرديات خلدت عقلها وروحها.