كنت على وشك الاستسلام

كنت على وشك الاستسلام

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

كنت على وشك الاستسلام.

 

لم أكن طالبة فاشلة، ولا متفوقة يضرب بها المثل. كنت دائمًا في المنتصف، تلك المنطقة الرمادية التي لا يلاحظها أحد. أذهب إلى المدرسة كل صباح، أحمل حقيبتي الثقيلة، وأشعر أنني أسير بلا هدف واضح. لم أكن أكره الدراسة، لكنني لم أحبها أيضًا، وكنت أشعر أنني أؤدي واجبًا مفروضًا عليّ دون اقتناع.


كنت أجلس أمام كتبي لساعات طويلة. أقرأ الدرس مرة واثنتين، ثم أغلق الكتاب وأنا أشعر بالذنب. الكلمات كانت واضحة، لكن قلبي لم يكن حاضرًا. المقارنات كانت تلاحقني في كل مكان؛ درجات زميلاتي، كلمات المعلمين، ونظرات الناس التي تحمل توقعات لا أستطيع تحقيقها. كنت أشعر أنني متأخرة دائمًا، مهما حاولت.


في المدرسة كنت هادئة أكثر من اللازم. أراقب وأستمع، ونادرًا ما أتكلم. البعض كان يظن أن هدوئي قوة، والبعض الآخر كان يراه ضعفًا وعدم اهتمام. الحقيقة أنني كنت أقاتل داخليًا بصمت، أحاول أن أتماسك رغم الشعور المستمر بأنني لست كافية.


في أحد الأيام، وأنا أخرج من الفصل بعد يوم دراسي مرهق، سمعت همسًا خلفي:
“دي شكلها مش هتكمل.”


لم يكن الكلام مقصودًا لي، لكنه وصلني واضحًا. تجاهلته في اللحظة نفسها، لكنني حملته معي طوال الطريق إلى البيت. كل خطوة كنت أخطوها كانت أثقل من التي قبلها. عندما وصلت، دخلت غرفتي وأغلقت الباب، وجلست وحدي أفكر. لأول مرة شعرت أن الاستسلام خيار قريب، بل ومغري.
بكيت قليلًا، لا لأنني ضعيفة، بل لأنني كنت متعبة. سألت نفسي بصدق: لماذا أستمر؟ ماذا سأخسر لو توقفت؟ لكن سؤالًا آخر ظهر فجأة: وماذا لو كملت؟ ماذا لو أعطيت نفسي فرصة أخيرة؟


لم يكن هناك قرار بطولي، ولا لحظة إلهام عظيمة. فقط شعور بسيط بأنني لا أريد أن أخيب ظن نفسي. فتحت كراستي، وبدأت بخطوات صغيرة جدًا. صفحة واحدة فقط، دون ضغط، دون توقعات. في اليوم التالي، صفحة أخرى. لم أكن أذاكر كثيرًا، لكنني كنت أعود كل مرة.


مرت الأيام ببطء، لكن شيئًا ما تغيّر. لم أعد أخاف من الكتب كما كنت. بدأت أفهم بعض الدروس، وأشعر براحة صغيرة عند إنجاز أي شيء، مهما كان بسيطًا. تعلمت أن الاستمرار أهم من الحماس، وأن القليل المنتظم أفضل من الكثير المتقطع.


مع الوقت، تغيّرت نظرتي لنفسي. لم أعد أصدق كل ما يُقال عني، ولم أعد أقارن نفسي بالآخرين. صرت أركز فقط على تقدمي، ولو كان بطيئًا. هذا وحده منحني شعورًا بالسلام.


جاء وقت الامتحانات، وكنت متوترة، لكنني لم أكن خائفة كما قبل. دخلت وأنا أعلم أنني فعلت ما أستطيع. خرجت دون ندم، وهذا كان إنجازًا لم أدرك قيمته إلا لاحقًا. وعندما ظهرت النتيجة، لم أحقق أعلى الدرجات، ولم أكن الأولى، لكنني ابتسمت.


ابتسمت لأنني لم أستسلم عندما كان الاستسلام أسهل.
لأنني اخترت الاستمرار رغم التعب والشك.
وتعلمت أن النجاح أحيانًا لا يكون في الوصول سريعًا،
بل في عدم التوقف عن السير.

image about كنت على وشك الاستسلام
التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
المقالات

1

متابعهم

1

متابعهم

0

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.