وداع في أحضان النهر
وداع في أحضان النهر
كان الغروب ينزف برتقالياً فوق النيل، والفلوكة الصغيرة تتهادى ببطء كأنها تخشى أن تصل إلى الشاطئ. جلس ياسر على حافة الكورنيش، رجلاه تتدليان نحو الماء البارد، وعيناه تتبعان آخر شعاع شمس يغرق خلف مباني الجيزة القديمة.
منذ سنة ونصف، كان يأتي إلى هذا المكان ذاته كل يوم جمعة. لم يكن يحضر شيئاً سوى سيجارة رخيصة وذكرى. ذكرى ليلى. الفتاة التي كانت تضحك بصوت يشبه رنين الأجراس في كنيسة قديمة، والتي وعدته يوماً أنها ستظل تنتظره حتى لو انقلب النهر رأساً على عقب
.
لكن النهر لم ينقلب. هي من رحلت.
في البداية كان الألم حاداً كشفرة، ثم تحول إلى وخز خفيف يزور كلما مرّت فلوكة تشبه تلك التي ركباها معاً ذات مساء. اشترى لها سواراً من فضة رخيص من سوق الجمعة، وهي ضحكت وقالت: «ده مش هيستحمل المية يا ياسر». رمته في النيل بعد شهرين من رحيلها، كأنه يرمي جزءاً من قلبه معه.
اليوم كان مختلفاً. السماء كانت صافية بشكل غريب، والنسيم يحمل رائحة الطين والياسمين معاً. شعر ياسر بشيء يتحرك داخل صدره، ليس ألماً هذه المرة، بل شيئاً أقرب إلى الوداع الحقيقي.
نهض ببطء، ومشى نحو الدرج الحجري الذي ينزل إلى الماء. كان هناك قارب صغير مهترئ مربوط بحبل بالٍ. لم يكن يعرف صاحبه، لكنه لم يهتم. فك الحبل ودفع القارب برفق، ثم صعد إليه.
المجدافان ثقيلان، لكنه جدف ببطء، بعيداً عن الشاطئ. لم يكن يريد الذهاب إلى مكان معين، فقط أن يبتعد قليلاً عن الأضواء والأصوات والذكريات التي تتكدس على الكورنيش.
عندما وصل إلى منتصف النهر تقريباً، توقف. وضع المجدافين جانباً، وأخرج من جيبه ورقة مطوية بعناية. كانت رسالة كتبتها ليلى قبل أن تدخل المستشفى للمرة الأخيرة. لم يقرأها منذ شهور.
«يا ياسر.. لو الدنيا دي سابتك، متخلّيهاش تسيبك أنت كمان. النيل بيجري ومش بيرجع، لكن اللي في القلب بيفضل. خلّيك زي النهر، امشي لقدام حتى لو المية مالحة.»
دمعة سقطت على الورقة، ثم أخرى. طواها مرة أخرى، وقبّلها، ثم ألقاها في الماء برفق. لم تطفُ طويلاً، ابتلعتها الأمواج الصغيرة بسرعة.
رفع عينيه إلى السماء. النجوم بدأت تظهر واحدة تلو الأخرى. لأول مرة منذ زمن، شعر أن صدره أخف. لم يعد يحمل الرسالة، ولا الذنب، ولا الانتظار.
جدف عائداً إلى الشاطئ بقوة أكبر هذه المرة. عندما نزل، ربط القارب في مكانه، ونظر إلى النيل مرة أخيرة. كان الظلام قد ابتلع آخر خيوط الغروب، لكن الأنوار المنعكسة على الماء بدت وكأنها نجوم سقطت من السماء.
مشى مبتعداً عن الكورنيش، خطواته أخف، وفي قلبه شيء جديد: بداية احتمال أن يعيش من جديد.
مشى ياسر بعيداً عن الكورنيش، لكنه لم يعد إلى البيت مباشرة. اتجه نحو شارع القصر العيني، حيث الأضواء الخافتة للمقاهي القديمة والرائحة المعتقة للقهوة المحمصة. توقف أمام مقهى صغير يُدعى "النيل الأزرق"، مكان كان يجلس فيه مع ليلى أحياناً بعد الجامعة. الآن المقهى يبدو أكثر هدوءاً، الكراسي الخشبية المهترئة، والمروحة السقفية تدور ببطء كأنها تتذكر أياماً أفضل.
دخل وطلب شاي بالنعناع. جلس في الركن نفسه الذي كانت تحبه ليلى، بجوار النافذة التي تطل على الشارع الضيق. فتح هاتفه لأول مرة منذ أسابيع، ورأى رسالة قديمة من صديقه عمرو: «يا راجل، متعيشش في الماضي كده. تعالى نتقابل، فيه شغل جديد في شركة تصميم، محتاجين حد زيك.»
لم يرد يومها. الآن، بعد أن ألقى الرسالة في النهر، شعر أن الرد ممكن. كتب بسرعة:
«تمام يا عمرو، هاجي بكرة الصبح. الساعة 10؟»
ضغط إرسال قبل أن يغير رأيه
.
خرج من المقهى بعد ساعة، والليل قد امتلأ بالحياة. مرّ بجوار مجموعة شباب يلعبون طاولة على الرصيف، وضحكة بنت صغيرة تجري وراء كرة. كل شيء بدا حياً بشكل لم يلاحظه منذ زمن. مشى حتى وصل إلى جسر قصر النيل. وقف في المنتصف، ينظر إلى الأنوار الملونة تنعكس على الماء كأن النهر تحول إلى لوحة مضيئة.
تذكر كلام ليلى الأخير في المستشفى: «النيل مش هيوقف يا ياسر... ولا أنت.»
فجأة، سمع صوتاً مألوفاً خلفه. التفت. كانت فتاة تقف على بعد خطوات، تحمل كاميرا قديمة، تصور النهر. ابتسمت بخجل عندما لاحظته ينظر إليها.
«آسفة... مش قصدي أزعجك.»
«لا عادي، أنا كمان بصور النيل بالعين.»
ضحكت ضحكة خفيفة. «أنا سارة. باجي هنا كل ليلة أصور. النيل في الليل بيحكي قصص مختلفة.»
تحدثا قليلاً. سألته عن سبب وقوفه هناك، فأجاب باختصار: «كنت بودّع حد.»
لم تسأل أكثر. قالت فقط: «أحياناً الوداع بيفتح باب جديد.»
تبادلا أرقاماً قبل أن يفترقا. لم يكن وعدًا، ولا بداية حب، فقط لحظة صغيرة أعادت إليه إحساساً بالإمكان.
في الطريق إلى البيت، مرّ بمحل بقالة مفتوح. اشترى علبة ألوان مائية قديمة كان يحبها في الماضي، ودفتر رسم صغير. لم يرسم منذ رحيل ليلى. الليلة، قرر يجرب.
وصل البيت، فتح الشباك المطل على النيل البعيد. وضع الدفتر أمامه، وبدأ يرسم خطوطاً بسيطة: فلوكة، نهر، ضوء غروب، وفي الخلفية ظل شخص يمشي بعيداً.
لم يكن الرسم مثالياً، لكنه كان صادقاً.
في الصباح التالي، استيقظ باكراً. ارتدى قميصاً نظيفاً، وحمل معه الدفتر. توجه إلى مقابلة العمل، وفي قلبه شيء جديد: ليس نسياناً، بل قبولاً أن الحياة – مثل النيل – تستمر في الجريان، حتى لو حملت معها بعض الألم
والنيل، كعادته، ظل يجري، يحمل الذكريات والأحلام والوداعات، ويعيد إنتاج الحياة كل يوم من جديد.