بين لحظة و نبضة

بين لحظة و نبضة

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

بين لحظة و نبضة

“بعض الحكايات لا تبدأ بكلمات… بل تبدأ بلحظة تسرق القلب، ثم تتحول إلى نبضة لا تُنسى.” 

 

كان كريم شابًا يميل إلى الهدوء أكثر من الاختلاط بالناس. لم يكن انطوائيًا تمامًا، لكنه كان يفضل مراقبة العالم من حوله بدل أن يكون في مركزه. كان يجد راحته في الاستماع للموسيقى والجلوس في الأماكن المفتوحة، خاصة الحديقة الصغيرة القريبة من مدرسته، حيث اعتاد الجلوس على مقعد خشبي قديم يطل على ممر طويل تحيطه الأشجار.

في أحد أيام الشتاء، جلس كريم كعادته يرتدي معطفه الأزرق، واضعًا سماعاته في أذنيه، يحاول الهروب من برودة الجو وصخب الأفكار داخل رأسه. وبينما كان ينظر إلى المارة بلا اهتمام، لفت انتباهه صوت ضحكة خفيفة جاءت من بعيد. رفع عينيه دون تفكير، ليجد فتاة تقف بالقرب من الأشجار، تحاول أن تلتقط لها صديقتها صورة، لكنها كانت تضحك كل مرة قبل أن تلتقط الصورة.

كانت تلك الفتاة تُدعى ليلى.

لم تكن ليلى مختلفة بشكل لافت، لكنها كانت تحمل ملامح هادئة وعينين مليئتين بالحياة. شعر كريم بشيء غريب عندما رآها، وكأن اللحظة توقفت قليلًا قبل أن تعود للحركة من جديد.

مرّت الأيام، وأصبح يراها كثيرًا في نفس المكان. أحيانًا كانت تجلس تقرأ كتابًا، وأحيانًا كانت تخرج دفترًا صغيرًا وترسم فيه بهدوء. لم يكن يعرف ماذا ترسم، لكنه كان يلاحظ تركيزها الشديد، وكأنها تنقل شيئًا من العالم إلى أوراقها.

ظل كريم يراقبها من بعيد حتى جاء اليوم الذي سقط فيه دفترها أثناء مغادرتها المكان دون أن تنتبه. نظر حوله بتردد، ثم التقط الدفتر وسار خلفها بخطوات سريعة.

قال بصوت خافت:
"معلش… الدفتر ده وقع منك."

توقفت ليلى والتفتت إليه، ثم ابتسمت ابتسامة بسيطة وهي تأخذ الدفتر.
قالت: "شكرًا جدًا… الدفتر ده مهم بالنسبة لي."

اكتفى كريم بابتسامة صغيرة، لكنه شعر أن تلك الكلمات البسيطة فتحت بابًا لم يكن يتوقعه.

في الأيام التالية، أصبح الحديث بينهما يبدأ بالصدفة ثم يتحول إلى عادة. عرف كريم أن ليلى تحب الرسم لأنها تشعر أنه يساعدها على الاحتفاظ باللحظات الجميلة. بينما أخبرها هو أنه يجد في الموسيقى ملجأً من الضغوط والأفكار الكثيرة.

صار المقعد الخشبي مكانًا يجمعهما يوميًا تقريبًا. تحدثا عن الدراسة، وعن أحلام كل منهما في المستقبل، وعن مخاوفهما الصغيرة التي لم يعتادا مشاركتها مع الآخرين. ومع مرور الوقت، بدأ كريم يشعر أن وجود ليلى جعل الأيام تبدو أخف، وأن الحديث معها أصبح جزءًا من يومه لا يكتمل بدونه.

وفي أحد الأيام، جاء كريم إلى الحديقة ولم يجد ليلى. ظن في البداية أنها تأخرت، لكنه ظل ينتظر طويلًا دون أن تظهر. مرّ اليوم التالي أيضًا دون أن يراها، وبدأ القلق يتسلل إلى قلبه دون أن يفهم السبب.

بعد يومين، عاد إلى المكان نفسه، ليجدها جالسة على المقعد، تنظر إلى دفترها بصمت. اقترب منها بسرعة وقال بلهجة امتزج فيها القلق بالراحة:
"كنتِ فين؟ اختفيتي فجأة."

نظرت إليه ليلى للحظة، ثم قالت بهدوء:
"كنت محتاجة وقت أفكر… وأعرف لو غبت، حد هيلاحظ ولا لأ."

سكت كريم قليلًا، ثم قال بصوت صادق:
"أنا لاحظت… وكنت مستنيكي."

ابتسمت ليلى، وكانت تلك الابتسامة مختلفة عن كل ابتساماتها السابقة. كانت أعمق، وكأنها تحمل اطمئنانًا لم تكن تبحث عنه فقط، بل وجدته دون أن تدرك.

جلسا سويًا في صمت مريح، يتأملان الممر الطويل أمامهما، بينما كانت أوراق الأشجار تتساقط ببطء حولهما. في تلك اللحظة، أدرك كريم أن بعض العلاقات لا تبدأ بكلمات كبيرة أو وعود طويلة، بل تبدأ بلحظة بسيطة تتحول مع الوقت إلى نبضة قلب يصعب تجاهلها.

أما ليلى، فقد أدركت أن هناك أشخاصًا يدخلون حياتنا بهدوء، لكنهم يتركون أثرًا يجعلنا نرى العالم بطريقة أجمل مما كان عليه من قبل.

ومنذ ذلك اليوم، أصبح المقعد الخشبي شاهدًا على بداية حكاية لم يعرف أي منهما إلى أين ستصل، لكنه كان يعلم أنها بدأت في اللحظة التي التقت فيها نظراتهما لأول مرة.


 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mohamed تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

1

متابعهم

1

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.