قصة الطبيب الذكي
الطَّبِيبُ الذَّكِيُّ
**بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ**

كَانَ يَا مَا كَانَ فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ وَفِي سَالِفِ العَصْرِ وَالأَوَانِ، وَلَا يَحْلُو الكَلَامُ إِلَّا بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ، وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ الأَنَامِ.
فِي إِحْدَى القُرَى البَعِيدَةِ، وَفِي مَنْزِلٍ صَغِيرٍ، كَانَ يَسْكُنُ شَابٌّ اسْمُهُ أَحْمَدُ مَعَ أُمِّهِ وَأَخِيهِ. وَكَانَ أَحْمَدُ شَابًّا ذَكِيًّا فَطِنًا فِي مُقْتَبَلِ العُمْرِ، فَقَدْ تُوُفِّيَ أَبُوهُ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ. وَحَرَصَتْ وَالِدَتُهُ عَلَى تَرْبِيَتِهِ أَفْضَلَ تَرْبِيَةٍ حَتَّى أَصْبَحَ طَبِيبًا مَاهِرًا مَعْرُوفًا فِي القَرْيَةِ الَّتِي يَسْكُنُهَا.
وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ شُهْرَةِ أَحْمَدَ بِعَمَلِهِ كَطَبِيبٍ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ لَا يَجْنِي الكَثِيرَ مِنَ المَالِ. فَسُكَّانُ القَرْيَةِ أُنَاسٌ بُسَطَاءُ فُقَرَاءُ، يُقَدِّمُونَ الأَطْعِمَةَ المُخْتَلِفَةَ مُقَابِلَ العِلَاجِ. وَكَانَ أَحْمَدُ شَابًّا نَبِيلًا لَا يَقْبَلُ أَخْذَ مُقَابِلٍ مِنَ الفُقَرَاءِ وَاليَتَامَى.
يَذْهَبُ أَحْمَدُ فِي الصَّبَاحِ البَاكِرِ إِلَى عِيَادَتِهِ الصَّغِيرَةِ وَيُعَالِجُ المَرْضَى. وَلَقَدْ بَدَأَ النَّاسُ يَتَوَافَدُونَ إِلَيْهِ مِنَ القُرَى وَالمُدُنِ القَرِيبَةِ، وَأَحْيَانًا يَذْهَبُ إِلَى أَمَاكِنَ بَعِيدَةٍ لِعِلَاجِ الأُمَرَاءِ وَالمُلُوكِ.
وَذَاتَ يَوْمٍ جَاءَ إِلَيْهِ أَحَدُ الأَشْخَاصِ يَطْلُبُ مِنْهُ المُسَاعَدَةَ. وَقَالَ: “أَرْجُوكَ أَيُّهَا الطَّبِيبُ، لَدَيْنَا مَرِيضٌ يَتَأَلَّمُ كَثِيرًا وَلَا نَعْرِفُ سَبَبَ المَرَضِ.”
وَكَانَ هُنَاكَ عَدَدٌ مِنَ الرِّجَالِ المُتَّجِهِينَ إِلَى المَدِينَةِ فِي قَافِلَةٍ تِجَارِيَّةٍ مُحَمَّلَةٍ بِالبَضَائِعِ. فَسَأَلُوا أَحْمَدَ: “هَلْ مِنْ عِلَاجٍ سَرِيعٍ لِتَسْكِينِ الآلَامِ؟ فَيَنْبَغِي أَنْ نَنْطَلِقَ فِي الصَّبَاحِ البَاكِرِ. هَلْ تَسْتَطِيعُ الذَّهَابَ مَعَنَا؟”
قَالَ أَحْمَدُ: “الشِّفَاءُ بِيَدِ اللهِ، سَأَفْعَلُ مَا بِوُسْعِي لِمُسَاعَدَتِهِ.”
اقْتَرَبَ أَحْمَدُ مِنَ المَرِيضِ يَجُسُّ نَبْضَهُ وَأَمْسَكَ بِيَدِهِ. وَكَانَ قَلْبُهُ يَنْبِضُ بِبُطْءٍ، وَالنَّفَسُ يَخْرُجُ بِصُعُوبَةٍ. وَيَبْدُو أَنَّ لَدَيْهِ مَرَضًا فِي صَدْرِهِ.
قَامَ أَحْمَدُ بِخَلْطِ بَعْضِ الأَعْشَابِ وَأَعْطَاهَا لِلْمَرِيضِ. وَقَالَ لَهُ: “يَنْبَغِي أَنْ تَرْتَاحَ لِفَتْرَةٍ مِنَ الزَّمَنِ، فَمَرَضُكَ خَطِيرٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يَتَسَبَّبَ بِهَلَاكِكَ لَا سَمَحَ اللهُ إِنْ تَحَرَّكْتَ.”
جَلَسَ أَحْمَدُ بِجَانِبِ المَرِيضِ يُرَاقِبُ نَبْضَهُ حَتَّى طُلُوعِ الفَجْرِ. وَهُنَا بَدَأَتْ تَتَحَسَّنُ حَالَةُ المَرِيضِ وَاسْتَعَادَ وَعْيَهُ وَاسْتَطَاعَ الوُقُوفَ.
حَمِدَ اللهَ عَلَى العَافِيَةِ وَشَكَرَ أَحْمَدَ عَلَى مُسَاعَدَتِهِ، وَأَعْطَاهُ هَدِيَّةً مِنَ البَضَائِعِ الَّتِي يَحْمِلُهَا، كَمَا أَعْطَاهُ مَبْلَغًا مِنَ المَالِ مُقَابِلَ العِلَاجِ.
ثُمَّ انْطَلَقَتِ القَافِلَةُ التِّجَارِيَّةُ تَشُقُّ طَرِيقَهَا. وَعَادَ أَحْمَدُ إِلَى المَنْزِلِ. لَقَدْ كَانَ عِلَاجُ هَذَا المَرِيضِ المُسَافِرِ قَدْ فَتَحَ أَبْوَابًا جَدِيدَةً لِأَحْمَدَ الطَّبِيبِ، فَقَدْ تَحَدَّثَتِ القَافِلَةُ عَنْ أَحْمَدَ وَخِبْرَتِهِ. وَازْدَادَتْ شُهْرَةُ أَحْمَدَ بَيْنَ النَّاسِ، وَعُرِفَ بِكَرَمِ أَخْلَاقِهِ وَذَكَائِهِ.
وَذَاتَ يَوْمٍ، كَانَ أَحْمَدُ عَائِدًا إِلَى مَنْزِلِهِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ يَحْمِلُ الأَعْشَابَ الطِّبِّيَّةَ وَالحَقِيبَةَ. لَكِنَّهُ تَأَخَّرَ فِي الطَّرِيقِ حَتَّى مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ.
وَبَيْنَمَا كَانَ يَسِيرُ فِي مَكَانٍ خَالٍ مِنَ النَّاسِ، سَمِعَ صَوْتًا يُنَادِيهِ وَيَقُولُ: “أَيُّهَا الطَّبِيبُ! أَيُّهَا الطَّبِيبُ!”
الْتَفَتَ أَحْمَدُ فَوَجَدَ شَخْصًا غَرِيبًا يُنَادِيهِ. اسْتَغْرَبَ مِنْ مَلَابِسِهِ الَّتِي تُشْبِهُ المَلَابِسَ القَدِيمَةَ قَبْلَ سِنِينَ طَوِيلَةٍ، فَقَدْ كَانَتْ مُزَرْكَشَةً وَمُزَخْرَفَةً بِأَلْوَانٍ مُتَنَاسِقَةٍ.
قَالَ أَحْمَدُ: “مَاذَا تُرِيدُ؟”
قَالَ الرَّجُلُ: “لَقَدْ بَحَثْتُ عَنْكَ كَثِيرًا أَيُّهَا الطَّبِيبُ. وَقَدْ سَمِعْتُ أَنَّكَ طَبِيبٌ مَاهِرٌ بِعَمَلِكَ، طَيِّبُ القَلْبِ. وَأَنَا بِحَاجَةٍ لِمُسَاعَدَتِكَ.”
قَالَ أَحْمَدُ: “مَا حَاجَتُكَ؟ أَخْبِرْنِي.”
أَجَابَهُ الشَّابُ: “لَدَيَّ شَخْصٌ مَرِيضٌ فِي المَنْزِلِ لَا يَسْتَطِيعُ الحَرَكَةَ وَلَا الوُقُوفَ. وَقَدْ جَاءَ لِمُعَالَجَتِهَا جَمِيعُ أَطِبَّاءِ القَرْيَةِ، وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا شِفَاءَهَا. فَهِيَ نَائِمَةٌ مُعْظَمَ الأَوْقَاتِ وَلَا تَسْتَطِيعُ التَّحَدُّثَ وَلَا الحَرَكَةَ إِلَّا نَادِرًا.”
قَالَ أَحْمَدُ بِاسْتِغْرَابٍ: “وَلَكِنِّي تَأَخَّرْتُ كَثِيرًا عَنِ البَيْتِ، وَسَوْفَ تَقْلَقُ وَالِدَتِي.”
اسْتَعْطَفَهُ هَذَا الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: “أَرْجُوكَ سَاعِدْنِي! إِنَّ المَرِيضَ بِأَمَسِّ الحَاجَةِ لِعِلَاجِكَ.”
عِنْدَهَا لَمْ يُفَكِّرْ أَحْمَدُ كَثِيرًا وَقَرَّرَ الذَّهَابَ مَعَهُ. فَأَخَذَ حَقِيبَتَهُ الَّتِي كَانَتْ تَحْتَوِي عَلَى بَعْضِ الأَعْشَابِ، وَانْطَلَقَ مَعَ الرَّجُلِ.
وَسَارَا إِلَى مَكَانٍ بَعِيدٍ. وَأَحْمَدُ يَسْأَلُ هَذَا الشَّابَ: “هَلْ وَصَلْنَا إِلَى المَكَانِ؟”
وَيُخْبِرُهُ الشَّابُ الغَرِيبُ: “لَمْ يَتَبَقَّ الكَثِيرُ حَتَّى نَصِلَ.”
وَتَابَعَا المَسِيرَ، وَأَحْمَدُ يَلْهَثُ مِنْ شِدَّةِ التَّعَبِ. فَقَالَ: “لَا، لَنْ أَسْتَطِيعَ إِكْمَالَ الطَّرِيقِ. لَقَدْ تَعِبْتُ وَقَدَمِي تُؤْلِمُنِي.”
قَالَ هَذَا الشَّابُ: “أَعْذِرْنِي، فَقَدْ سَبَّبْتُ لَكَ المَتَاعِبَ. لَكِنْ صَدِّقْنِي إِنَّ القَرْيَةَ عَلَى بُعْدِ أَمْتَارٍ مِنْ هُنَا، وَلَمْ يَتَبَقَّ الكَثِيرُ.”
تَحَامَلَ أَحْمَدُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَكْمَلَ مَسِيرَهُ مَعَ هَذَا الشَّابِ. وَجَلَسَا قَلِيلًا حَتَّى يَرْتَاحَا.
وَفِي الصَّبَاحِ البَاكِرِ، وَصَلَا إِلَى القَرْيَةِ مَعَ طُلُوعِ شَمْسِ اليَوْمِ التَّالِي. وَكَمْ ذُهِلَ أَحْمَدُ حِينَ دَخَلَ إِلَى القَرْيَةِ! كَانَتْ مِنْ أَغْرَبِ الأَمَاكِنِ الَّتِي يَرَاهَا فِي حَيَاتِهِ. وَحَتَّى النَّاسُ فِيهَا غُرَبَاءُ بِأَشْكَالِهِمْ وَمَلَابِسِهِمْ وَحَتَّى عَادَاتِهِمْ.
كَانُوا يَرْتَدُونَ مَلَابِسَ مُزَرْكَشَةً مَصْنُوعَةً مِنْ قُمَاشٍ قَدِيمٍ. وَتَبْدُو عَلَيْهِمْ عَلَامَاتُ الصِّحَّةِ وَالعَافِيَةِ، فَالكَبِيرُ فِي السِّنِّ لَا تَبْدُو عَلَيْهِ عَلَامَاتُ الكِبَرِ، وَالجَمِيعُ هُنَا فِي هَذِهِ القَرْيَةِ يَتَمَتَّعُ بِصِحَّةٍ جَيِّدَةٍ.
قَالَ أَحْمَدُ بِابْتِسَامَةٍ لَطِيفَةٍ: “مَا هَذِهِ القَرْيَةُ؟ وَمَنْ أَنْتُمْ؟ وَلِمَاذَا تَرْتَدُونَ مَلَابِسَ غَرِيبَةً؟ وَكَأَنَّكُمْ مِنَ العُصُورِ القَدِيمَةِ.”
قَالَ الشَّابُ: “تَعَالَ مَعِي حَتَّى أُخْبِرَكَ وَأُجِيبَ عَنْ هَذِهِ الأَسْئِلَةِ. تَفَضَّلْ إِلَى مَنْزِلِ الحَاكِمِ.”
ذَهَبَ أَحْمَدُ مَعَهُ وَهُوَ يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَيَسَارًا يَسْتَمْتِعُ بِالمَنَاظِرِ الطَّبِيعِيَّةِ الجَمِيلَةِ، حَتَّى وَصَلَا إِلَى مَنْزِلِ الحَاكِمِ الَّذِي رَحَّبَ بِهِمَا، وَقَدَّمُوا لَهُمُ الضِّيَافَةَ بَعْدَ تَعَبٍ وَجَهْدٍ كَبِيرَيْنِ.
وَقَالَ الشَّابُ: “نَحْنُ هُنَا فِي القَرْيَةِ نَرْفُضُ الاخْتِلَاطَ مَعَ بَاقِي القُرَى، وَنُحَافِظُ عَلَى وَحْدَتِنَا وَتَرَابُطِنَا. وَنُفَضِّلُ العَيْشَ بَعِيدًا كَيْ لَا يَتَسَبَّبَ لَنَا الآخَرُونَ فِي المَشَاكِلِ.”
قَالَ أَحْمَدُ: “لِمَا هَذِهِ القَرْيَةُ بَعِيدَةٌ عَنْ بَاقِي القُرَى؟”
أَجَابَهُ الشَّابُ: “فِي القَرْيَةِ المَشَاكِلُ لَا تَحْدُثُ إِلَّا نَادِرًا. وَلَكِنْ هُنَاكَ أَمْرٌ يُنَغِّصُ عَلَيْنَا مَعِيشَتَنَا، وَسَتَعْرِفُهُ فِيمَا بَعْدُ. نَحْنُ فِي مَدِينَتِنَا لَا نَتَنَاوَلُ إِلَّا الأَطْعِمَةَ الصِّحِّيَّةَ، وَنَحْرِصُ عَلَى انْتِقَاءِ أَفْضَلِ الخَضَارِ وَالفَوَاكِهِ وَاللُّحُومِ المُفِيدَةِ لِصِحَّتِنَا. لِذَلِكَ سَتَرَى الكَبِيرَ فِي السِّنِّ يَبْدُو فِي العِشْرِينَ، وَوُجُوهَهُمْ تَعْلُوهَا ابْتِسَامَةٌ لَطِيفَةٌ.”
وَبَعْدَ أَنْ تَنَاوَلَ أَحْمَدُ الضِّيَافَةَ، ذَهَبَ إِلَى غُرْفَةِ المَرِيضَةِ. وَكَانَتْ هُنَاكَ فَتَاةٌ فِي قِمَّةِ الرَّوْعَةِ وَالجَمَالِ تَنَامُ عَلَى السَّرِيرِ، وَيَبْدُو عَلَى وَجْهِهَا عَلَامَاتُ التَّعَبِ وَالمَرَضِ.
قَالَ فِي نَفْسِهِ: “يَا تُرَى مَاذَا حَلَّ بِهَذِهِ الفَتَاةِ الجَمِيلَةِ؟”
وَسَأَلَ عَنْ طَعَامِهَا وَحَالَتِهَا. فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهَا كَانَتْ جَيِّدَةً، لَكِنْ مُنْذُ فَتْرَةٍ لَيْسَتْ بِالبَعِيدَةِ سَقَطَتْ عَلَى الأَرْضِ مُغْشِيًّا عَلَيْهَا، وَهِيَ إِلَى الآنَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَحَرَّكَ إِلَّا نَادِرًا.
قَالَ أَحْمَدُ: “سَأُحْضِرُ لَهَا عُشْبَةً طِبِّيَّةً تَمْنَحُهَا الطَّاقَةَ وَالحَيَوِيَّةَ بِإِذْنِ اللهِ.”
ثُمَّ خَرَجَ مِنْ غُرْفَةِ المَرِيضَةِ وَقَالَ: “إِنْ شَاءَ اللهُ بَعْدَ أَنْ تَتَنَاوَلَ هَذَا الدَّوَاءَ سَتَشْعُرُ بِالقُوَّةِ وَالصِّحَّةِ. وَالآنَ أُرِيدُ العَوْدَةَ إِلَى قَرْيَتِي.”
قَالَ الحَاكِمُ: “لَا، لَنْ تَذْهَبَ أَيُّهَا الطَّبِيبُ حَتَّى أَرَى ابْنَتِي قَدْ شُفِيَتْ تَمَامًا وَعَادَتْ لَهَا صِحَّتُهَا.”
لَمْ يَسْتَطِعْ أَحْمَدُ الرَّفْضَ، فَقَدْ كَانَتْ نَبْرَةُ الحَاكِمِ وَكَأَنَّهُ يُهَدِّدُهُ. فَاضْطَرَبَ أَحْمَدُ وَلَمْ يَجِدْ سَبِيلًا لِلْخُرُوجِ مِنْ هَذَا المَأْزِقِ.
فَجَهَّزُوا لَهُ غُرْفَةً لِيَسْتَرِيحَ فِيهَا، وَسُرْعَانَ مَا غَرِقَ فِي نَوْمٍ عَمِيقٍ.
وَفِي اليَوْمِ التَّالِي، ذَهَبَ لِإِعْطَائِهَا الدَّوَاءَ فِي المَوْعِدِ المُحَدَّدِ. وَقَالَ الحَاكِمُ: “إِذَا سَأُرْسِلُ عَدَدًا مِنْ جُنُودِي لِإِحْضَارِ هَذِهِ العُشْبَةِ. وَأَرْجُوكَ أَيُّهَا الطَّبِيبُ أَنْ تُسَاعِدَ ابْنَتِي.”
قَالَ أَحْمَدُ: “لَكِنْ هَذِهِ العُشْبَةُ بَعِيدَةٌ مِنْ هُنَا، وَلَا تَنْبُتُ إِلَّا فِي جَبَلٍ شَاهِقٍ مُرْتَفِعٍ.”
انْطَلَقَ أَحْمَدُ إِلَى الجَبَلِ مَعَ جُنُودِ الحَاكِمِ. وَاسْتَغْرَقَ فِي صُعُودِ الجَبَلِ يَوْمَيْنِ، فَقَدْ كَانَ مُرْتَفِعًا جِدًّا. ثُمَّ بَدَأَ يَبْحَثُ عَنِ العُشْبَةِ الَّتِي كَانَ عَدَدُهَا قَلِيلًا، وَفِي النِّهَايَةِ عَثَرَ عَلَيْهَا بِصُعُوبَةٍ بَالِغَةٍ.
أَخَذَ مَا يَكْفِيهِ مِنْهَا، ثُمَّ عَادَ إِلَى القَرْيَةِ. وَقَامَ بِوَضْعِهَا مَعَ المَاءِ، وَخَلَطَهَا مَعَ العَسَلِ وَأَعْشَابٍ أُخْرَى. وَقَدَّمَهَا لِلْفَتَاةِ وَقَالَ: “تَفَضَّلِي أَيَّتُهَا الأَمِيرَةُ، هَذَا العِلَاجُ سَيُسَاعِدُكِ عَلَى الشِّفَاءِ بِإِذْنِ اللهِ.”
أَخَذَتِ الفَتَاةُ الكَأْسَ وَبَدَأَتْ تَرْتَشِفُ مِنْهُ قَلِيلًا، ثُمَّ وَضَعَتْهُ جَانِبًا. وَقَالَتْ: “سَأُكْمِلُهُ فِيمَا بَعْدُ.”
وَفِي اليَوْمِ التَّالِي لَمْ تَتَحَسَّنِ الأَمِيرَةُ، وَحَالَتُهَا تَزْدَادُ سُوءًا. وَتَكَرَّرَ الأَمْرُ لِعِدَّةِ أَيَّامٍ. كُلَّ يَوْمٍ تَتَنَاوَلُ هَذِهِ الأَعْشَابَ، لَكِنَّهَا لَا تَتَحَسَّنُ أَبَدًا.
وَذَاتَ يَوْمٍ أَعْطَى أَحْمَدُ الدَّوَاءَ لِلْأَمِيرَةِ، ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى الحَدِيقَةِ لِيَسْتَرِيحَ قَلِيلًا. وَإِذَا بِهِ يَتَفَاجَأُ بِالأَمِيرَةِ وَهِيَ تَقِفُ عَلَى شُرْفَةِ غُرْفَتِهَا وَتُلْقِي بِالأَعْشَابِ!
كَمَا أَنَّهَا كَانَتْ تَمْشِي بِشَكْلٍ طَبِيعِيٍّ. قَالَ فِي نَفْسِهِ: “لَقَدْ عَرَفْتُ الآنَ! لَمْ تَكُنِ الأَمِيرَةُ تَتَنَاوَلُ الأَعْشَابَ. وَلَكِنْ مَا السَّبَبُ؟”
لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُخْبِرَ أَحَدًا بِمَا رَأَى، وَأَرَادَ مَعْرِفَةَ السَّبَبِ بِنَفْسِهِ.
فِي اليَوْمِ التَّالِي ذَهَبَ لِلاطْمِئْنَانِ عَلَى صِحَّتِهَا. سَأَلَهَا: “هَلْ تَتَنَاوَلِينَ الأَعْشَابَ أَيَّتُهَا الأَمِيرَةُ الَّتِي أُحْضِرُهَا لَكِ؟”
قَالَتْ بِتَلَعْثُمٍ: “نَعَمْ... نَعَمْ أَتَنَاوَلُهَا.”
قَالَ أَحْمَدُ: “إِذَا أَرَدْتِ أَنْ تَشْفِي بِإِذْنِ اللهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَعُودَ لَكِ صِحَّتُكِ. لَا تُلْقِي الدَّوَاءَ مِنَ الشُّرْفَةِ!”
دُهِشَتِ الأَمِيرَةُ عِنْدَمَا سَمِعَتْ كَلَامَ أَحْمَدَ. وَقَالَتْ لَهُ: “أَرْجُوكَ أَيُّهَا الطَّبِيبُ، لَا تُخْبِرْ أَحَدًا! فَأَنَا لَسْتُ مَرِيضَةً. إِنَّمَا أَتَظَاهَرُ بِالمَرَضِ.”
سَأَلَهَا أَحْمَدُ بِاسْتِغْرَابٍ: “وَمَا السَّبَبُ الَّذِي يَدْفَعُكِ لِلْكَذِبِ عَلَى النَّاسِ؟”
تَنَهَّدَتِ الأَمِيرَةُ وَقَالَتْ: “فِي أَحَدِ الأَمَاكِنِ القَرِيبَةِ مِنْ قَرْيَتِنَا، هُنَالِكَ رَجُلٌ شِرِّيرٌ جِدًّا وَهُوَ زَعِيمُ جَمَاعَةٍ مِنَ الأَشْرَارِ. بَيْنَ كُلِّ فَتْرَةٍ وَأُخْرَى يَأْتُونَ إِلَى قَرْيَتِنَا لِلْعُثُورِ عَلَى زَوْجَةٍ جَمِيلَةٍ لِزَعِيمِهِمْ. يَخْتَارُونَ أَجْمَلَ الفَتَيَاتِ مِنَ العَائِلَاتِ الغَنِيَّةِ وَالمَعْرُوفَةِ، وَيَأْخُذُونَهَا إِلَيْهِ لِيَتَزَوَّجَهَا. وَلَكِنْ لِلْأَسَفِ بَعْدَ فَتْرَةٍ تَخْتَفِي الفَتَاةُ وَلَا يَجِدُونَ لَهَا أَثَرًا.”
“وَقَبْلَ فَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ جَاءَ إِلَى قَرْيَتِنَا وَطَلَبَنِي. لَكِنَّنِي تَظَاهَرْتُ بِالمَرَضِ. وَكُلَّ يَوْمٍ يُرْسِلُ حُرَّاسَهُ لِيَطْمَئِنُّوا عَلَى حَالَتِي. وَكَمْ حَاوَلْتُ وَلَمْ أَسْتَطِعْ إِخْبَارَ أَحَدٍ بِالحَقِيقَةِ، فَإِنَّهُمْ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَجُنُودُهُ يُرَاقِبُونَنَا دَائِمًا. أَرْجُوكَ أَيُّهَا الطَّبِيبُ سَاعِدْنِي! مَاذَا عَسَايَ أَنْ أَفْعَلَ؟ أَخَافُ أَنْ يَقْتُلَ هَذَا الرَّجُلُ عَائِلَتِي وَيَخْطِفَنِي. وَلَا أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَهُ.”
صَمَتَ أَحْمَدُ قَلِيلًا يُفَكِّرُ. ثُمَّ قَالَ: “سَنَجِدُ الحَلَّ المُنَاسِبَ لِهَذَا الأَمْرِ بِإِذْنِ اللهِ.”
سَأَلَهَا أَحْمَدُ: “أَلَيْسَ هُنَاكَ أَشْخَاصٌ يَقِفُونَ فِي وَجْهِهِ وَيَمْنَعُونَهُ مِنْ تَدْمِيرِ القَرْيَةِ؟”
أَجَابَتِ الفَتَاةُ: “هُنَالِكَ الكَثِيرُ مِنْ شَبَابِ القَرْيَةِ وَالرِّجَالِ الَّذِينَ حَاوَلُوا التَّخَلُّصَ مِنْ هَذِهِ الجَمَاعَةِ، لَكِنَّهُ قَتَلَ الكَثِيرَ مِنْهُمْ. وَهُوَ يُهَدِّدُ بِتَدْمِيرِ القَرْيَةِ كَامِلَةً، وَنَخَافُ أَنْ يُدَمِّرَ قَرْيَتَنَا كَمَا فَعَلَ فِي القُرَى الصَّغِيرَةِ المُجَاوِرَةِ.”
قَالَ أَحْمَدُ: “يَنْبَغِي أَنْ نَجِدَ الحَلَّ المُنَاسِبَ لِلْقَضَاءِ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ.”
ثُمَّ انْتَبَهَ لَهُ الحَاكِمُ وَقَالَ: “مَا بِكَ أَيُّهَا الطَّبِيبُ؟ هَلْ هُنَالِكَ شَيْءٌ؟”
قَالَ أَحْمَدُ: “نَعَمْ أَيُّهَا الحَاكِمُ، أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكُمْ بِشَيْءٍ.”
لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ. لَقَدْ كَانَ مُتَرَدِّدًا. فَالأَمِيرَةُ طَلَبَتْ مِنْهُ أَلَّا يُخْبِرَ أَحَدًا.
ذَهَبَ أَحْمَدُ لِمُلَاقَاةِ الحَاكِمِ وَأَخْبَرَهُ أَنَّ الأَمِيرَةَ مَرِيضَةٌ مَرَضًا شَدِيدًا وَمُهْلِكًا، وَيُمْكِنُ أَنْ تَمُوتَ إِذَا لَمْ تَتَلَقَّ العِلَاجَ المُنَاسِبَ.
قَالَ الحَاكِمُ حَزِينًا: “لَمْ تَشْفَ ابْنَتِي، وَحَالَتُهَا تَزْدَادُ سُوءًا، وَوَجْهُهَا يُصْبِحُ أَكْثَرَ اصْفِرَارًا.”
قَالَ أَحْمَدُ: “لَا بَأْسَ، سَأَخْلِطُ المَزِيدَ مِنْ هَذِهِ الأَعْشَابِ حَتَّى تَتَنَاوَلَهَا. وَالشِّفَاءُ بِيَدِ اللهِ.”
ثُمَّ خَلَطَ الأَعْشَابَ وَجَهَّزَهَا لِإِعْطَائِهَا لِلْأَمِيرَةِ. الَّتِي ارْتَشَفَتْ مِنْهَا قَلِيلًا، ثُمَّ وَضَعَتْهَا جَانِبًا لِإِكْمَالِهَا فِيمَا بَعْدُ.
وَبَيْنَمَا هُمَا يَتَكَلَّمَانِ، دَخَلَ أَحَدُهُمْ مُسْرِعًا وَقَالَ: “سَيِّدِي! لَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الشِّرِّيرُ مَعَ عَدَدٍ مِنَ الجُنُودِ الأَشِدَّاءِ، وَهُوَ يَطْلُبُ رُؤْيَةَ الأَمِيرَةِ!”
كَانَ وَالِدُ الأَمِيرَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ مَا سَيَحْدُثُ. وَأَمَّا أَحْمَدُ فَكَانَ يُرَتِّبُ خُطَّتَهُ جَيِّدًا.
وَصَلَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الشِّرِّيرُ إِلَى القَصْرِ، وَكَانَ رَجُلًا طَوِيلَ القَامَةِ، يَرْتَدِي مَلَابِسَ فَاخِرَةً، وَتَبْدُو عَلَيْهِ عَلَامَاتُ الكِبْرِيَاءِ وَالغُرُورِ. وَكَانَ مَعَهُ عَدَدٌ كَبِيرٌ مِنَ الجُنُودِ الأَشِدَّاءِ.
دَخَلَ عَلَى الحَاكِمِ وَقَالَ: “لَقَدْ جِئْتُ لِرُؤْيَةِ الأَمِيرَةِ. فَقَدْ سَمِعْتُ أَنَّهَا أَجْمَلُ فَتَاةٍ فِي هَذِهِ القَرْيَةِ، وَأُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ مِنْهَا.”
قَالَ الحَاكِمُ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ: “لَكِنَّ ابْنَتِي مَرِيضَةٌ مَرَضًا شَدِيدًا، وَلَا تَسْتَطِيعُ مُقَابَلَةَ أَحَدٍ.”
غَضِبَ الرَّجُلُ وَقَالَ: “لَا يُهِمُّنِي ذَلِكَ! أُرِيدُ أَنْ أَرَاهَا الآنَ، وَإِذَا وَافَقَتِ الأَمِيرَةُ فَسَتَتَزَوَّجُنِي. وَإِلَّا فَإِنِّي سَأُدَمِّرُ القَرْيَةَ بِأَكْمَلِهَا!”
خَرَجَ أَحْمَدُ بِشَجَاعَةٍ وَقَالَ: “أَيُّهَا الرَّجُلُ، تَظُنُّ نَفْسَكَ أَنَّكَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَفْعَلَ مَا تُرِيدُ؟ لَكِنْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّ الأَمِيرَةَ مَرِيضَةٌ مَرَضًا مُهْلِكًا.”
قَالَ الرَّجُلُ بِاسْتِهْزَاءٍ: “وَمَنْ أَنْتَ أَيُّهَا الصَّغِيرُ؟”
أَجَابَهُ أَحْمَدُ: “أَنَا الطَّبِيبُ الَّذِي يُعَالِجُ الأَمِيرَةَ.”
قَالَ الرَّجُلُ: “إِذَا كَانَتْ مَرِيضَةً فَلَا مُشْكِلَةَ! سَآخُذُهَا مَعِي إِلَى مَمْلَكَتِي، وَأُقَدِّمُ لَهَا العِلَاجَ المُنَاسِبَ حَتَّى تَشْفَى بِإِذْنِ اللهِ.”
قَالَ أَحْمَدُ: “لَكِنَّ مَرَضَهَا خَطِيرٌ جِدًّا. وَوَجْهُهَا... وَجْهُهَا قَدْ أَصَابَهُ المَرَضُ.”
لَمْ يُصَدِّقْهُمُ الرَّجُلُ وَقَالَ: “أُرِيدُ أَنْ أَرَاهَا بِنَفْسِي!”
وَأَمَرَ جُنُودَهُ أَنْ يَبْذُلُوا جُهْدَهُمْ لِلْوُصُولِ إِلَى غُرْفَةِ الأَمِيرَةِ. فَبَدَأَ جُنُودُهُ بِالبَحْثِ عَنْ غُرْفَةِ الأَمِيرَةِ، فَلَمَّا وَجَدُوهَا دَخَلَتْ إِلَيْهَا جَارِيَةٌ، لَكِنَّهَا خَرَجَتْ مُسْرِعَةً وَكَأَنَّهُ أَصَابَهَا شَيْءٌ.
سَأَلَهَا الجُنُودُ: “مَا بِكِ؟ لِمَاذَا لَمْ تُحْضِرِي الأَمِيرَةَ؟”
قَالَتِ الجَارِيَةُ: “لَا... لَا أَسْتَطِيعُ! ابْتَعِدُوا!”
وَدَخَلَ ثَلَاثَةُ جُنُودٍ إِلَى الغُرْفَةِ، وَبِسُرْعَةٍ خَرَجُوا يُحَاوِلُونَ الْتِقَاطَ أَنْفَاسِهِمْ!
ذَهَبُوا إِلَى زَعِيمِهِمْ وَأَخْبَرُوهُ أَنَّ رَائِحَةَ الأَمِيرَةِ فِي الغُرْفَةِ كَرِيهَةٌ جِدًّا، وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا الدُّخُولَ بِسَبَبِ الرَّائِحَةِ الكَرِيهَةِ.
فَقَالَ لَهُمُ الزَّعِيمُ: “أَنْتُمْ جُبَنَاءُ! سَأَذْهَبُ بِنَفْسِي!”
وَذَهَبَ إِلَى غُرْفَتِهَا، وَعِنْدَمَا دَخَلَ كَانَتِ الأَمِيرَةُ نَائِمَةً عَلَى السَّرِيرِ، وَجَسَدُهَا مُتْعَبٌ، وَالرَّائِحَةُ تَفُوحُ مِنْهَا. وَضَعَ عَلَى أَنْفِهِ قِطْعَةً مِنَ القُمَاشِ وَاقْتَرَبَ مِنَ الأَمِيرَةِ. وَذُهِلَ عِنْدَمَا رَأَى وَجْهَهَا القَبِيحَ المَلِيءَ بِالبُثُورِ!
خَرَجَ مِنَ الغُرْفَةِ يَصْرُخُ وَيَقُولُ: “لَيْسَتْ هَذِهِ الأَمِيرَةُ! لَيْسَتْ هِيَ!”
وَكَانَتِ الأَمِيرَةُ قَدْ وَضَعَتْ عَلَى وَجْهِهَا مَرْهَمًا مِنْ صُنْعِ الطَّبِيبِ أَحْمَدَ حَتَّى تَبْدُوَ مَلِيئَةً بِالبُثُورِ. وَوَضَعُوا فِي الغُرْفَةِ عُشْبَةً طِبِّيَّةً تَنْبَعِثُ مِنْهَا رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ. طَبْعًا كَانَتْ هَذِهِ خُطَّةً مِنْ أَحْمَدَ وَالأَمِيرَةِ.
حَاوَلَ وَالِدُ الأَمِيرَةِ أَنْ يُقْنِعَ هَذَا الرَّجُلَ أَنَّ ابْنَتَهُ مَرِيضَةٌ، لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ إِقْنَاعَهُ. وَأَرَادَ الزَّعِيمُ أَنْ يَجِدَ فَتَاةً جَمِيلَةً أُخْرَى مِنَ الفَتَيَاتِ الأَغْنِيَاءِ.
أَمَّا الأَمِيرَةُ، فَكَانَتْ مَسْرُورَةً لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهَا هَذَا الرَّجُلُ. وَأَخْبَرَتْهُمْ أَنَّ مَرَضَهَا كَانَ خُدْعَةً حَتَّى لَا يَخْطِفَهَا.
خَرَجَ الزَّعِيمُ غَاضِبًا وَبَدَأَ يُهَدِّدُ وَيَتَوَعَّدُ. اقْتَرَبَ مِنْهُ الطَّبِيبُ أَحْمَدُ وَقَالَ: “يَا سَيِّدِي، لَقَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّ الأَمِيرَةَ مَرِيضَةٌ مَرَضًا مُهْلِكًا، وَالرَّائِحَةُ وَالوَجْهُ القَبِيحُ بِسَبَبِ مَرَضِهَا النَّادِرِ الَّذِي لَمْ نَجِدْ لَهُ دَوَاءً.”
فَشَعَرَ أَحْمَدُ بِالحُزْنِ لِحَالِهَا، وَلَمْ يَجِدْ طَرِيقَةً أُخْرَى لِمُعَالَجَتِهَا.
قَالَ الزَّعِيمُ غَاضِبًا: “إِذَا كُنْتَ طَبِيبًا مَاهِرًا كَمَا يَقُولُونَ، فَعَلَيْكَ أَنْ تَجِدَ لَهَا العِلَاجَ المُنَاسِبَ لِتَكُونَ زَوْجَةً لِي!”
تَظَاهَرَ أَحْمَدُ بِالحُزْنِ وَقَالَ: “سَأَبْحَثُ عَنِ العِلَاجِ إِنْ شَاءَ اللهِ.”
فَقَالَ الزَّعِيمُ مُهَدِّدًا: “سَتَجِدُ الدَّوَاءَ لِمُعَالَجَةِ الفَتَاةِ خِلَالَ هَذَا الأُسْبُوعِ، وَإِلَّا سَيَحْدُثُ مَا لَا يُحْمَدُ عُقْبَاهُ! سَأَقْتُلُ الجَمِيعَ بِالتَّأْكِيدِ وَسَأُهَدِّمُ القَرْيَةَ!”
لَقَدْ كَانَ الجَمِيعُ يَتَرَقَّبُونَ مَا سَيَحْدُثُ. وَفَكَّرَ أَحْمَدُ طَوِيلًا، وَوَضَعَ خُطَّةً ذَكِيَّةً.
وَذَاتَ يَوْمٍ قَالَتْ لَهُ الأَمِيرَةُ بِحُزْنٍ: “أَيُّهَا الطَّبِيبُ، هُنَاكَ شَيْءٌ كُنْتُ أَمْلِكُهُ وَفَقَدْتُهُ. لَقَدْ كَانَتْ قَلَادَةً ثَمِينَةً وَجَمِيلَةً، هَدِيَّةً مِنْ جَدَّتِي رَحِمَهَا اللهُ. وَهَذِهِ القَلَادَةُ نَادِرَةٌ جِدًّا. وَحِينَ كُنْتُ أَحْمِلُهَا، كُنْتُ أَشْعُرُ بِالطُّمَأْنِينَةِ وَالقُوَّةِ وَالثِّقَةِ. كَانَتْ تُعْطِينِي شُعُورًا بِالقُدْرَةِ عَلَى مُوَاجَهَةِ الصِّعَابِ بِعَوْنِ اللهِ. وَالآنَ فَقَدْتُهَا، وَأَشْعُرُ أَنَّنِي فَقَدْتُ شَيْئًا عَزِيزًا جِدًّا عَلَى قَلْبِي.”
قَالَ أَحْمَدُ: “لَا تَحْزَنِي أَيَّتُهَا الأَمِيرَةُ. إِنَّ القُوَّةَ الحَقِيقِيَّةَ تَأْتِي مِنَ اللهِ وَحْدَهُ، ثُمَّ مِنْ إِيمَانِكِ وَثِقَتِكِ بِنَفْسِكِ. لَكِنِّي سَأُحَاوِلُ أَنْ أُسَاعِدَكِ فِي العُثُورِ عَلَيْهَا إِنْ شَاءَ اللهُ.”
ثُمَّ فَكَّرَ أَحْمَدُ وَقَالَ: “لَدَيَّ فِكْرَةٌ! سَأَذْهَبُ إِلَى ذَلِكَ الزَّعِيمِ وَأُخْبِرُهُ أَنِّي وَجَدْتُ حَلًّا.”
عَادَ أَحْمَدُ إِلَى القَرْيَةِ، وَجَمَعَ الحَاكِمَ وَرِجَالَ القَرْيَةِ وَأَخْبَرَهُمْ بِخُطَّتِهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: “سَأَذْهَبُ إِلَى ذَلِكَ الزَّعِيمِ وَأُخْبِرُهُ أَنِّي وَجَدْتُ مَكَانًا فِيهِ كُنُوزٌ كَثِيرَةٌ. وَسَأَقُولُ لَهُ إِنَّ هُنَاكَ كَهْفًا خَطِيرًا يَحْتَاجُ إِلَى رِجَالٍ أَشِدَّاءَ لِدُخُولِهِ. وَحِينَ يَدْخُلُ هُوَ وَجُنُودُهُ إِلَى الكَهْفِ، سَنُغْلِقُ البَابَ عَلَيْهِمْ، وَلَنْ يَسْتَطِيعُوا الخُرُوجَ أَبَدًا!”
قَالَ الحَاكِمُ: “وَمَاذَا بَعْدَ ذَلِكَ؟”
قَالَ أَحْمَدُ: “بَعْدَ ذَلِكَ سَيَهْلِكُ هَذَا الزَّعِيمُ الظَّالِمُ بِقَدَرِ اللهِ، وَتَعُودُ الحَيَاةُ إِلَى طَبِيعَتِهَا فِي القَرْيَةِ.”
وَافَقَ الجَمِيعُ عَلَى الخُطَّةِ. وَذَهَبَ أَحْمَدُ إِلَى ذَلِكَ الزَّعِيمِ الشِّرِّيرِ.
قَالَ أَحْمَدُ: “أَيُّهَا السَّيِّدُ، لَقَدْ وَجَدْتُ حَلًّا.”
قَالَ الزَّعِيمُ: “وَمَا هُوَ؟”
قَالَ أَحْمَدُ: “أَعْرِفُ مَكَانًا مَلِيئًا بِالكُنُوزِ وَالجَوَاهِرِ الغَالِيَةِ الثَّمِينَةِ وَالأَحْجَارِ النَّفِيسَةِ. لَكِنَّ المَكَانَ خَطِيرٌ، وَأَحْتَاجُ مُسَاعَدَتَكَ وَمُسَاعَدَةَ رِجَالِكَ الأَشِدَّاءِ.”
قَالَ الزَّعِيمُ بِطَمَعٍ: “وَمَا نَصِيبِي؟”
قَالَ أَحْمَدُ: “سَأُعْطِيكَ نِصْفَ مَا نَجِدُ. وَعِنْدَهَا يُمْكِنُكَ أَنْ تَتَزَوَّجَ أَيَّ فَتَاةٍ تُرِيدُهَا.”
فَرِحَ الزَّعِيمُ وَقَالَ: “حَسَنًا! سَأَذْهَبُ مَعَكَ.”
وَانْطَلَقَ مَعَ عَدَدٍ مِنْ جُنُودِهِ إِلَى الكَهْفِ. وَكَانَ أَحْمَدُ وَعَدَدٌ مِنْ رِجَالِ القَرْيَةِ يُرَاقِبُونَ المَكَانَ مِنْ بَعِيدٍ.
قَالَ الزَّعِيمُ: “لِمَاذَا لَا تَدْخُلُ مَعَنَا أَيُّهَا الطَّبِيبُ؟”
قَالَ أَحْمَدُ: “سَأَنْتَظِرُ هُنَا، فَأَنَا أَخَافُ العَتَمَةَ.”
قَالَ الزَّعِيمُ بِاسْتِهْزَاءٍ: “هَلْ تَخَافُ أَنْتَ أَيْضًا مِنَ الظَّلَامِ؟”
غَضِبَ مِنْهُ الزَّعِيمُ وَقَالَ: “أَنَا لَا أَخَافُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ!”
وَدَخَلَ الزَّعِيمُ إِلَى المُغَارَةِ مَعَ جُنُودِهِ. وَأَحْمَدُ يَنْتَظِرُهُمْ فِي الخَارِجِ.
وَحِينَ دَخَلُوا جَمِيعًا، أَمَرَ أَحْمَدُ الرِّجَالَ بِإِغْلَاقِ البَابِ بِصَخْرَةٍ كَبِيرَةٍ! وَلَمْ يَسْتَطِعِ الزَّعِيمُ وَجُنُودُهُ فَتْحَ البَابِ أَبَدًا!
صَاحَ الزَّعِيمُ: “أَيُّهَا الخَائِنُ! لِمَاذَا أَغْلَقْتَ عَلَيْنَا البَابَ؟ افْتَحْ هَذَا البَابَ! مَاذَا تَنْتَظِرُ؟”
لَكِنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أَحَدٌ. وَبَقُوا مَحْبُوسِينَ فِي الكَهْفِ.
وَبَعْدَ عِدَّةِ سَاعَاتٍ، بَدَأَ الجُوعُ وَالعَطَشُ يُؤَثِّرُ عَلَيْهِمْ. وَفَجْأَةً سَمِعُوا أَصْوَاتًا مُخِيفَةً فِي الكَهْفِ!
كَانَتْ هُنَاكَ حَيَوَانَاتٌ مُفْتَرِسَةٌ تَخْتَبِئُ فِي الكَهْفِ! وَانْقَضَّتْ عَلَيْهِمْ!
وَهَكَذَا كَانَتْ نِهَايَةُ ذَلِكَ الزَّعِيمِ الشِّرِّيرِ وَجُنُودِهِ، بِقَدَرِ اللهِ تَعَالَى. فَاللهُ يُمْهِلُ الظَّالِمَ وَلَا يُهْمِلُهُ.
عَادَ أَحْمَدُ إِلَى القَرْيَةِ مَعَ الرِّجَالِ، وَبَشَّرُوهُمْ بِالخَبَرِ السَّعِيدِ. فَفَرِحَ وَالِدُ الأَمِيرَةِ وَجَمِيعُ أَهْلِ القَرْيَةِ، وَقَالُوا: “الحَمْدُ للهِ أَنَّنَا تَخَلَّصْنَا مِنْهُ!”
وَشَكَرُوا أَحْمَدَ الَّذِي سَاعَدَهُمْ عَلَى القَضَاءِ عَلَى هَذَا الظَّالِمِ بِحِكْمَتِهِ وَذَكَائِهِ.
وَأُقِيمَتِ الأَفْرَاحُ فِي القَرْيَةِ، وَجَهَّزُوا الطَّعَامَ، وَأَقَامُوا الاحْتِفَالَاتِ لِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَالِيَةٍ.
ثُمَّ جَاءَ الحَاكِمُ إِلَى أَحْمَدَ وَقَالَ: “أَيُّهَا الطَّبِيبُ، أَنْتَ شَابٌّ طَيِّبٌ وَذَكِيٌّ وَشُجَاعٌ. وَاعْذِرْنِي عَلَى وَقَاحَتِي، لَكِنَّنِي أُرِيدُ أَنْ أُزَوِّجَكَ مِنِ ابْنَتِي.”
ابْتَسَمَ أَحْمَدُ وَقَالَ: “يَا سَيِّدِي، أَنَا رَجُلٌ بَسِيطٌ، وَلَا أَسْتَحِقُّ هَذَا الشَّرَفَ.”
قَالَ الحَاكِمُ: “بَلْ أَنْتَ تَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ! فَأَنْتَ أَنْقَذْتَنَا جَمِيعًا.”
وَفِي الحَالِ وَافَقَتِ الأَمِيرَةُ عَلَى الزَّوَاجِ مِنْ أَحْمَدَ، لِأَنَّهَا وَجَدَتْ فِيهِ الوَسَامَةَ وَالشَّجَاعَةَ وَالفِطْنَةَ وَالذَّكَاءَ.
لَكِنَّ أَحْمَدَ قَالَ: “يَا سَيِّدِي، يَنْبَغِي أَنْ أَعُودَ إِلَى قَرْيَتِي أَوَّلًا. وَالِدَتِي تَنْتَظِرُنِي، وَمِنَ المُؤَكَّدِ أَنَّهَا افْتَقَدَتْنِي، وَأَخْشَى أَنْ يُصِيبَهَا مَكْرُوهٌ.”
قَالَ الحَاكِمُ: “لَا مُشْكِلَةَ! سَأُرْسِلُ مَعَكَ رِجَالًا لِيُحْضِرُوا وَالِدَتَكَ وَأَخَاكَ إِلَى هُنَا لِحُضُورِ الزَّفَافِ.”
فَوَافَقَ أَحْمَدُ. وَتَمَّ الزَّوَاجُ سَرِيعًا، وَوَدَّعَتِ العَرُوسُ أَهْلَهَا، وَانْطَلَقَتْ مَعَ أَحْمَدَ سَعِيدَةً يَغْمُرُهُمَا الحُبُّ.
وَعِنْدَمَا وَصَلُوا إِلَى قَرْيَةِ أَحْمَدَ، كَانَ الجَمِيعُ يَسْأَلُ عَنْ بَلَدَةِ هَذِهِ الفَتَاةِ. تَابَعَ أَهْلُ القَرْيَةِ عَمَلَهُمْ بَعْدَمَا اطْمَأَنُّوا عَلَيْهِ، فَالجَمِيعُ كَانَ يَبْحَثُ عَنْهُ عِنْدَمَا اخْتَفَى، لِأَنَّهُ مَحْبُوبٌ جِدًّا.
كَمَا أَنَّ أَهْلَ القَرْيَةِ نَظَرُوا إِلَى هَذِهِ الأَمِيرَةِ بِاسْتِغْرَابٍ وَدَهْشَةٍ. ثُمَّ قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ: “مِنْ أَيِّ بَلَدٍ أَنْتِ يَا ابْنَتِي؟ حَتَّى شَكْلُكِ يَخْتَلِفُ عَنْ أَهْلِ قَرْيَتِنَا وَالقُرَى المُجَاوِرَةِ.”
أَخْبَرَهَا أَحْمَدُ وَالفَتَاةُ بِمَا حَدَثَ مَعَهُ فِي غِيَابِهِ المُفَاجِئِ. وَكَانَتِ الأُمُّ تَنْظُرُ إِلَى ابْنِهَا وَالفَتَاةِ بِسَعَادَةٍ كَبِيرَةٍ، وَأَخْبَرَهَا أَحْمَدُ بِكُلِّ مَا حَدَثَ.
أَخْبَرَهَا أَنَّهَا مِنْ قَرْيَةٍ بَعِيدَةٍ، أَهْلُهَا مُنْفَرِدُونَ بِصِفَاتِهِمْ وَمُخْتَلِفُونَ عَنْ غَيْرِهِمْ.
كَانَ النَّاسُ مُسْتَغْرِبِينَ جِدًّا مِنْ زَوْجَةِ أَحْمَدَ الَّتِي كَانَتْ غَرِيبَةَ الصِّفَاتِ وَالجَمَالِ.
وَبَعْدَ ذَلِكَ، عَمِلَ أَحْمَدُ كَطَبِيبٍ، وَكَانَتْ زَوْجَتُهُ تُسَاعِدُهُ فِي عَمَلِهِ بَعْدَ أَنْ عَلَّمَهَا الكَثِيرَ.
وَعَاشَا مَعًا فِي حُبٍّ وَوِئَامٍ، وَرُزِقَا بِالبَنِينَ وَالبَنَاتِ. وَأَصْبَحَ أَحْمَدُ مِنْ أَشْهَرِ الأَطِبَّاءِ فِي المِنْطَقَةِ، وَعُرِفَ بِحِكْمَتِهِ وَذَكَائِهِ وَشَجَاعَتِهِ.
وَكَانَ يُعَلِّمُ أَبْنَاءَهُ دَائِمًا: “يَا أَبْنَائِي، تَعَلَّمْتُ أَنَّ الذَّكَاءَ وَالحِكْمَةَ أَقْوَى مِنَ القُوَّةِ. وَأَنَّ التَّوَكُّلَ عَلَى اللهِ وَالثِّقَةَ بِهِ هُمَا أَسَاسُ النَّجَاحِ. وَتَعَلَّمْتُ أَنَّ الخَيْرَ يَنْتَصِرُ دَائِمًا عَلَى الشَّرِّ بِإِذْنِ اللهِ، وَأَنَّ الظَّالِمَ مَهْمَا طَالَ زَمَانُهُ لَا بُدَّ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ يُحَاسَبُ فِيهِ.”
وَكَانَتْ زَوْجَتُهُ تَجْلِسُ مَعَ أَطْفَالِهَا وَتَحْكِي لَهُمْ قِصَّتَهَا، وَتَقُولُ: “يَا أَطْفَالِي، حِينَ كُنْتُ فِي خَطَرٍ، يَسَّرَ اللهُ لِي مَنْ يُسَاعِدُنِي. وَتَعَلَّمْتُ أَنَّ اللهَ لَا يَتْرُكُ عِبَادَهُ الصَّالِحِينَ، وَأَنَّهُ يُرْسِلُ لَهُمُ العَوْنَ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُونَ.”
وَمَرَّتِ السَّنَوَاتُ، وَكَبُرَ أَطْفَالُ أَحْمَدَ وَزَوْجَتِهِ، وَأَصْبَحُوا شَبَابًا صَالِحِينَ يُسَاعِدُونَ النَّاسَ وَيُقَدِّمُونَ الخَيْرَ لِلْجَمِيعِ.
وَذَاتَ يَوْمٍ، جَاءَ رَسُولٌ مِنْ قَرْيَةِ الأَمِيرَةِ يَحْمِلُ رِسَالَةً مِنْ وَالِدِهَا الحَاكِمِ. فَفَتَحَ أَحْمَدُ الرِّسَالَةَ وَقَرَأَهَا، وَإِذَا بِهَا دَعْوَةٌ لِزِيَارَةِ القَرْيَةِ.
فَقَرَّرَ أَحْمَدُ وَزَوْجَتُهُ وَأَطْفَالُهُمَا السَّفَرَ إِلَى تِلْكَ القَرْيَةِ البَعِيدَةِ. وَحِينَ وَصَلُوا، اسْتَقْبَلَهُمُ الحَاكِمُ وَأَهْلُ القَرْيَةِ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ.
قَالَ الحَاكِمُ لِأَحْمَدَ: “يَا بُنَيَّ، لَقَدِ افْتَقَدْنَاكُمْ كَثِيرًا. وَالقَرْيَةُ مَا زَالَتْ تَذْكُرُ فَضْلَكَ عَلَيْنَا وَمَا فَعَلْتَهُ لِإِنْقَاذِنَا مِنْ ذَلِكَ الظَّالِمِ.”
وَأَقَامُوا احْتِفَالًا كَبِيرًا، وَدَعَوْا جَمِيعَ أَهْلِ القَرْيَةِ. وَطَلَبَ الحَاكِمُ مِنْ أَحْمَدَ أَنْ يَحْكِيَ لِلشَّبَابِ قِصَّتَهُ لِيَتَعَلَّمُوا مِنْهَا.
فَوَقَفَ أَحْمَدُ أَمَامَ النَّاسِ وَقَالَ: “يَا أَهْلَ القَرْيَةِ، تَعَلَّمْتُ أَنَّ الشَّجَاعَةَ لَيْسَتْ فِي القُوَّةِ الجَسَدِيَّةِ فَقَطْ، بَلْ فِي القُدْرَةِ عَلَى مُوَاجَهَةِ الظُّلْمِ بِالحِكْمَةِ وَالذَّكَاءِ. وَتَعَلَّمْتُ أَنَّ التَّوَكُّلَ عَلَى اللهِ وَالأَخْذَ بِالأَسْبَابِ هُمَا المِفْتَاحُ لِحَلِّ أَصْعَبِ المَشَاكِلِ.”
ثُمَّ أَضَافَ: “وَتَعَلَّمْتُ أَنَّ الظَّالِمَ مَهْمَا بَدَا قَوِيًّا، فَإِنَّ قُوَّتَهُ زَائِلَةٌ. وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى يُمْهِلُهُ وَلَا يُهْمِلُهُ، وَيَأْتِي اليَوْمُ الَّذِي يَنْكَشِفُ فِيهِ أَمْرُهُ وَيَلْقَى جَزَاءَهُ.”
صَفَّقَ النَّاسُ طَوِيلًا، وَشَكَرُوا أَحْمَدَ عَلَى كَلِمَاتِهِ الحَكِيمَةِ.
وَبَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ، عَادَ أَحْمَدُ وَعَائِلَتُهُ إِلَى قَرْيَتِهِ، وَوَدَّعَهُمْ أَهْلُ القَرْيَةِ بِالدُّعَاءِ وَالمَحَبَّةِ.
وَاسْتَمَرَّ أَحْمَدُ فِي عَمَلِهِ طَبِيبًا، يُعَالِجُ المَرْضَى وَيُسَاعِدُ المُحْتَاجِينَ. وَكَانَ لَا يَرْفُضُ مُسَاعَدَةَ أَيِّ إِنْسَانٍ مَهْمَا كَانَتْ حَالَتُهُ.
وَذَاتَ يَوْمٍ جَاءَهُ شَابٌّ فَقِيرٌ يَطْلُبُ المُسَاعَدَةَ. قَالَ الشَّابُ: “أَيُّهَا الطَّبِيبُ، وَالِدَتِي مَرِيضَةٌ وَلَيْسَ لَدَيَّ مَالٌ لِشِرَاءِ الدَّوَاءِ.”
فَابْتَسَمَ أَحْمَدُ وَقَالَ: “لَا تَقْلَقْ يَا بُنَيَّ، سَأُعَالِجُ وَالِدَتَكَ وَأُعْطِيكَ الدَّوَاءَ بِلَا مُقَابِلٍ. فَمُسَاعَدَةُ النَّاسِ عِبَادَةٌ، وَاللهُ هُوَ الَّذِي يُعَوِّضُنَا خَيْرًا.”
فَشَكَرَهُ الشَّابُ وَدَعَا لَهُ بِالخَيْرِ.
وَهَكَذَا عَاشَ أَحْمَدُ حَيَاةً مُبَارَكَةً مَلِيئَةً بِالخَيْرِ وَالعَطَاءِ. وَكَانَ مِثَالًا يُحْتَذَى فِي الذَّكَاءِ وَالحِكْمَةِ وَالشَّجَاعَةِ وَالكَرَمِ.
وَحِينَ كَبُرَ فِي السِّنِّ، جَلَسَ مَعَ أَحْفَادِهِ ذَاتَ يَوْمٍ وَقَالَ لَهُمْ: “يَا أَحْفَادِي الأَعِزَّاءَ، تَذَكَّرُوا دَائِمًا أَنَّ الحَيَاةَ لَيْسَتْ طَوِيلَةً، وَلَكِنَّ الأَثَرَ الطَّيِّبَ الَّذِي نَتْرُكُهُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ هُوَ الَّذِي يَبْقَى.”
“وَتَذَكَّرُوا أَنَّ القُوَّةَ الحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ فِي العَضَلَاتِ، بَلْ فِي العَقْلِ وَالحِكْمَةِ. وَأَنَّ أَعْظَمَ انْتِصَارٍ هُوَ انْتِصَارُ الخَيْرِ عَلَى الشَّرِّ بِالطُّرُقِ السَّلِيمَةِ.”
“وَأَهَمُّ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ، تَوَكَّلُوا عَلَى اللهِ فِي كُلِّ أُمُورِكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ، وَأَنَّهُ لَا يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ.”
ابْتَسَمَ الأَحْفَادُ وَقَالُوا: “سَنَتَذَكَّرُ دَائِمًا يَا جَدِّي، وَسَنَسِيرُ عَلَى خُطَاكَ.”
وَبَعْدَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ مِنَ العَطَاءِ وَالخَيْرِ، تُوُفِّيَ أَحْمَدُ وَهُوَ رَاضٍ عَنْ حَيَاتِهِ، قَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ تُجَاهَ النَّاسِ وَتُجَاهَ رَبِّهِ.
وَبَقِيَتْ قِصَّتُهُ تُرْوَى فِي القَرْيَةِ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، تُعَلِّمُ النَّاسَ دُرُوسَ الذَّكَاءِ وَالشَّجَاعَةِ وَالحِكْمَةِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ.
وَظَلَّ النَّاسُ يَتَذَكَّرُونَ الطَّبِيبَ الذَّكِيَّ الَّذِي أَنْقَذَ قَرْيَةً كَامِلَةً مِنَ الظُّلْمِ، لَا بِالسِّلَاحِ وَالقُوَّةِ، بَلْ بِالحِكْمَةِ وَالذَّكَاءِ وَحُسْنِ التَّدْبِيرِ.
وَكَانَتْ زَوْجَتُهُ قَدْ عَاشَتْ بَعْدَهُ سَنَوَاتٍ قَلِيلَةً، وَظَلَّتْ تُسَاعِدُ النَّاسَ وَتُعَلِّمُهُمْ مَا تَعَلَّمَتْهُ مِنْ زَوْجِهَا.
وَحِينَ تُوُفِّيَتْ، دَفَنُوهَا بِجَانِبِ زَوْجِهَا أَحْمَدَ، وَدَعَا لَهُمَا النَّاسُ بِالرَّحْمَةِ وَالمَغْفِرَةِ.
وَبَقِيَ أَطْفَالُهُمَا وَأَحْفَادُهُمَا يَسِيرُونَ عَلَى نَهْجِهِمَا، يُسَاعِدُونَ النَّاسَ وَيَنْشُرُونَ الخَيْرَ فِي كُلِّ مَكَانٍ.
وَصَارَتْ عَائِلَةُ أَحْمَدَ مَعْرُوفَةً بِالطِّبِّ وَالحِكْمَةِ وَالكَرَمِ، وَكَانَ النَّاسُ يَأْتُونَ إِلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ طَلَبًا لِلْعِلَاجِ وَالمَشُورَةِ.
وَهَكَذَا، ظَلَّتْ قِصَّةُ الطَّبِيبِ الذَّكِيِّ حَيَّةً فِي ذَاكِرَةِ النَّاسِ، تُذَكِّرُهُمْ بِأَنَّ الذَّكَاءَ وَالحِكْمَةَ أَقْوَى مِنَ القُوَّةِ، وَأَنَّ التَّوَكُّلَ عَلَى اللهِ وَالثِّقَةَ بِهِ هُمَا سَبِيلُ النَّجَاحِ.
وَتُعَلِّمُهُمْ أَيْضًا أَنَّ الظَّالِمَ مَهْمَا طَالَ زَمَانُهُ وَبَدَا قَوِيًّا، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَرَاهُ وَيَعْلَمُ مَا يَفْعَلُ، وَسَيَأْتِي اليَوْمُ الَّذِي يَلْقَى فِيهِ جَزَاءَهُ.
وَأَنَّ الخَيْرَ يَنْتَصِرُ دَائِمًا عَلَى الشَّرِّ بِإِذْنِ اللهِ، مَهْمَا طَالَ الزَّمَنُ وَمَهْمَا بَدَتِ الصُّعُوبَاتُ كَبِيرَةً.
وَأَنَّ مُسَاعَدَةَ النَّاسِ وَالإِحْسَانَ إِلَيْهِمْ هِيَ مِنْ أَعْظَمِ الأَعْمَالِ الَّتِي يُحِبُّهَا اللهُ، وَأَنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ.
وَظَلَّتِ القَرْيَتَانِ، قَرْيَةُ أَحْمَدَ وَقَرْيَةُ الأَمِيرَةِ، عَلَى تَوَاصُلٍ دَائِمٍ، يَتَبَادَلُونَ الزِّيَارَاتِ وَالهَدَايَا، وَيَتَعَاوَنُونَ فِي الخَيْرِ.
وَكُلَّمَا زَارَ أَهْلُ إِحْدَى القَرْيَتَيْنِ الأُخْرَى، كَانُوا يَجْلِسُونَ وَيَحْكُونَ قِصَّةَ الطَّبِيبِ الذَّكِيِّ وَالأَمِيرَةِ الشُّجَاعَةِ، وَكَيْفَ أَنْقَذَا قَرْيَةً كَامِلَةً مِنَ الظُّلْمِ وَالاسْتِبْدَادِ.
وَكَانَ الأَطْفَالُ يَسْتَمِعُونَ إِلَى القِصَّةِ بِشَغَفٍ كَبِيرٍ، وَيَحْلُمُونَ بِأَنْ يَكُونُوا مِثْلَ أَحْمَدَ ذَكَاءً وَشَجَاعَةً وَحِكْمَةً.
وَهَكَذَا، عَاشَتِ القَرْيَتَانِ فِي سَلَامٍ وَأَمَانٍ وَرَخَاءٍ، بِفَضْلِ اللهِ ثُمَّ بِفَضْلِ مَا تَعَلَّمُوهُ مِنْ قِصَّةِ الطَّبِيبِ الذَّكِيِّ.
وَبَقِيَتِ القِصَّةُ تُرْوَى جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، تُلْهِمُ الشَّبَابَ وَتُعَلِّمُهُمْ أَنَّ الحِكْمَةَ وَالذَّكَاءَ وَالتَّوَكُّلَ عَلَى اللهِ هِيَ أَعْظَمُ الأَسْلِحَةِ فِي مُوَاجَهَةِ الظُّلْمِ وَالطُّغْيَانِ.
وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ
**انْتَهَتِ الحِكَايَةُ.