أولاد الظل الفصل الثالث المتجر الآمن

أولاد الظل الفصل الثالث المتجر الآمن

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

سالم لم ينتظر جوابها.

نهض من كرسيه الخشبي ببطء، عظامه تصدر صريراً يشبه صرير الباب الخفي في المرآب. 

رمى بقية سيجارته على الرصيف، سحقها بحذائه البالي، ثم التفت إليها:

— اتبعي خطواتي بالضبط. لا تنظري خلفك. لا تتكلمي. فقط امشي.

ليلى تبعته.

سوق نايف في الثالثة صباحاً ليس كسوق نايف في النهار. المحلات مغلقة، مصاريعها الحديدية منزلة كأجفان ثقيلة. 

عمال النظافة يجرفون أكوام النفايات، رائحة السمك المجفف والبهارات لا تزال عالقة في الهواء. لا أحد ينظر إليهما.

سالم قادها عبر متاهة من الأزقة الضيقة، يلتفت يميناً، ثم يساراً، ثم يميناً مجدداً. ليلى فقدت اتجاهها بعد الدقيقة الأولى. 

كانت تثق به، أو ربما كانت يائسة جداً لدرجة أن الثقة لم تعد خياراً.

— هنا. همس وهو يتوقف أمام محل إلكترونيات قديم، واجهته مغبرة، نوافذه تعرض أجهزة راديو من الثمانينات وهواتف أرضية صفراء.

"إلكترونيات العادل – منذ 1972"

image about أولاد الظل الفصل الثالث المتجر الآمن

سالم أخرج مفتاحاً من جيب صدرية، فتح القفل المزدوج، ودخل. ليلى تبعتته. أغلق الباب خلفها، وأسدل ستارة معدنية رفيعة.

الظلام كان كفيفاً. ثم سمعت صوت مفتاح كهربائي. أضواء فلورسنت خافتة اشتعلت في السقف، تكشفت عن محل ضيق، طويل، كأنه نفق.

— تعالي إلى الخلف. قال سالم بصوت منخفض.


🎒 حقيبة الطوارئ

في غرفة خلفية صغيرة، مكتظة بصناديق كرتونية وأجهزة تلفاز قديمة، فتح سالم خزانة حديدية ملحقة بالجدار. 

بداخلها، حقيبة سوداء صغيرة، بحجم حقيبة اليد النسائية.

— هذا لك. وضع الحقيبة على طاولة مليئة بقطع غيار الراديو. يوسف أعدها قبل ستة أشهر. قال إنك ستأتين يوماً.

ليلى لم تلمس الحقيبة. نظرت إلى سالم، عيناها تحترقان بأسئلة لا تعرف من أين تبدأ.

— ماذا يحدث، سالم؟ من أنت حقاً؟ من هو يوسف حقاً؟

تنهد سالم. جلس على كرسي بلاستيكي مكسور، ومسح وجهه بيده المتعبة.

— كنت سائقاً لعائلة يوسف منذ أربعين سنة. قدت والده إلى عمله كل صباح. قدت يوسف إلى مدرسته أول يوم دراسي. 

كنت معهم حين ماتت والدته، وحين سافر يوسف إلى لندن، وحين عاد.

نظر إلى ليلى.

— ويوسف... هو مثل ابني. لكن ابني هذا، يا سيدتي، لم يكن مجرد رجل أعمال ناجح. يوسف كان عميلاً.


الكلمة علقت في الهواء كرصاصة بطيئة.

— عميلاً؟ عميلاً لمن؟

سالم أخرج سيجارة أخرى، أشعلها رغم حظر التدخين داخل المحل.

— للجميع. للجميع في البداية. للأجهزة الأمنية الإماراتية، لحماية شركات التكنولوجيا الوطنية. ثم للبريطانيين، 

حين عرضوا عليه ضعف الراتب. ثم للأمريكيين، حين عرضوا عليه ضعف ما يعرضه البريطانيون.

زفير دخان طويل.

— لكنه في النهاية لم يعد يعمل لأحد. كان يعمل ضد الجميع. ثلاثي الولاءات؟ لا. يوسف أصبح خائناً للجميع

لأنه اكتشف أن جميع أسياده كانوا يعملون لصالح منظمة واحدة.

مشروع أطلس.

ليلى تذكرت الاسم. قرأته في رسالة يوسف المشفرة قبل ساعات. المشروع.

— ما هو مشروع أطلس، سالم؟

سالم نظر إليها بعينين حزينتين.

— لست متأكداً. ولا يوسف متأكد. لكنه يعرف شيئاً واحداً: هم يريدون ما في هذه القلادة. وهذا يعني أن ما في هذه القلادة يستحق الموت من أجله.


📱 محتويات الحقيبة

ليلى فتحت الحقيبة.

هاتفان: أحدهما محترق، وهو نفس الهاتف الذي وجدته في المرآب. والآخر جديد، أسود، غير ملموس.

جواز سفر: باسم لينا سعادة. صورتها، لكن الاسم مختلف، الجنسية مختلفة. كندية.

بطاقات ائتمان: ثلاث بطاقات، بأسماء مختلفة، كلها تعود لحسابات مصرفية نشطة.

جهاز صغير: بحجم ولاعة السجائر، عليه شاشة LED ومؤشر يضيء بالأخضر. جهاز كشف التنصت.

مظروف بني: مختوم بشمع أحمر، منقوش عليه حرف Y.

— هذا المظروف، قال سالم، أوصاني يوسف ألا تفتحيه إلا في مكان آمن. هذا المكان ليس آمناً.

— أين المكان الآمن؟

سالم نظر إلى ساعته.

— ليس لدينا وقت. هم يعرفون أنني الوحيد المتبقي على قيد الحياة من شبكة يوسف القديمة. سيتتبعونني.

كما لو أنه استدعى القدر بكلماته، سمع صوت اصطدام معدني من جهة الواجهة الأمامية للمحل.

سالم وقف فجأة.

— جاءوا. أسرع!


🚪 الهروب من الخلف

سالم جر ليلى من ذراعها، قادها عبر متاهة الصناديق الكرتونية إلى مؤخرة المحل. هناك، خلف ستارة بالية، كان باب حديدي صغير.

— هذا الباب يؤدي إلى زقاق خلفي. امشي شمالاً مئة متر، ستجدين سوق التوابل. امتزجي بالجموع.

— وأنت؟ ماذا عنك؟

— أنا سأشتري لك وقتاً.

— سالم، لا!

— استمعي إلي. يوسف أحبك أكثر مما أحب أي شيء في حياته. أنتِ السبب الوحيد الذي جعله يقرر إنهاء هذه اللعبة. لا تجعلي تضحيته تذهب هدراً.

دفع الباب بقوة. هواء الليل البارد تسلل إلى الغرفة الخلفية.

— اركضي. لا تنظري خلفك.

ليلى وقفت عاجزة، دموعها تحرق عينيها.

— اركضي! الآن!

ركضت.


الزقاق كان مظلماً، تفوح منه رائحة القمامة والرطوبة. ركضت شمالاً كما قال سالم، خطواتها تتردد على الأسفلت المتشقق. 

مئة متر. ثم رأت أنوار سوق التوابل في الأفق، أصوات الباعة الأولى تبدأ بالظهور.

ثم سمعت الطلقات.

واحدة. اثنتان. ثلاث.

توقفت.

قلبها توقف معها.

سالم.

رغبت في العودة، في الركض باتجاه الصوت، في فعل أي شيء غير الهروب. لكن جسدها لم يستجب. كان مشلولاً بالخوف والحزن والغضب.

ثم تذكرت كلماته: "لا تجعلي تضحيته تذهب هدراً."

أكملت الركض.


🌶️ سوق التوابل

السوق كان يبدأ بالحياة. باعة الهيل والزعفران يفرشون بضاعتهم على الأرصفة، عمال النظافة يرشون الماء لغبار الأمس.

 ليلى اندست بينهم، تخفي وجهها بغطاء رأسها، تمسك بحقيبتها السوداء كأنها متعلقها الوحيد في العالم.

توقفت عند كشك صغير، طلبت كوباً من الشاي بالحليب. يداها ترتجفان لدرجة أن الكوب كاد يسقط.

نظرت إلى الهاتف النظيف في حقيبتها، ثم إلى الشاشة.

العد التنازلي لا يزال مستمراً.

67:42:11

67 ساعة.

ولديها مظروف مختوم باسم يوسف، وقلادة باردة تخدش صدرها، وسائق عجوز مات ليمنحها ثلاثين ثانية إضافية من الهروب.

جلست على الرصيف، بين أكياس الهيل وعبوات ماء الورد، وبكت.

بكت للمرة الأولى منذ بدأ هذا الكابوس.


يتبع...

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mohamed Hasan تقييم 5 من 5.
المقالات

5

متابعهم

2

متابعهم

3

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.