حين التقت عيوننا لاول مره

✦✦✦ حين التقت عيوننا لأول مرة ✦✦✦
في مساءٍ هادئ من أمسيات الربيع، كانت المدينة تغرق في ضوءٍ ذهبي ناعم، وكأن الشمس تودّع النهار ببطء لتمنح الناس لحظاتٍ إضافية من الدفء. كانت ليلى تسير على الرصيف بخطواتٍ مترددة، تحمل بين يديها كتابًا اعتادت أن تصطحبه معها كلما شعرت بالحيرة أو الوحدة. لم تكن تعلم أن ذلك المساء سيحمل لها بداية قصة لم تكن تتخيلها يومًا.
توقفت أمام مقهى صغير اعتادت الجلوس فيه من حينٍ لآخر. كان المكان هادئًا، تفوح منه رائحة القهوة الطازجة وصوت موسيقى خافتة يملأ الأجواء بالطمأنينة. جلست على طاولتها المعتادة قرب النافذة، وفتحت كتابها محاولة أن تندمج في القراءة، لكنها شعرت بأن هناك شيئًا مختلفًا في ذلك اليوم، إحساسًا غامضًا لا تعرف سببه.
في اللحظة التي رفعت فيها عينيها عن صفحات الكتاب، التقت نظراتها بنظرات شاب يجلس على الطاولة المقابلة. كان يبتسم ابتسامة خفيفة، وكأنه اعتاد رؤيتها من قبل، رغم أنها متأكدة أنها لم تلتقِ به في حياتها. شعرت بشيءٍ من الارتباك، فأعادت النظر إلى كتابها سريعًا، لكن قلبها بدأ يخفق بطريقة غير مألوفة.
بعد دقائق قليلة، اقترب الشاب منها بخطواتٍ هادئة، وقال بصوتٍ لطيف:
"أعتذر إن كنت أزعجك، لكنني أراك هنا كثيرًا، وكنت أتمنى أن أتعرف عليك."
رفعت ليلى رأسها بتردد، ولاحظت صدقًا غريبًا في عينيه جعلها تشعر بالراحة رغم خجلها. عرّف نفسه باسم عمر، وأخبرها أنه يعمل مهندسًا قريبًا من ذلك المكان، وأنه يمر بالمقهى كل يوم تقريبًا. لم تكن المحادثة طويلة في بدايتها، لكنها كانت كافية لتكسر حاجز الغرابة بينهما.
مرت الأيام، وأصبح لقاؤهما في المقهى عادة جميلة. كانا يتحدثان عن كل شيء: أحلامهما، مخاوفهما، ذكرياتهما الصغيرة، وحتى التفاصيل البسيطة التي قد تبدو عادية لكنها كانت تحمل معنى كبيرًا بينهما. كانت ليلى تشعر أن وجود عمر بجانبها يمنحها طمأنينة لم تعرفها من قبل، وكأن قلبها وجد أخيرًا مكانه الصحيح.
وفي أحد الأيام الممطرة، تأخر عمر عن الموعد المعتاد. جلست ليلى تنتظره وهي تنظر إلى قطرات المطر تتساقط على زجاج النافذة، وشعورٌ خفيف من القلق بدأ يتسلل إلى قلبها. فجأة، فُتح باب المقهى، ودخل عمر مبتسمًا وهو يحمل مظلة صغيرة وباقة من الزهور البيضاء.
اقترب منها ووضع الزهور أمامها قائلاً:
"ربما جاءت صدفة، لكنني لم أعد أؤمن أن لقاءنا كان عابرًا… أشعر أن وجودك في حياتي أصبح ضرورة، لا مجرد عادة."
شعرت ليلى بدفءٍ يغمر قلبها، ولم تستطع منع ابتسامة واسعة من الظهور على وجهها. كانت تلك اللحظة كفيلة بأن تغيّر حياتها، وأن تجعلها تؤمن أن الحب قد يأتي فجأة، دون مقدمات، لكنه حين يأتي يملأ القلب نورًا لا ينطفئ.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد المقهى مجرد مكانٍ عادي بالنسبة لهما، بل أصبح شاهدًا على بداية قصة حب جميلة، قصة بدأت بنظرة، وكبرت بكلمة، وتحولت مع الوقت إلى شعورٍ عميق يجمع بين قلبين وجدا بعضهما في الوقت الذي كانا في أمسّ الحاجة فيه إلى الحب.