برج لندن: قلعة الدم والتاج في قلب التاريخ البريطاني

برج لندن: قلعة الدم والتاج في قلب التاريخ البريطاني

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

برج لندن

image about برج لندن: قلعة الدم والتاج في قلب التاريخ البريطاني

 ليس مجرد قلعة حجرية تطل على نهر التايمز، بل سجلّ حيّ لتاريخ إنجلترا بكل ما فيه من سلطةٍ ودمٍ وأسرار. على مدار ما يقرب من ألف عام، تعاقبت على هذا الصرح أدوار متعددة: حصنٌ دفاعي، قصرٌ ملكي، سجنٌ سياسي، دارُ إعدام، خزينة للتاج، ومستودعٌ لرموز السيادة البريطانية. وفي كل حجر من حجارته حكاية، وفي كل ممرٍّ صدى لخطى ملوكٍ وسجناء على حدّ سواء.


النشأة والبدايات النورمانية

image about برج لندن: قلعة الدم والتاج في قلب التاريخ البريطاني

يعود تأسيس برج لندن إلى عام 1066، حين انتصر ويليام الفاتح في معركة هاستينغز، وأراد تثبيت حكمه على مدينة لندن التي كانت لا تزال تنظر بعين الريبة إلى الفاتحين النورمان. فشرع في بناء حصنٍ ضخم يفرض الهيبة ويؤمّن السيطرة. قلب هذا المشروع كان البرج الأبيض (White Tower)، الذي اكتمل بناؤه في أواخر القرن الحادي عشر، وبُني من حجر الكان القادم من نورماندي، ليكون رمزًا للسلطة الجديدة ولتفوّق العمارة العسكرية النورمانية.


من قلعةٍ إلى مجمّعٍ ملكي

مع تعاقب القرون، لم يبقَ البرج مبنى واحدًا، بل تحوّل إلى مجمّعٍ حصين يضم أسوارًا متتابعة وأبراجًا إضافية، أضافها ملوك مثل هنري الثالث وإدوارد الأول. أُنشئت خنادق مائية، وعُزّزت الدفاعات، وأُضيفت مبانٍ سكنية جعلت المكان صالحًا للإقامة الملكية المؤقتة. وهكذا صار برج لندن قلعةً متكاملة، تمزج بين الوظيفة العسكرية والبذخ الملكي.


السجن الأشهر في تاريخ إنجلترا

رغم أن البرج لم يُبنَ أساسًا كسجن، فإن شهرته الكبرى ارتبطت بهذا الدور. فقد احتُجز بين جدرانه نبلاء، وأمراء، ورجال دين، ومفكرون، اتُّهموا بالخيانة أو الوقوف في وجه السلطة. من أبرزهم:

آن بولين، زوجة هنري الثامن، التي أُعدمت عام 1536.

توماس مور، المفكر الإنساني الشهير.

الأميرة إليزابيث (التي أصبحت لاحقًا الملكة إليزابيث الأولى)، وسُجنت لفترة وجيزة في عهد أختها ماري الأولى.

كان السجن في البرج متفاوت القسوة؛ فبينما عاش بعض النبلاء في ظروف شبه مريحة، عانى آخرون الزنازين الباردة والتعذيب النفسي، بل والجسدي أحيانًا.


الإعدامات: الدم على عشب البرج

رغم أن معظم الإعدامات نُفّذت خارج الأسوار، فإن البرج شهد داخله إعدامات قليلة لكنها بالغة الرمزية. كان Tower Green مسرحًا لإعدام شخصيات رفيعة المقام، حفاظًا على “كرامتهم” بعيدًا عن العامة. هذه الإعدامات جعلت البرج رمزًا للبطش الملكي وتقلبات السياسة، حيث قد يتحوّل القرب من العرش إلى طريقٍ للموت.


جواهر التاج: الخزينة المقدسة

image about برج لندن: قلعة الدم والتاج في قلب التاريخ البريطاني

 

من أكثر أدوار البرج شهرة اليوم احتضانه لجواهر التاج البريطاني. داخل قاعة محصّنة، تُعرض التيجان، والتيجان الاحتفالية، والصولجانات، والسيوف المرصّعة بالأحجار الكريمة. هذه الجواهر ليست مجرد زينة، بل أدوات طقسية تُستخدم في مراسم تتويج الملوك، وعلى رأسها تاج القديس إدوارد، الذي يُعد أقدس رموز الملكية البريطانية.


الغربان والأسطورة

تحيط ببرج لندن أسطورة غريبة مفادها أن سقوط المملكة سيحدث إذا غادرت الغربان البرج. ولهذا السبب، يُحتفظ دائمًا بعدد من الغربان داخله، ويُشرف على رعايتها حارس خاص يُعرف باسم Ravenmaster. قد تبدو القصة خرافية، لكنها تكشف كيف امتزج التاريخ بالأسطورة في وجدان المكان.


برج لندن في العصر الحديث

اليوم، لم يعد البرج سجنًا ولا قلعة عسكرية، بل متحفًا وموقعًا تراثيًا عالميًا مُدرجًا على قائمة اليونسكو للتراث العالمي. يستقبل ملايين الزوار سنويًا، الذين يتجوّلون بين أبراجه، ويستمعون إلى روايات حراس البرج (Yeoman Warders)، المعروفين شعبيًا باسم “البييفيترز”، بزيّهم التقليدي وحكاياتهم الممزوجة بالفكاهة والرهبة.


دلالة البرج ورمزيته

 

تكمن عظمة برج لندن في كونه مرآةً لتاريخ إنجلترا نفسه:

صعود وسقوط الأسر الحاكمة

الصراع بين العرش والكنيسة

تقلبات العدالة والسلطة

الخوف، والهيبة، والشرعية

فهو مكانٌ تلاقت فيه السياسة بالعقيدة، والعمران بالعنف، والأسطورة بالواقع.


خاتمة

برج لندن ليس أثرًا جامدًا من الماضي، بل كيان حيّ يختزن قرونًا من الذاكرة البريطانية. كل من يزوره لا يشاهد حجارة فحسب، بل يدخل في حوارٍ مع التاريخ، يسمع فيه صدى صلوات السجناء، وقرقعة السيوف، وهمس المؤامرات. ومن هنا، يظل البرج شاهدًا على أن التاريخ، مهما بدا بعيدًا، لا يزال حاضرًا بيننا، متجسدًا في مكانٍ واحد جمع المجد والمأساة تحت سماء لندن.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
المقالات

206

متابعهم

70

متابعهم

191

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.