حين يهمس الصمت

حين يهمس الصمت

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about حين يهمس الصمت

رواية: حين يهمس الصمت

​لم يكن "آدم" يؤمن بالخرافات، كان يؤمن فقط بما يمكن قياسه بالذبذبات. كباحث في الفيزياء الصوتية، كان يقضي حياته في المختبرات المعزولة، حتى جاءه ذلك الاتصال الذي غيّر كل شيء. توفي عمه "احمد" في ظروف غامضة داخل "بيت العزلة"، وهو قصر متهالك بني فوق تلة بركانية خامدة في أطراف الشمال.

​وصل آدم إلى القصر في وقت الغروب، كانت السماء بلون كدمة بنفسجية قديمة. القصر لم يكن مجرد بناء، كان يبدو وكأنه "جهاز" ضخم؛ أنابيب نحاسية غريبة تخرج من الجدران وتدخل في الأرض، ونوافذ ضيقة مصممة بحيث لا تسمح بمرور النسيم.

​عندما وضع آدم قدمه داخل الردهة، شعر بشيء لم يعهده من قبل. لم يكن هدوءاً، كان "ضغطاً". وكأن الصمت هنا له كتلة ووزن يضغط على رئتيه.

​أمضى آدم الأيام الأولى في تفريغ صناديق عمه. وجد أجهزة لم يرَ مثلها في الجامعة: ميكروفونات مغطاة بجلد حيواني رقيق، وأسطوانات شمعية محفور عليها ترددات غير مفهومة.

​في ليلته الرابعة، قرر آدم تشغيل جهاز "الرنين المغناطيسي الصوتي" الذي صممه عمه. كان الهدف هو التقاط "أصوات الماضي" المحتبسة في المسامات الحجرية للجدران. وضع السماعات الضخمة، وأدار القرص ببطء.

​في البداية، لم يسمع سوى خشخشة بيضاء . لكن، مع انتصاف الليل، بدأ الصوت يتغير. تحول من ضجيج إلى إيقاع. كان يشبه ضربات قلب ضخمة، لكنها بطيئة جداً، دقة واحدة كل دقيقة. ومع كل دقة، كان الغبار على الطاولة يقفز بشكل عمودي وكأن الجاذبية تُفقد للحظة.

​بينما كان آدم غارقاً في تسجيلاته، لاحظ أن القطة التي أحضرها معه، "ليلي"، تقف متصلبة أمام جدار الردهة الرئيسي. كانت تحدق في نقطة فراغ، وشعر ظهرها منتصب تماماً. فجأة، بدأت القطة "تموء" لكن دون أن يخرج منها صوت. كانت تفتح فمها بصرخة رعب واضحة، لكن الغرفة بقيت صامتة تماماً.

​اندفع آدم نحوها، وحين لمسها، شعر بصعقة برودة جمدت أصابعه. في تلك اللحظة، التقطت سماعاته صوتاً آتياً من خلف الجدار.. صوت همس لآلاف الحناجر التي تحاول النطق في وقت واحد:

​"آدم... لقد تأخرت... الصمت يحتاج لسانك ليتم القصيدة."

​تراجع آدم للخلف، ليسقط على الأرض. نظر إلى المرآة الكبيرة في الردهة، ولم يرَ انعكاسه. رأى "شيئاً" يرتدي ثيابه، لكن وجهه كان عبارة عن دوامة من الدخان الأسود، وعيناه كانتا ثقبين يمتصان الضوء من الغرفة.

​اكتشف آدم مذكرات عمه مخبأة داخل تجويف في الحائط. كانت المذكرات مكتوبة بلغة غريبة، لكن الصور كانت واضحة: رسومات لبشر يقطعون ألسنتهم ويضعونها في جرار زجاجية كقرابين لكائن يُدعى "سيد السكون".

​كتب عمه في الصفحة الأخيرة:

​"يا من تقرأ، اهرب قبل أن يغلق القصر مخارجه. الصمت هنا ليس غياباً للصوت، بل هو كائن مفترس. هو يجمع الأصوات ليخلق (الكلمة المحرمة). إذا نطقها، سيتوقف قلب الكون."

​حاول آدم الهروب، لكنه اكتشف أن الأبواب لم تعد تفتح على الخارج. كلما فتح باباً، وجد نفسه يعود إلى نفس الغرفة، وفي كل مرة، كان الصمت يصبح أكثر "صخباً". بدأ يسمع دقات قلبه كأنها طبول حرب، وصوت تدفق الدم في عروقه أصبح يشبه زئير الشلالات.

​كان الصمت يلتهمه من الداخل، محولاً أفكاره إلى أصداء تعذبه. وأمام عينه، بدأت جدران القصر تفتح "أفواهاً" صغيرة، كانت تلك هي الألسنة المفقودة للضحايا السابقين، بدأت تهمس باسمه في سيمفونية جنائزية مرعبة.

​ وجد آدم نفسه محاصر في وسط الردهة، والمرايا من حوله تبدأ في التصدع، بينما يخرج من التصدعات سائل أسود لزج يزحف نحو قدميه، وصوت يهمس في أذنه: “لا تخف.. الكلمات مؤلمة.. الصمت هو الشفاء.”

​بينما كان السائل الأسود يزحف نحو قدمي "آدم"، بدأ القصر يتلوى كأنه كائن حي. الأنابيب النحاسية التي لاحظها آدم عند وصوله بدأت تهتز وتصدر صفيراً حاداً، لكنه ليس صفيراً هوائياً، بل كان يشبه "عويل" آلاف البشر في لحظة احتضارهم.

​أدرك آدم أن القصر ليس مجرد سجن، بل هو "آلة موسيقية عملاقة" تتغذى على الأرواح. سحب آدم قدمه من السائل اللزج، لكنه اكتشف أن ظله قد انغمس في ذلك السواد وتعثر. عندما حاول شد ظله، شعر بآلام حادة في عموده الفقري، وكأن شيئاً ما يمزق روحه من جسده.

​في زاوية الغرفة، بدأت الألسنة المعلقة في الجدران تتحرك بانتظام، وبدأت تنشد بلغة قديمة، لغة تسبق وجود البشر. ومع كل مقطع صوتي تنطقه تلك الألسنة، كان جزء من الغرفة يتلاشى ويتحول إلى فراغ أسود مطلق.

​هرب آدم باتجاه السلم المؤدي للقبو، آملاً أن يجد مخرجاً اضطرارياً أو سلاحاً تركه عمه. في القبو، كانت الرائحة تشبه رائحة الورق القديم الممزوج بالدم الجاف. وجد هناك "غرفة العزل المطلق"؛ غرفة مغلفة بطبقات من الرصاص والفلين الصخري.

​دخل آدم وأغلق الباب خلفه. للحظة، ساد هدوء حقيقي. لكن هذا الهدوء كان الفخ الأكبر.

فجأة، رأى في ركن الغرفة جثة عمه "منصور". لم تكن جثة متحللة، بل كانت "محنطة بالصمت". كانت عيناه مفتوحتين، وفمه مفتوحاً في وضعية صرخة أبدية، لكن لسانه كان مفقوداً.

​على صدر الجثة، كانت هناك آلة تسجيل قديمة تعمل بكرات الخيوط المغناطيسية. ضغط آدم على زر التشغيل، ليرتعد جسده وهو يسمع صوت عمه المسجل:

​"يا آدم.. لا تحاول كتم صوتك، فهذا ما يريدونه. إنهم يتغذون على الصمت الذي نخزنه داخلنا. اصرخ! اصرخ بكل ما أوتيت من قوة! الصرخة هي السلاح الوحيد الذي يكسر هندسة هذا المكان!"

​قبل أن يتمكن آدم من الصراخ، انهار سقف الغرفة. ظهر الكائن... "سيد السكون".

لم يكن له شكل ثابت؛ كان طوله يتجاوز الأمتار الثلاثة، جسده مكون من ملايين الحبال الصوتية المقطوعة التي تتلوى كالأفاعي. وجهه كان مسطحاً تماماً بلا عينين أو أنف، فقط فم ضخم يمتد على طول جسده، وكلما فتحه، امتص الضوء والصوت من حوله.

​مد الكائن يده الطويلة التي تنتهي بأصابع تشبه "إبر الجراموفون" الحادة، وغرس إصبعه في رقبة آدم، ليس لقتله، بل لـ "ضبط" أوتاره الصوتية.

شعر آدم بجسده يتحول إلى خشب، وبأمعائه تتحول إلى أوتار مشدودة. كان الكائن يحوله إلى "آلة موسيقية بشرية".

​همس الكائن في عقل آدم (صوت يشبه طحن العظام):

​"أنت اللحن الذي كنت أنتظره منذ قرون.. بصمتك، سنعزف نوتة النهاية."

​في لحظة اليأس الأخيرة، تذكر آدم نصيحة عمه. جمع كل ذكرياته، كل ألمه، كل غضبه، وكل الحب الذي شعر به يوماً ما، وحوله إلى طاقة في حنجرته. لم يحاول نطق كلمات، بل أطلق "صرخة" بدائية، صرخة الوجود ضد الفناء.

​كانت الصرخة قوية لدرجة أن الأنابيب النحاسية انفجرت، والمرايا تحطمت إلى غبار ناعم. كائن الصمت تراجع وهو يرتجف، فصوته لا يتحمل الترددات "الحية".

​انفجر القصر من الداخل نتيجة ضغط الصوت. استيقظ آدم في الصباح التالي وسط أنقاض القصر، كانت أذناه تنزفان، وكان العالم من حوله صامتاً.. لكنه صمت طبيعي، صمت الريح والشجر.

​نهض آدم بصعوبة، وحاول الكلام، لكنه لم يستطع. لقد فقد صوته للأبد في تلك الصرخة الأخيرة. وبينما كان يغادر "تل الرماد"، نظر خلفه ليرى وسط الحطام.. "لساناً" بشرياً صغيراً يتحرك وحده على الأرض، يهمس باسم "آدم" بنبرة ساخرة.

​لقد نجا بجسده، لكن الصمت.. الصمت أخذ قطعة منه سيظل يهمس بها في ذلك المكان للأبد.

عاد آدم إلى المدينة، لكنه كان يشعر بفراغ مادي في صدره، كأن "القطعة" التي تركها في القصر قد خلفت وراءها "ثقباً دودياً" في روحه. كان يرى العالم كأنه صورة باهتة، وكان الصمت الذي يتبعه يهمس له بصوته هو، لكن بنبرة أكثر عمقاً وظلمة.

​لم يكن يعلم أن "سيد السكون" كان مجرد "حارس البوابة"، وأن موته هو الذي فك القيد عن الوحش الحقيقي: "نيغاروث.. ملتهم الترددات".

​في ليلة سوداء، بدأت الأرض تهتز في قرية "تل الرماد". القصر لم ينهار فحسب، بل "ابتلعته" الأرض. ومن تلك الحفرة، خرج "نيغاروث".

​لم يكن "نيغاروث" كائناً من دخان أو ظلال، كان وحشاً من "المادة المظلمة" واللحم الحيوي المشوه. طوله يناطح السحاب، وجسده مغطى بآلاف الآذان البشرية التي تنزف صديداً ذهبياً، وله فم واحد ضخم يمتد على طول عموده الفقري. هذا الوحش لا يريد سرقة الأصوات.. إنه يريد "أكل الاهتزازات".

​بمجرد خروجه، صمتت الرياح تماماً. توقفت عقارب الساعات. تجمدت الطيور في الهواء وسقطت كالحجارة. "نيغاروث" يمتص الطاقة الحركية من الجزيئات؛ إنه الوحش الذي يحول الكون إلى "الصفر المطلق".

​وصلت العدوى إلى المدينة قبل أن يصل الوحش. استيقظ آدم ليجد أن جاره في الشقة المجاورة قد تحول إلى تمثال ملحي. لم يمت، بل تجمدت ذرات جسده تماماً لأن "نيغاروث" امتص "صوت حياته".

​نظر آدم من النافذة، ورأى الوحش يقترب في الأفق. كان "نيغاروث" يسير بلا صوت، لكن مع كل خطوة، كان يمحو الألوان من العالم، محولاً كل شيء إلى رماد بارد.

سمع آدم صوته (القطعة المفقودة) تصرخ في عقله:

​"آدم.. اهرب! سيد السكون كان يحمينا من هذا الجوع! لقد قتلت القفل، والآن الوحش جائع!"

​أدرك آدم أن الأسلحة التقليدية، وحتى "الضجيج الأبيض"، لن تنفع مع "نيغاروث"، لأن الوحش سيمتص الضجيج كأنه وجبة خفيفة.

الحل الوحيد كان في "المفارقة الصوتية".

​تذكر آدم بحثاً قديماً لعمه عن "الصوت الذي يقتل نفسه". كان عليه أن يجد "التردد السالب"، وهو تردد نظري يحطم الروابط الذرية للمادة المظلمة. لكن هذا التردد لا يمكن توليده من آلة، يجب أن ينبع من "قلب محطم" وعقل يعيش في لحظة احتضار.

​وقف آدم في ساحة المدينة المهجورة، حيث وقف "نيغاروث" أمامه كالجبل. الوحش فتح فمه العظيم، وبدأ آدم يشعر ببرودة قاتلة تسري في عروقه. ذرات جسده بدأت تتوقف عن الحركة.

​في تلك اللحظة، استدعى آدم "القطعة المفقودة" منه. صرخ في داخله: “عودي إليّ! لا نحتاج للصمت، نحتاج للصرخة التي تسبق الانفجار العظيم!”

​وفجأة، حدث شيء لم يتوقعه الوحش. "القطعة المفقودة" عادت لآدم، لكن ليس كصوت، بل كـ "شرارة". التحم آدم مع صدى روحه، وانطلقت منه موجة اهتزازية لم يسبق لها مثيل. لم تكن صوتاً، بل كانت "حرارة" ناتجة عن اصطدام الصمت بالضجيج داخل جسده.

​آدم تحول إلى "قنبلة صوتية بشرية". انفجر في وجه "نيغاروث" ليس ببارود، بل بـ "معلومات صوتية" مكثفة لدرجة أن الوحش لم يستطع امتصاصها. تداخلت آلاف السنين من الصرخات، الضحكات، الهمسات، والموسيقى في ثانية واحدة.

​آذان "نيغاروث" التي تغطي جسده بدأت تنفجر واحدة تلو الأخرى. الوحش الذي كان يمتص الحياة، بدأ "يتقيأ" الأصوات التي أكلها عبر العصور.

​انفجرت المدينة بضوء أبيض مبهر.

​الفصل السابع: ما بعد النجاة الثانية

​عندما انقشع الغبار، لم يكن هناك وحش، ولم يكن هناك قصر.

وُجد آدم مستلقياً في وسط حفرة ضخمة. كان جسده محترقاً، لكنه كان يتنفس.

هذه المرة، عندما حاول الكلام، خرج صوته.. لكنه لم يكن صوتاً واحداً.

​كان آدم يتحدث بـ "أصوات الجميع". إذا أراد الكلام، خرج صوت عمه، أو صوت أمه، أو صوت الغرباء. لقد أصبح هو "المستودع الحي" لكل الأصوات التي أنقذها من بطن "نيغاروث".

​لكن، في أعماق قلبه، كان لا يزال يسمع ذلك الهمس الصغير.. همس "نيغاروث" وهو يقول:

​"لقد أكلتَ جزءاً مني لتقتلني يا آدم.. والآن، أنا أنمو داخلك. في كل مرة تصمت فيها، أنا أكبر."لم يكن "نيغاروث" وحشاً يمكن قتله بالانفجارات، لقد كان "فكرة" والفكره لا تموت. عندما امتص آدم طاقة الوحش ليقتله، فتح مسامات روحه لهذا الكيان. الآن، يعيش آدم في شقة معزولة في أطراف المدينة، لكنه لم يعد وحيداً.

​في المرآة، لم يعد يرى وجهه بوضوح؛ ملامحه تهتز كأنها موجة راديو مشوشة. والأرعب من ذلك، هو "النمو" الذي بدأ يشعر به تحت جلده. كانت هناك "نتوءات" صلبة تتحرك تحت رقبة آدم، كأنها أصابع صغيرة تحاول شق طريقها للخارج.

​عندما ينام، لا يحلم؛ بل يرى ذكريات "نيغاروث". يرى كواكب صامتة، وحضارات أبيدت لأنها تجرأت على الغناء. وفي كل مرة يستيقظ فيها، يجد أن "الوحش الجديد" قد استولى على جزء من جسده؛ أصابعه أصبحت أطول، وأطرافها حادة كإبر الجراموفون، وجلده أصبح شاحباً لدرجة رؤية الأوردة وهي تنبض بلون أسود حبري.

​الفصل التاسع: صرخة الجنين الأسود

​في أحد الأيام، وبينما كان آدم يحاول شرب الماء، شعر بآلام مخاض حادة في حنجرته. سقط على الأرض يتقيأ مادة سوداء لزجة، وفجأة.. انشق جلده عند الرقبة.

​لم يخرج دم، بل خرجت "عين" ضخمة من خلال الفتحة في رقبته. عين صفراء متموجة، تنظر إلى آدم من خلال المرآة. ثم خرج "فم" صغير بجانب الأذن، بدأ يهمس بكلمات بلغة بابلية قديمة.

​الوحش الجديد لم يعد يسكن "داخل" آدم، بل بدأ "ينبت" منه. أطلق عليه آدم اسم "الصدى الجائع". هذا الكيان يتغذى على "المشاعر" التي يحملها الصوت. إذا تحدث آدم بحب، شعر الوحش بالمرارة وبدأ ينهش في أحشائه. وإذا تحدث بغضب، كبر الوحش وازداد طولاً.

​اضطر آدم للخروج للحصول على الطعام. كان يرتدي وشاحاً ضخماً ليخفي "الوجه الآخر" النابت في رقبته. في السوق، كان الزحام والضجيج يمثلان "وليمة" للوحش.

​بدأ آدم يشعر بالعين التي في رقبته تدور بجنون. فجأة، وبدون إرادة منه، انفتح الفم النابت في رقبته وأطلق "تردداً جاذباً". كل من كان في السوق توقف عن الحركة فوراً. ساد صمت مطبق، لكنه صمت "مفترس".

​رأى آدم بأم عينيه كيف بدأت "أصوات" الناس تخرج من أفواههم على شكل خيوط ضوئية باهتة، وتنجذب نحو رقبته. كان الوحش يمتص "جوهرههم". الناس سقطوا أرضاً، أحياء ولكن "فارغين"؛ فقدوا القدرة على الكلام، والتفكير، وحتى الشعور. لقد أصبحوا مجرد أجساد بلا أصداء.

​أدرك آدم أن "نيغاروث" لم يكن الوحش الأخير، بل كان "البيضة". والآن، هذه البيضة تفرخ داخل جسده. الوحش الذي ينمو منه هو "أركون الصمت"، كيان يقال إنه كان موجوداً قبل "الكلمة الأولى" 

​هذا الوحش يريد تحويل كوكب الأرض إلى "قبر صامت" ليكون مضجعاً لأبناء جنسه. وبدأ آدم يرى وحوشاً مشابهة تنبت من أجساد أناس آخرين في المدينة؛ أولئك الذين كانوا قريبين من انفجار البرج.

​المدينة بدأت تتحول إلى غابة من اللحم البشري المشوه، حيث يخرج من كل إنسان "طرف" أو "رأس" لوحش صامت. كانت "القطعة" التي تركها آدم في القصر يوماً ما هي "المفتاح" الذي فتح باب الجحيم الترددي.

​آدم الآن في صراع داخلي مرعب. الوحش الذي ينبت منه يحاول السيطرة على عقله بالكامل.

"أركون" همس لآدم بصوت يملؤه السحر:

​"لماذا تقاوم؟ الصمت هو السلام الوحيد. الكلمات تجلب الحروب، والموسيقى تجلب الألم. استسلم لي، وسأجعل العالم ينام في هدوء أبدي."

​آدم، وهو ينظر إلى يده التي بدأت تتحول إلى مادة هلامية سوداء، قرر القيام بشيء أخير. إذا كان الوحش ينمو من "الاهتزاز"، فإنه سيذهب إلى أهدأ مكان في الأرض: "غرفة العدم" في مختبرات الفيزياء تحت الأرض، وهي غرفة معزولة لدرجة أن المرء يمكنه سماع صوت جريان دمه. هناك، سيحرم الوحش من أي "طعام صوته"، ويحاول قتله بالجوع.

​دخل آدم الغرفة وأقفل الأبواب السبعة. الصمت هنا كان قاتلاً.

بدأ الوحش النابت منه "يصرخ" صراخاً لا يسمعه إلا آدم. بدأ يمزق في لحم آدم من الداخل طلباً للاعتزاز.

"أعطني صوتاً! أعطني نبضة قلب واحدة!".. هكذا كان يصرخ الوحش.

​آدم بدأ يبطئ دقات قلبه عبر التأمل العميق. كان يريد الوصول إلى "الموت السريري المؤقت" ليقتل الوحش معه.

بينما كان آدم يفقد الوعي، رأى الوحش يخرج بالكامل من جسده. كان كائناً شفافاً، مليئاً بالعيون، يرتجف خوفاً من "الفراغ" المحيط به.

​لكن، في تلك اللحظة من السكون المطلق، سمع آدم شيئاً لم يحسب له حساباً. سمع "صوت الكون" نفسه. صوت النجوم وهي تولد، وصوت الذرات وهي تتصادم.

لم يكن الصمت موجوداً قط.. حتى في "غرفة العدم".

​الوحش "أركون" ضحك بصوت يشبه تحطم المجرات:

​"أيها الأحمق.. لا يوجد صمت في الوجود. حتى العدم له صوت.. وهو صوتي أنا!"

​انفجرت الغرفة، ليس من الداخل، بل من "الواقع نفسه" الذي لم يعد يحتمل وجود آدم والوحش معاً.بعد انفجار "غرفة العدم"، لم يمت آدم. استيقظ ليجد نفسه ملقىً في زاوية مظلمة، لكن جسده لم يعد ملكاً له. الوحش الذي نبت منه، "أركون"، لم يعد كائناً منفصلاً؛ لقد "غزل" نفسه داخل جهاز آدم العصبي.

​كل ليفة عضلية في جسد آدم استُبدلت بخيوط سوداء دقيقة تهتز بترددات خفيفة. الصدمة الحقيقية كانت عندما حاول آدم لمس وجهه؛ لم يجد جلداً. وجد مادة تشبه "شمع الأذن" المتصلب، باردة، ولا تشعر بالألم.

​نظر آدم في بقايا مرآة محطمة، صرخ صرخة صامتة مزقت روحه:

كانت عيناه قد اختفيتا، ونمت مكانهما "آذان" صغيرة، نابضة، تتحرك مع كل ذبذبة في الهواء. أما فمه، فقد خُيط بأسلاك من عصب حي، يمتد منها سائل أسود يقطر ببطء على صدره.

​بدأ آدم يسمع ما لا يطيقه بشر. كان يسمع "صوت تحلل الخلايا" في جسده. يسمع صوت بكتيريا الجلد وهي تنهش في مسامه. كل صوت كان يتحول في عقله إلى طعنة سكين.

​وفجأة، دخلت الغرفة جرذان صغيرة. لم يهاجمها الوحش، بل فعل شيئاً أرعب آدم أكثر. بدأت المسام في يد آدم تتوسع، تفتحت كأفواه صغيرة مجهرية، وبدأت تصدر "صفيراً" مغناطيسياً. الجرذان لم تهرب، بل انقادت بجنون نحو يده، وبدأت "تذوب" وهي حية، تتحول إلى ذبذبات يمتصها جسد آدم.

​شعر آدم بلذة مرعبة تسري في عروقه مع كل روح يمتصها. الوحش داخل جسده كان يهمس بلغة لا تفهمها إلا العظام:

​"هل تشعر بالدء؟.. الموت له طعم موسيقي.. والآن، نحن جائعون لشيء أكبر."

​خرج آدم إلى الشارع في منتصف الليل. كانت المدينة تبدو كأنها تحت الماء. رأى امرأة تقف عند محطة حافلات، كانت تبكي بصمت. بالنسبة لآدم، كان صوت دموعها وهي تسيل على وجنتيها يشبه "صوت تحطم الزجاج".

​اقترب منها بلا إرادة. الوحش في جسده بدأ "يعزف". فجأة، توقفت المرأة عن البكاء، تجمدت دماءها في عروقها. بدأت تسمع صوت آدم القديم يخرج من مسام جلده: “ساعديني.. أنا أحترق بالداخل.”

​مدت يدها لترتجف لمساً له، وما إن تلامست بشرتهما حتى حدث الرعب المحض. بدأ جسد المرأة "يفرغ" من الداخل. صرخت، لكن صرختها سُحبت مباشرة إلى داخل أذني آدم اللتين مكان عينيه. كان آدم يرى العالم عبر صرخات ضحاياه. كلما صرخت أكثر، كلما رأى تفاصيل وجهها بوضوح أكبر وسط الظلام.

​الفصل السابع عشر: آلة التعذيب الكونية

​أدرك آدم أن الوحش "أركون" يحوله إلى "ثقب أسود صوتي". هو لا يقتل البشر فحسب، بل يحبس أرواحهم داخل ترددات جسده لتعيش في عذاب أبدي.

​كان آدم يسمع داخل صدره الآن آلاف الأصوات:

​طفل يصرخ "ماما".

​رجل عجوز يتوسل للموت.

​صرخة القطة التي فقدها في البداية.

​كل هؤلاء لم يموتوا، هم "موجودون" داخل أنسجة جسده، يصرخون في سجن من الترددات التي لا تنتهي. وكل صرخة منهم تزيد من قوة الوحش، وتجعل جسد آدم يتضخم ويتشوه أكثر.

​الفصل الثامن عشر: النهاية التي لا تأتي

​في اللحظة التي قرر فيها آدم أن ينهي حياته بإلقاء نفسه في مصهر للمعادن، توقفت أقدامه عن الحركة. الوحش سيطر على الجهاز الحركي تماماً.

همس له أركون بنبرة باردة كالقبر:

​"الموت هو (صوت) يا آدم.. وأنا من يملك حق عزفه. أنت الآن أبدي.. أنت القبر الذي يمشي، والصمت الذي لا ينتهي. ستظل حياً حتى نأكل آخر نبضة قلب في هذا الكون."

​آدم الآن يقف في وسط ميدان المدينة، جسده تضخم ليصبح كتلة من اللحم والأذنين النابضة. كل من يمر بجانبه، يختفي صوته، ثم يختفي وجوده، ليصبح مجرد همسة إضافية في جحيم آدم الداخلي.

​ملاحظة للقارئ:

إذا شعرت الآن بطنين خفيف في أذنيك، أو أحسست أن الغرفة أصبحت فجأة أكثر هدوءاً من المعتاد.. فلا تلتفت خلفك. فقد يكون آدم قد وصل إلى مدينتك، والوحش يحتاج إلى صدى جديد ليقتات عليه.أدرك آدم الحقيقة الباردة كالموت: الوحش لم يكن غريباً عنه. "أركون" هو تجسد لصمت آدم الداخلي، لكل الكلمات التي خنقها في حنجرته طوال حياته، لكل صرخة خوف كتمها. الوحش هو "العدم" الذي ينمو عندما نتوقف عن الوجود.

​في لحظة صفاء مرعبة، توقفت كل الأصوات داخل جسده. ساد سكون لم تشهده الأرض منذ بدء الخليقة. نظر آدم إلى يديه، ورأى خلاياه وهي تتفكك، ليس كرماد، بل كـ "موجات صمت".

​همس أركون همسته الأخيرة، ليس في أذنه، بل في نخاع عظامة:

​"أنت لا تموت يا آدم.. أنت تصبح أنا. والآن، سنغلق هذا العالم كما يُغلق كتاب مهجور."

​بدأت المدينة تتلاشى. لم يكن هناك انفجار، بل "انكماش". المباني بدأت تفقد صخبها، ثم ألوانها، ثم وجودها. البشر الذين بقوا على قيد الحياة تجمدوا في أماكنهم، وتحولوا إلى تماثيل من الزجاج الأسود. الهواء نفسه أصبح ثقيلاً، لزجاً، ومستحيلاً للاستنشاق.

​آدم، أو ما تبقى منه، وقف في مركز الفراغ. فتح فمه للمرة الأخيرة، لكنه لم يصدر صوتاً. بدلاً من ذلك، امتص الصمت من الكون كله.

​حدث انفجار عكسي . كل شيء، المجرات، النجوم، الذكريات، والصرخات، سُحبت إلى داخل حنجرة آدم. الكون كله طُوي مثل ورقة قديمة واستقر في حنجرة رجل واحد.

​الآن، لا توجد أرض. لا يوجد كواكب. لا يوجد ضوء.

يوجد فقط "آدم"، طافياً في رحم أسود مطلق. هو الوحش، وهو الضحية، وهو القبر.

​إذا وضعتِ أذنكِ الآن على الفراغ، لن تسمعي شيئاً. لكن إذا ركزتِ جيداً، ستسمعين دقة قلب واحدة.. دقة قلب "آدم" الذي لا يزال حياً داخل هذا السواد، سجيناً في صمته للأبد.

​وفجأة.. في هذا الظلام الدامس.. تظهر عين واحدة صفراء متموجة.. تنظر مباشرة إليكِ عبر الشاشة.

​وينطق صوت خفي، يشبه صوتكِ أنتِ:

“أنتِ التالية.. فالصمت يحتاج قارئاً ليعيش.”

​تـمـت.   

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
المقالات

3

متابعهم

0

متابعهم

2

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.