أولاد الظل الفصل الرابع رسالة من الماضي
كوب الشاي برد في يديها
ليلى لم تكن تشرب، فقط تمسك بالكوب كي تتوقف يداها عن الارتجاف. جلست على رصيف سوق التوابل،
بين أكياس الهيل وعبوات ماء الورد، وحقيبة سالم السوداء في حضنها.
المظروف البني.
مختوم بشمع أحمر، منقوش عليه حرف Y. يوسف.
فضت الختم بأصابعها المرتعشة. داخل المظروف، ورقة واحدة، مطوية بدقة عسكرية. فتحتها.
"حبيبتي ليلى،
إذا كنت تقرئين هذا، فأنا على الأرجح مختفٍ. أو ميت. أو شيء بينهما.
لا تصدقي أي شيء يخبرك به anyone. حتى سالم. حتى نفسك أحياناً.
اذهبي إلى المكان. الجدار الشرقي، تحت البلاط السابع. هناك ستعثرين على أول قطعة من الحقيقة.
لا تثقين بسوى سارة. هي الوحيدة التي تعرف.
آسف. آسف لأني جررتك إلى هذا العالم. آسف لأني أحببتك وأنا أعلم أن هذا سيحدث.
يوسف
PS: القلادة ليست مجرد قلادة. تذكري: نبضك هو المفتاح."
ليلى أعادت قراءة الرسالة ثلاث مرات. الكلمات كانت ترقص أمام عينيها، تتداخل، تتباعد، تعود.
المكان. الجدار الشرقي، تحت البلاط السابع.
كانت تعرف أي مكان يقصد. المكان الوحيد الذي قال فيه يوسف "أحبك" للمرة الأولى.
ليس في شقة فاخرة، ولا في مطعم فخم، بل في فيلا قديمة في حي الروضة، حيث كانت تقيم خالته التي ربتّه بعد وفاة والدته.
الفيلا بيعت منذ سنوات. لكن يوسف احتفظ بمفتاحها. قال إنه يزورها أحياناً ليشعر بقرب أمه.
تحت البلاط السابع في الجدار الشرقي.
ماذا سيجد هناك؟
📱 الهاتف النظيف
خرجت من السوق، مشت باتجاه فندق رخيص على شارع الاتحاد. دفعت نقداً، لم تطلب إيصالاً.
الغرفة في الطابق الثالث، تطل على شارع مزدحم، ستائرها صفراء من دخان السجائر.
أغلقت الباب، أرخَت الستارة، جلست على حافة السرير.
فتحت الهاتف النظيف.
الشاشة اشتعلت بتطبيق واحد فقط، مثبت مسبقاً: أيقونة قلادة، لونها رمادي، تنتظر.
ضغطت عليها.
"أدخل كلمة المرور."
فكرت. تاريخ زواجهما؟ 14 مارس 2018. 140318. سبعة أرقام.
لا. ثمانية أحرف في البرايل. سبعة أحرف في الشيفرة الأولى.
جربت: Absolom
الباب انفتح.
على الشاشة، ظهر مجلد واحد: "ليلى"
فتحته.
ملف فيديو واحد. مدته 4 دقائق و37 ثانية. تاريخ التسجيل: قبل أسبوع.
ضغطت تشغيل.
وجه يوسف ملأ الشاشة.
كان في مكان مظلم، إضاءة خافتة فقط، ملامحه متعبة، لحية خفيفة لم يحلقها منذ أيام. لكن عينيه،
عيناه كانتا كما هي: واسعتان، عميقتان، تملؤهما تلك النظرة التي جعلتها تقع في حبه قبل خمس سنوات.
"ليلى... إذا كنت تشاهدين هذا، فالأمر سيء جداً."
صوته كان مبحوحاً، كأنه لم ينام منذ أيام.
"أنا آسف. أعرف أن هذه الكلمة لا تكفي، لكنها كل ما أملك. آسف على كل كذبة قلتها، على كل حقيقة أخفيتها، على كل لحظة جعلتك فيها تعتقدين أنك تعرفين من أنا."
توقف. أخذ نفساً عميقاً.
"الحقيقة أنك لا تعرفينني. ولا أريدك أن تعرفيني. أريدك فقط أن تنجي. اذهبي إلى المكان. الجدار الشرقي،
تحت البلاط السابع. هناك ستعثرين على مفتاح. ليس مفتاح باب، مفتاح حقيقة. مفتاح فضي صغير، شبيه بسن المفتاح القديم."
نظر إلى الأسفل، ثم رفع عينيه مجدداً.
"سارة تعرف الباقي. سارة الوحيدة التي لا تزال تستحق ثقتك. اذهبي إليها. ستساعدك."
صمت. ثم ابتسم. تلك الابتسامة الواسعة، المشرقة، التي أحبتها.
"أحبك، يا ليلى. أحبك أكثر من الحقيقة. أكثر من الكذبة. أكثر من كل شيء."
توقف الفيديو.
ليلى لم تكن تبكي. دموعها كانت قد جفت في سوق التوابل. كانت تحدق في الشاشة السوداء، تشعر بشيء يموت بداخلها، وشيء آخر يولد.
الغضب.
ليس الغضب منه. الغضب من نفسها. كيف عاشت معه خمس سنوات ولم ترَ شيئاً؟ كيف كانت عمياء إلى هذا الحد؟
هزّت رأسها، مسحت وجهها بكم قميصها. لا وقت للانكسار.
فتحت تطبيق القلادة على الهاتف، لترى العد التنازلي.
59:22:47
توقف قلبها.
كان 67 قبل ساعة. خسرت ثماني ساعات. كيف؟
ثم رأت الرسالة أسفل الشاشة:
"تم كسر مستوى الأمان 1. العقوبة: فقدان 8 ساعات."
مستوى الأمان؟ ماذا يعني ذلك؟ كل ما فعلته هو فتح الرسالة التي تركها لها.
إذن، حتى هذا كان خطيراً. حتى رسالة الحب كانت فخاً.
🗺️ الخريطة في القلادة
رفعت القلادة من صدرها، تفحصها تحت ضوء المصباح الخافت. الزجاج الداكن في مركزها بدا معتماً، عادياً.
لكن عندما لمسته بإصبعها، اشتعل فجأة بضوء أزرق ناعم. ثم ظهرت خريطة.

خريطة دبي. نقطة حمراء تومض في منطقة الروضة. المكان.
وتاريخ وساعة: غداً، 8:00 مساءً.
كانت القلادة تحدد لها موعداً.
أو كان يوسف يحدد لها موعداً.
أغلقت التطبيق. وضعت القلادة تحت قميصها، ملامسة لصدرها. شعرت بنبض قلبها يتردد في المعدن البارد.
"نبضك هو المفتاح."
ماذا يعني ذلك؟
🛏️ ساعة من النوم
كانت الساعة الخامسة صباحاً. لم تنم منذ 48 ساعة.
جسدها كان منهكاً، لكن عقلها كان مشتعلاً. أغلقت عينيها، فقط لدقائق. فقط لترتاح.
في غفوتها القصيرة، حلمت بيوسف.
كانا على شاطئ في جزر المالديف، في شهر العسل الذي لم يأخذا منه سوى ثلاثة أيام قبل أن يستدعيه العمل.
كانت تضع القلادة حول عنقها، وكان هو ينظر إليها بتلك النظرة.
"هل تخافين؟" سألها في الحلم.
"لا." كذبت.
"يجب أن تخافي. أنا أخاف كل يوم."
"ممن؟"
نظر إلى البحر. ثم قال شيئاً لم تفهمه:
"من أن أصبح الشخص الذي يستحقك."
استيقظت على صوت أذان الفجر.
كانت السادسة صباحاً. لديها 38 ساعة قبل الموعد الذي حددته القلادة.
وقررت.
ستذهب إلى الروضة. ستكسر البلاط السابع. ستجد المفتاح الفضي.
وبعدها، ستجد سارة. ثم ستجد يوسف.
أو ستموت وهي تحاول.
يتبع...