أبو مسلم الخراساني: رجل الدولة العباسية وصانع التحول التاريخي

أبو مسلم الخراساني: رجل الدولة العباسية وصانع التحول التاريخي

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

أبو مسلم الخراساني: رجل الدولة العباسية وصانع التحول التاريخي

image about أبو مسلم الخراساني: رجل الدولة العباسية وصانع التحول التاريخي

 

يُعَدّ أبو مسلم الخراساني أحد أكثر الشخصيات إثارةً للجدل في التاريخ الإسلامي الوسيط؛ إذ ارتبط اسمه بالثورة العباسية التي أطاحت بالدولة الأموية، وفتحت صفحة جديدة في تاريخ الخلافة. لم يكن مجرد قائد عسكري، بل كان رجل تنظيمٍ ودعوةٍ وسياسة، استطاع أن يحوّل التذمر الاجتماعي في خراسان إلى مشروعٍ ثوري منظم، وأن يؤسس لمرحلة سياسية جديدة انتهت بقيام الدولة العباسية سنة 132هـ / 750م.


أولًا: النشأة والغموض حول الأصل

image about أبو مسلم الخراساني: رجل الدولة العباسية وصانع التحول التاريخي

يكتنف الغموض أصل أبي مسلم واسمه الحقيقي؛ فبعض المصادر تسميه "عبد الرحمن بن مسلم"، بينما تشير أخرى إلى أصول فارسية أو عربية مختلطة. وُلد في خراسان – الإقليم الشرقي من الدولة الأموية – ونشأ في بيئة مضطربة سياسيًا واجتماعيًا.

كانت خراسان آنذاك مسرحًا لصراع قبلي بين القيسية واليمنية، إضافة إلى التوتر بين العرب والموالي (المسلمين من غير العرب)، الذين شعروا بالتهميش في ظل الإدارة الأموية. في هذا المناخ المضطرب تبلورت شخصية أبي مسلم، واكتسب مهارات التنظيم والاتصال، قبل أن يُستقطَب إلى الدعوة العباسية السرية.


ثانيًا: خراسان بوابة الثورة

image about أبو مسلم الخراساني: رجل الدولة العباسية وصانع التحول التاريخي

ارتبط أبو مسلم مبكرًا بدعاة آل العباس الذين كانوا يعملون سرًا ضد بني أمية. وقد اختار قادة الدعوة خراسان مركزًا لتحركهم، لبعدها عن العاصمة الأموية في دمشق، ولوجود قاعدة واسعة من الساخطين.

في سنة 129هـ تقريبًا، أُرسل أبو مسلم إلى خراسان ممثلًا للدعوة العباسية. هناك أظهر قدرات استثنائية في التنظيم والحشد، فرفع الرايات السود – التي أصبحت شعار الثورة – وجمع حوله أنصارًا من مختلف الأعراق والقبائل.

استطاع خلال سنوات قليلة أن يسيطر على مدن الإقليم، وأن يهزم الولاة الأمويين، حتى أصبحت خراسان قاعدة عسكرية صلبة للثورة. ومن مدينة مرو – عاصمة الإقليم – انطلقت الجيوش التي زحفت غربًا نحو العراق.


ثالثًا: إسقاط الدولة الأموية

بلغت الثورة ذروتها في معركة الزاب الكبرى سنة 132هـ، حيث انهزم الخليفة الأموي الأخير مروان بن محمد أمام القوات العباسية بقيادة عبد الله بن علي، أحد أعمام الخليفة الجديد.

أُعلنت الخلافة للعباسيين في الكوفة، وتولى أبو العباس السفاح الحكم. وكان أبو مسلم الخراساني يُعدّ الرجل الأقوى ميدانيًا، إذ إن نجاح الثورة اعتمد بدرجة كبيرة على تنظيمه وقواته الخراسانية.

لقد كان سقوط بني أمية نتيجة عوامل متعددة، لكن الدور العسكري والسياسي لأبي مسلم كان محوريًا في تحويل الدعوة العباسية من فكرة سرية إلى دولة قائمة.


رابعًا: بين الولاء والقلق السياسي

بعد قيام الدولة العباسية، بقي أبو مسلم واليًا على خراسان، محتفظًا بسلطة واسعة ونفوذ شعبي كبير. غير أن هذا النفوذ أثار قلق الخليفة الثاني أبو جعفر المنصور، الذي كان يسعى إلى تركيز السلطة في يده.

أدرك المنصور أن وجود قائد عسكري يتمتع بشعبية جارفة في إقليم بعيد قد يشكل خطرًا على استقرار الدولة. لذلك استدعاه إلى العراق سنة 137هـ، وهناك قُتل بأمر الخليفة.

كان مقتل أبي مسلم لحظة مفصلية؛ إذ كشف عن طبيعة الصراع بين من يصنع الثورة ومن يرثها، وعن منطق الدولة الذي لا يقبل شركاء في السلطة.


خامسًا: شخصيته بين التاريخ والأسطورة

تحول أبو مسلم بعد مقتله إلى رمزٍ في المخيال الشعبي، خاصة في خراسان وفارس. ظهرت حركات تمرد اتخذت اسمه شعارًا، ونسجت حوله أساطير، بل إن بعض الفرق بالغت في تقديسه.

في المقابل، اختلف المؤرخون في تقييمه:

رآه بعضهم بطلاً حرّر الموالي وأسهم في إنهاء التمييز الأموي.

واعتبره آخرون سياسيًا صارمًا لا يتردد في البطش بمعارضيه.

وذهب فريق ثالث إلى أنه كان أداة بيد العباسيين، ثم صار ضحية منطق السلطة.

هذه التباينات تعكس تعقيد شخصيته، وتداخل العوامل الاجتماعية والسياسية في عصره.


سادسًا: قراءة معاصرة للدور التاريخي

من منظور المؤرخ المعاصر، لا يمكن اختزال أبي مسلم في صورة البطل أو الطاغية. لقد كان نتاجًا لمرحلة انتقالية في التاريخ الإسلامي، حيث بدأت ملامح الدولة المركزية تتبلور، وبرزت قوى جديدة من غير العرب في بنية الحكم.

مثّل أبو مسلم التحالف بين الدعوة العباسية والقاعدة الاجتماعية في خراسان. كما جسّد التحول من العصبية القبلية العربية إلى نموذج أكثر شمولًا داخل الدولة الإسلامية. غير أن هذا التحول لم يكن خاليًا من الصراعات؛ فقيام الدولة العباسية لم يُنهِ التوترات، بل أعاد تشكيلها في إطار جديد.


خاتمة

يبقى أبو مسلم الخراساني شخصيةً مفصلية في التاريخ الإسلامي؛ فقد كان صانعًا للثورة، وضحيةً لها في آنٍ واحد. جمع بين الحنكة السياسية والكفاءة العسكرية، وبين الطموح الشخصي والالتزام التنظيمي.

إن دراسة سيرته لا تكشف فقط عن رجلٍ قاد انقلابًا تاريخيًا، بل تفتح نافذة لفهم آليات التحول من الدعوة السرية إلى الدولة، ومن الثورة إلى السلطة، ومن الولاء إلى الصراع.

وفي هذا المعنى، فإن أبا مسلم لم يكن مجرد قائدٍ عابر، بل كان أحد المهندسين الكبار لتحول ميزان القوى في العالم الإسلامي في القرن الثاني الهجري – تحولٍ ما زالت آثاره حاضرة في بنية التاريخ السياسي الإسلامي حتى اليوم.

 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
المقالات

250

متابعهم

73

متابعهم

195

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.