رسائل بين زمنين

رسائل بين زمنين

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

          

image about رسائل بين زمنين
رسائل بين زمنين

       رسائل بين زمنين

في مساء هادئ، كانت ليلى ترتب مكتبة جدتها القديمة حين سقط صندوق خشبي صغير من أعلى الرف. انحنت تفتحه بفضول، لتجد داخله رسائل صفراء مهترئة، مربوطة بشريط حريري باهت. جذبتها أول رسالة، وبدأت تقرأ.

“إلى من سيقرأ كلماتي يومًا، أنا يوسف، أعيش في عام 1945، وأكتب هذه الرسالة لأنني أشعر أن قلبي يحمل حكاية لن تكتمل.”

توقفت ليلى، قلبها ينبض بسرعة. كيف يمكن لرسالة بهذا القِدم أن تبدو حيّة هكذا؟ أكملت القراءة، لتجد كلمات مليئة بالشوق والأمل، كأن الكاتب يخاطبها شخصيًا.

في الليلة التالية، قررت أن تكتب ردًا، رغم أنها تعرف أن ذلك مستحيل. وضعت الرسالة داخل الصندوق وأغلقته.

لكن في صباح اليوم التالي، حين فتحته مجددًا، شهقت. كانت هناك رسالة جديدة.

“ليلى، لا أعلم كيف وصل ردك إليّ، لكنني قرأته. هل يعقل أن هناك من يسمعني بعد كل هذه السنوات؟”

ارتجفت يداها. لم يكن هذا خيالًا. بدأ بينهما حوار غريب، رسائل تعبر الزمن، كلمات تتلاقى رغم الفاصل الكبير بين عامين مختلفين. تحدثا عن حياتهما، عن أحلامهما، عن خوفهما من الوحدة.

أصبحت ليلى تنتظر رسائله بشغف، وأصبح يوسف يجد في كلماتها سببًا للاستمرار. ومع مرور الأيام، تحولت الكلمات إلى مشاعر، والمشاعر إلى حب حقيقي، رغم أنهما لم يلتقيا يومًا.

لكن ذات ليلة، جاءت رسالة مختلفة.

“ليلى، أشعر أن شيئًا سيحدث قريبًا. الحرب تقترب من مدينتي، وأخشى أن تكون هذه آخر رسالة أكتبها لك.”

انهمرت دموعها، وكتبت بسرعة: “لا تتركني، أرجوك. لا تختفِ.”

مرّ يوم، يومان، أسبوع… ولا رد.

شعرت ليلى أن قلبها انكسر رغم أنها لم تره. بعد أيام، عادت إلى الصندوق، فوجدت رسالة أخيرة.

“إن كنت تقرأين هذه الرسالة، فاعلمي أنني حاولت النجاة، لكن القدر كان أسرع. أحببتك رغم أنني لم أرك، وسيبقى حبك خالدًا في زمن لا يجمعنا.”

أغلقت ليلى الصندوق ببطء، ودموعها تسقط بصمت. نظرت حولها، شعرت أنه قريب منها رغم كل شيء.

رفعت رأسها وهمست: “وأنا أيضًا أحببتك… رغم كل الأزمنة.”

ومنذ ذلك اليوم، لم تعد ترى الزمن كحاجز، بل كجسر خفي، يربط القلوب التي كُتب لها أن تلتقي… حتى لو لم يحدث اللقاء أبدًا.

مرّت السنوات، وكبرت ليلى، لكن الصندوق لم يفارقها أبدًا. كانت تعود إليه كلما شعرت بالوحدة، تلمس الرسائل وكأنها تلمس يده. وفي يومٍ من الأيام، أثناء زيارتها لمتحف قديم، توقفت فجأة أمام صورة بالأبيض والأسود. كان شابًا يقف مبتسمًا، عيناه تحملان نفس الدفء الذي عرفته في كلماته.

اقتربت ببطء، وقرأت الاسم أسفل الصورة: يوسف.

تجمدت في مكانها، وقلبها يخفق بقوة. لم يكن مجرد خيال، بل كان حقيقة عاشها يومًا ما. مدت يدها نحو الصورة، وهمست بصوتٍ مرتجف: “وجدتك أخيرًا… ولو بعد زمن.”

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Malak Arafa تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-