جثة في الظلام  ( الفصل الثالث )

جثة في الظلام ( الفصل الثالث )

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 الفصل الثالث: وريث العتمة

كانت البرودة التي تسللت إلى جسد أحمد أعمق من برودة الشتاء؛ كانت برودة "الفراغ". شعر وكأن خلاياه تُعاد صياغتها، كأن السائل الأرجواني الذي حقنه شريف يلتهم بشريته قطعة قطعة. سقط مسدسه على الأرض المعدنية، محدثاً رنيناً بدا لأذنيه كأنه صاعقة رعدية في زنزانة ضيقة.

فتح أحمد عينيه، لكنه لم يرَ القبو كما كان. الجدران لم تعد صلبة، بل بدأت تخرج منها وجوه شاحبة، مئات الأرواح التي سكنت هذا المستشفى المهجور عبر العقود. كان يسمع همساتهم؛ أصواتاً متداخلة تشكو من جروح قديمة، وأخرى تضحك ضحكات هستيرية.

"أهلاً بك في 'البصيرة'، يا صديقي العزيز،" قال شريف وهو ينحني فوقه، ملامح وجهه مشوهة في نظر أحمد المترنح. “أنت الآن ترى العالم كما أراه أنا. لا زيف، لا أقنعة.. فقط الجوهر العاري.”

image about جثة في الظلام  ( الفصل الثالث )

رفع شريف أحمد ووضعه على طاولة خشبية قديمة، كانت تفوح منها رائحة دماء جافة وسنوات من الألم. لم يستطع أحمد المقاومة؛ أطرافه كانت مخدرة تماماً، لكن حواسه كانت حادة لدرجة التعذيب. كان يشعر ببرودة المشرط وهو يمر فوق جلده دون أن يقطعه، مجرد تهديد صامت.

"لماذا تفعل هذا؟" خرجت الكلمات من فم أحمد محملة بالدم واليأس.

توقف شريف عن الحركة، وتجمدت عيناه لثوانٍ. “لأنني أبحث عن الخلل، يا أحمد. في كل جسد أشرحه، أبحث عن تلك اللحظة التي تنفصل فيها الروح عن اللحم. أريد أن أعرف أين يختبئ الخوف وأين يسكن الشر. هل تعرف؟ الصمت الذي يعقب الصرخة الأخيرة هو المقطوعة الموسيقية الوحيدة الصادقة في هذا الكون.”

بدأ شريف يعمل ببراعة شيطانية. لم يكن ينوي قتل أحمد، بل كان ينوي "تعديله". أخرج مجموعة من الخيوط الحريرية السوداء وبدأ بخياطة رموز غريبة على معصمي أحمد، رموزاً بدأت تضيء بنور خافت مع كل غرزة. “أنت الآن وسيطي. ستخرج من هنا بجسد شرطي، لكن برؤية كيان لا يعرف الرحمة. ستكون عيني التي تبحث لي عن 'الخامات' الجديدة في شوارع المدينة.”

بينما كان شريف منغمساً في عمله، بدأت نوبة غريبة تنتابه. ارتجفت يده التي تحمل المشرط، وهو أمر لم يحدث من قبل. نظر إلى أحمد، لكنه لم يرَ الضابط؛ رأى في انعكاس عيني أحمد طفلاً صغيراً يبكي في زاوية مختبر تشريح قديم، طفلاً كان يشاهد والده وهو يمزق جسداً بلا رحمة تحت ضوء مصباح زيتي خافت.

"لا.. ليس الآن،" زمجر شريف، ضاغطاً على رأسه بقوة وكأنه يحاول طرد ذكرى ملعونة. “أنا لست هو.. أنا أكمل ما عجز عنه. هو كان يقتل للذة، أما أنا فأقتل للعلم.. للخلود!

التفت شريف نحو جثة سارة المعلقة، وبدأ يخاطبها كأنها حية: “أليس كذلك يا عزيزتي؟ أخبريه كيف أنني أنقذتك من قبح الحياة ومنحتك قدسية الموت. أخبريه عن تلك الغرفة المظلمة التي نشأتُ فيها، حيث كانت العظام هي ألعابي الوحيدة، والصرخات هي تهويدتي قبل النوم.”

تحولت نظرات شريف إلى حالة من الذهول المرعب. بدأ يهلوس بكلمات عن "الميراث الملعون" وعن "وصية الأب" التي كُتبت بالدم على جدران قبو قديم في ضواحي المدينة. كان واضحاً أن هذا الطبيب العبقري ليس سوى نتاج لآلة دمار بدأت قبل ولادته بسنوات طويلة.

استجمع أحمد ما تبقى من قوته، وبحركة مفاجئة ناتجة عن الأدرينالين الصافي، دفع شريف بعيداً عنه. سقط شريف وسط الشموع السوداء، لتشتعل النيران في عباءته الطبية. لم يصرخ شريف، بل وقف بهدوء والنار تلتهم طرف ثوبه، ضاحكاً ببرود مرعب.

"تظن أنك هربت؟" قال شريف بصوت عميق يهز أركان القبو. “لقد وضعتُ في دمك جزءاً مني. أينما ذهبت، ستسمع صوتي. ستشم رائحة الموت في طعامك، وسترى وجوه ضحاياي في كل مرآة تنظر إليها. أنت الآن 'العمل الفني' الذي لم يكتمل بعد.”

انفجر أنبوب بخار في القبو، ليملأ المكان بضباب كثيف. استغل أحمد الفرصة وزحف نحو الممر السري، متسلقاً السلالم بصعوبة بالغة وهو يسمع خلفه صدى خطوات شريف الثقيلة وضحكاته التي توحي بأنه يتركه يرحل عمداً.. كصياد يطلق سراح فريسته ليتسلى بمطاردتها لاحقاً.

خرج أحمد إلى ساحة المستشفى الخارجية، والماء ينهمر من السماء كأنه يحاول غسل الدنس الذي أصابه. نظر إلى يديه، ليجد أن الخيوط السوداء قد اختفت تحت جلده، لكنه شعر بنبضها داخل عروقه.

ظن احمد أنه نجا لكن هذه كانت بداية الكابوس 

عاد أحمد إلى سيارته، لكنه عندما نظر في المرآة، لم يرَ وجهه. رأى وجه شريف يبتسم له من خلف كتفه، ثم تلاشت الصورة. أدرك أحمد أن المعركة لم تنتهِ، بل بدأت للتو بشكل أكثر بشاعة.

بينما كان يقود مبتعداً، كان شريف يقف عند نافذة المشرحة العلوية، يراقب السيارة وهي تختفي في الأفق. لم يكن حزيناً على هروب أحمد، بل كان متحمساً. مسح غباراً عالقاً على صورة قديمة في جيبه؛ صورة لرجل يشبهه تماماً يقف بجانب طفل صغير يمسك بيد جثة.

همس شريف للظلام: **"قريباً يا أحمد.. ستعرف لماذا أصبحتُ هكذا. ستعرف حكاية 'المبضع الأول' الذي شق صدري قبل أن يشق أجساد ضحاياي. الماضي لم يمت.. إنه فقط ينتظر دوره ليتكلم."**

image about جثة في الظلام  ( الفصل الثالث )

**ترقبوا في الجزء القادم: "جذور الخطيئة".. حيث نعود إلى طفولة دكتور شريف، ونكشف السر المظلم الذي حوّل طفلاً بريئاً إلى سيد للمشرحة، وكيف بدأت أول جريمة في تاريخ هذه العائلة الملعونة.**

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Revin تقييم 5 من 5.
المقالات

3

متابعهم

2

متابعهم

2

مقالات مشابة
-