قصة عقد وخاتم زواج من نار
قصة عقد وخاتم زواج من نار
دائمًا ما أرى الحياة من وراء حُجُب، فزجاج النوافذ مُغلق بطبيعته الصناعية ومُدرَّع بقضبان حديدية، مما زاد الأمر سوءًا، وكان اللجوء إلى فراشي الأنسب لي، كي لا أرى المحظور وأشتاق إلى لمس العالم الخارجي.
نعم، العالم الذي انتُشلت منه مؤخرًا، كنتُ مُرغمة على خوض المعركة والتعايش مع الواقع المستحيل الذي رسمه لي والدي بيديه؛ يديه الحنونتين اللتين انقلبتا في لمساتها الناعمة إلى يدي شخص ظالم تجرد من معاني وصفات الأبوة، ولم يحترم صغر سني، فلم أكمل عامي الرابع عشر بعد، وألبسني عقدًا وخاتمًا من نار بدل الذهب، وأنهى حياتي عندما وقَّع على وثيقة زواجي من صاحبه التافه الذي لا يملك في قلبه ذرة إنسانية، وكنتُ السلعة المُقايضة ليتخلص من ديونه الكثيرة.
لطالما كنت أظن بأن الزواج رابط مقدس بين الطرفين، وأنه علاقة ودٍّ وحب واحترام وإنسانية، لكنني غيرت رأيي وانقلبت الموازين عندما أصبحت في منزل هذا المختل عقليًّا، الذي أصبحت شغله الشاغل منذ أول لحظة زواج، أقصد منذ أول لحظة دخولي سجنه، وكأنه أعدَّ لي برنامجي اليومي الذي سأعيشه على هواه.
فبعد أن أعدَّ له الفطور، يتزهرم مع الشاي البارد كدمه البارد المتجمد، ويذهب إلى عمله ويُقفل باب المنزل من الخارج ظنًّا منه أنني سأخونه مع غيره كما فعلت طليقته من قبل، ولم يعلم بأنني أكره الخيانة. ورغم أنني قد أُجبرت عليه وأصبح عائقًا في حياتي على حين غفلة، لكنني لن أخونه، ليس من باب الحب، لا والله، فلم أشعر بشيء تجاهه ولا بأي إحساس قد يقودني إلى ذلك يومًا، فأنا دميته فقط. وهو لا يعلم بأن ديني وأخلاقي لا يسمحان لي بذلك، ولن أتجرأ على فعل مثل هذا الأمر، حتى لو دلَّك جسدي بملح البحر الجاف الذي يمزق الجلد، فما كان مني إلا أن أدعو عليه بألا يعود إلى المنزل إلا على خشبة الموتى.
في المنزل غرفة مُقفلة كان ينهاني عن الدخول إليها بحجة أنه يحتفظ بأغراض قيِّمة بالنسبة له في داخلها، لكن حماسي لدخول هذه الغرفة المحظورة كان يدفعني إلى سرقة المفتاح من جيبه وهو نائم لأدخل وأرى أشياءه القيِّمة، ونجحت في ذلك، ولم أجد شيئًا عليه القيمة سوى خزانة كبيرة على شكل مكتبة مصغرة فيها كتب، كنت أنجح في قراءة كتاب كامل كل أسبوع وأحفظه عن ظهر قلب.
قصة عقد وخاتم زواج من نار _ الحيرة والقلق
لمن أشكو سوء حالي وقد خاب ظني بالكثير ممن حولي؟ ولمن أقول إنني ضقت ذرعًا بكل تفاصيل حياتي؟ كانت هذه الكتب تضفي عليَّ بعضًا من الصبر، وأسرح في خيالي وأعد نفسي بأنني في إحدى هذه القصص، البطلة الخارقة التي ستتحرر من الحاكم الشرير الذي حكم عليها بسجن مؤبد.
وذات ليلة حالكة الظلام، ومن كثرة التعب، غرقتُ في نوم عميق. حلمت أن أحدهم يصرخ ويبكي ويتألم بشدة، وانتقل الصراخ إلى الواقع، فصحوتُ فزعة، وعلمت أن الصراخ لم يكن في منامي، بل إن هذا الذي يسمونه زوجي قد تعثر على عتبة الباب وانزلق أرضًا. فاقتربت لأساعده، لكنني لم أستطع بمفردي، فصرخت على الجيران، وأتى بعض الرجال وأسعفوه إلى أقرب مشفى، وتبين أن لديه كسرًا في خرزات ظهره، وسيظل طريح الفراش لشهرين كاملين ريثما يلتئم الكسر ويبدأ بالمشي مجددًا.
كان الخبر صادمًا ومشؤومًا، فأنا لا أطيق وجوده في المنزل ولو للحظات معدودة، لكنني مُرغمة على العناية به. وبدأت أهتم به وأطعمه بيدي وألبي حاجاته، ولم أفعل ذلك لأنه زوجي، بل لأنني عددت نفسي ممرضة تداوي مريضها من باب الإنسانية.
مرت عدة أيام على هذا النحو، وحين أتى وقت الغداء وذهبت لأطعمه بيدي، ألقى الصحن أرضًا وأخذ يقبِّل يديَّ، وطلب مني أن أسامحه على أعماله السيئة التي لا عفو لها ولا غفران. ثم بدأ يحكي لي قصته المؤلمة مع طليقته السابقة، وكيف قدم لها كل شيء من حب واحترام وذهب وأملاك، لكنها خانته مع أقرب أصدقائه، فأصبح أسير الشك والخوف.
واعترف بأنه استغل حاجة أبي للمال، ومدَّه بالأموال وهو يعلم أنه لن يستطيع إرجاعها، ثم طلبني زوجة له بدلًا من ديونه؛ لأنني صغيرة في السن ولا أعلم معنى الخيانة. وأخبرني أن الله عاقبه على ظلمه لي، وطلب مني أن أرحل إن أردت وأن نفسخ عقد الزواج، وأن القرار أصبح بيدي.
قصة عقد وخاتم زواج من نار _ تبدل كبير
هل حقًّا ما أسمع؟ دخلت كلماته كالسهم إلى قلبي، لكنني لم أعلم إن كان السهم من ورد جوري أم من نار. لطالما تمنيت أن أتركه وأخرج من هذا المنزل العفن، لكن شيئًا ما حال بيني وبين ذلك.
دخلت في متاهة، وكانت الكارثة أكبر مما عشته سابقًا، فالقرار بيدي، وبكلمة واحدة مني سيتغير كل شيء. لم أعد أشعر بأنني فتاة في العشرين ستختار نفسها وحياتها الجديدة وتقلب الطاولة على رأس زوجها، بل شعرت كأن امرأة في الأربعين تسكن داخلي، تمنحني الحكمة وتقول لي: اثبتي مكانك، واطلبي حريتك فحسب.
دخلت إليه وهو في فراشه وطالبته بحريتي، فكان رده مفاجئًا؛ إذ وافق على كل ما أريده. وكان أول ما أردت فعله هو زيارة منزل أهلي، فقد اشتقت إليه كثيرًا.
وما إن خرجت من باب المنزل حتى شعرت بأنني أتنفس الحياة من جديد. كنت أنظر إلى كل شيء حولي وكأنني أراه لأول مرة؛ الأشجار، والطرقات، والناس، وحتى الهواء بدا مختلفًا. ست سنوات من السجن كفيلة بأن تجعل الإنسان يشتاق لأبسط تفاصيل الحياة.
وقبل المغيب عدت إليه، وكان أول ما سألني عنه هو إن كنت سعيدة أم لا. أخبرني بأنه اشتاق إليَّ وأنه يحبني كثيرًا، ثم طلب مني دعوة مجموعة من الرجال بأسمائهم. وعندما حضروا، طلب مني التوقيع على بعض الأوراق.
جلست أقرأها بتمعن، فإذا به قد تنازل عن منزله وأراضيه ومحله التجاري، وسجَّلها جميعًا باسمي. نظرت إليه مذهولة، فلم أجد منه إلا عبارة واحدة: "أنتِ تستحقين أكثر".
قصة عقد وخاتم زواج من نار _ الاشتياق المفاجئ
انتهت مدة العلاج، وعاد إلى الوقوف على قدميه، وبدأ يشكرني على بقائي إلى جانبه في أصعب أيامه. شيئًا فشيئًا تغيرت معاملته، ولم يعد ذلك الرجل القاسي الذي عرفته في البداية، بل إنسانًا آخر يحاول إصلاح أخطائه.
وفي يوم خرج إلى عمله بعد أن تعافى، فوجدت نفسي أترقب عودته وأعد الدقائق في غيابه. لم أصدق ما أشعر به، لكنني أدركت أن شيئًا ما قد تغير في داخلي.
وحين عاد إلى المنزل، استقبلته بلهفة لم أعهدها في نفسي من قبل، ومنذ ذلك اليوم بدأت بيننا علاقة مختلفة، قائمة على الاحترام والمودة والتقدير.
ولم يعد العقد والخاتم اللذان لبستهما يومًا من نار، بل أصبحا من ذهب، بعدما تبدلت القسوة رحمة، والظلم ندمًا، والغربة مودة، وكان الصبر بداية الطريق ونهايته.