خواريزميه الحنين الصامت

خواريزميه الحنين الصامت

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

خواريزميه الحنين الصامت 

الفصل الأول: ضجيج الصمت

في شقة تطل على أضواء "دبي" المتلألئة، كان آدم يجلس أمام ثلاث شاشات عملاقة. لم يكن آدم مبرمجاً عادياً، بل كان "مهندس ذكريات" في شركة تقنية كبرى. وظيفته هي تحسين خوارزميات الاقتراح لدرجة تجعل التطبيقات تعرف ما يريده المستخدم قبل أن يعرفه هو نفسه.

لكن في تلك الليلة، كان آدم يبحث عن شيء لم تستطع الخوارزمية العثور عليه: رسالة مفقودة.

قبل عام من الآن، وفي زحام مترو لندن، التقى بـ "لينا". لم يتبادلا أرقام الهاتف، بل تبادلا "اسم مستخدم" على تطبيق تواصل مشفر اختفى بعد يومين من المتاجر الرقمية. ومنذ ذلك الحين، صار آدم يطارد طيفاً رقمياً في محيط من البيانات الضخمة.

الفصل الثاني: الهروب إلى الواقع

قرر آدم أن يكسر القواعد. بدلاً من الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، قرر استخدام "الذكاء الإنساني القديم". أغلق حاسوبه، وضع هاتفه في وضع "عدم الإزعاج"، وخرج إلى الشارع. كان الهواء رطباً، وأصوات السيارات تشكل سيمفونية مزعجة لكنها حقيقية.

توجه آدم إلى مقهى صغير في حي قديم، وهو مكان لا يرتاده "المؤثرون" ولا تتوفر فيه خدمة "الواي فاي". هناك، رأى الناس يقرؤون كتباً ورقية، ويتبادلون الأحاديث دون النظر إلى شاشاتهم كل ثلاث ثوانٍ. شعر آدم بغربة شديدة، وكأنه رائد فضاء هبط على كوكب بدائي.

الفصل الثالث: اللقاء غير المتوقع

بينما كان يرتشف قهوته السوداء، لاحظ فتاة تجلس في الركن البعيد، ترسم على دفتر ملاحظات صغير. لم تكن تلتقط صوراً لقهوتها، ولم تكن تضع سماعات إلغاء الضجيج. كانت "هناك" بكل جوارحها.

اقترب آدم بتردد. "هل الرسم باليد لا يزال موضة؟" سأل بنبرة فيها لمحة من السخرية الذاتية.

رفعت الفتاة رأسها، ولم تكن سوى لينا.

تجمد الزمان. لم تكن هناك إشعارات، ولا "إعجابات"، ولا خوارزميات تجمع بينهما. فقط صدفة بحتة في عالم يحاول إلغاء الصدف.

الفصل الرابع: فخ الحداثة

image about خواريزميه الحنين الصامت

"آدم؟" قالت لينا بدهشة، "لقد بحثت عنك في كل منصة رقمية، لكنك قمت بتشفير حساباتك لدرجة أنك أصبحت شبحاً."

ضحك آدم بمرارة. "أنا من صممت تلك الجدران، ونسيت أنني تركت نفسي سجيناً داخلها."

جلسا يتحدثان لساعات. اكتشف أن لينا حذفت جميع تطبيقات التواصل الاجتماعي قبل ستة أشهر. قالت له: "شعرت أنني أعيش حياة الآخرين وأنسى حياتي. أردت أن أرى العالم بعيني، لا من خلال عدسة الكاميرا."

كانت المفارقة مذهلة؛ الرجل الذي يصنع المستقبل الرقمي، والمرأة التي قررت العودة إلى الماضي، التقيا في نقطة تسمى "الآن".

الفصل الخامس: القرار

في نهاية اللقاء، أخرج آدم هاتفه ليرسل لها موقع منزله، لكنه توقف. نظر إلى الجهاز اللامع في يده، ثم نظر إلى لينا.

"ما رأيك لو نلتقي هنا، في نفس الوقت، الأسبوع القادم؟ دون رسائل تأكيد، ودون تذكيرات من التقويم الرقمي؟"

ابتسمت لينا وقالت: "هذا رهان خطير في عصر التشتت، هل تظن أنك ستتذكر؟"

أجابها وهو يضع هاتفه في جيبه بعزم: "الخوارزمية قد تنسى، لكن القلب لا يفعل."

الخاتمة

عاد آدم إلى شقته، لكنه لم يفتح شاشاته الثلاث. بدلاً من ذلك، وقف في الشرفة يراقب النجوم التي كانت تكافح لتظهر خلف أضواء المدينة. أدرك أن الحداثة ليست في الأجهزة التي نمتلكها، بل في قدرتنا على الحفاظ على إنسانيتنا وسط هذا الزحام التقني.

لقد وجد آدم أخيراً "الرسالة المفقودة"، ولم تكن نصاً على شاشة، بل كانت شعوراً بالحرية لم تمنحه إياه أقوى المعالجات في العالم.


 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Abdollah تقييم 3 من 5.
المقالات

5

متابعهم

0

متابعهم

14

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.