الفصل الاول

القاهرة لا تنام، خاصة في تلك الساعة المتأخرة من الليل، حيث تتداخل أصوات أواق السيارات مع همسات الشوارع الخلفية الضيقة. في أحد أحياء وسط البلد القديمة، كانت الأجواء مشحونة بصمت يسبق العاصفة.
داخل سيارة ميكروباص متهالكة ركنت على جانب الطريق، كان أدهم يجلس وعيناه كصقر يراقب المدخل الخلفي لفندق مهجور. أدهم، ضابط المخابرات الذي لم تخطئ رصاصته يوماً، والمعروف ببروده القاتل وقدرته على إدارة أصعب العمليات العسكرية دون أن يرف له جفن. كان يرتدي قميصاً أسوداً يبرز عرض كتفيه وعضلات جسده الرياضي الصارم، يضع سماعة أذن دقيقة، ويتابع تحركات رجاله المحيطين بالمكان. الهدف الليلة هو صيد ثمين: شبكة دولية لتهريب الأسلحة والمعلومات.
همس أدهم في لاسلكي بصوت رخيم وهادئ يحمل نبرة الآمر الناهي:
— “الكل يثبت في مكانه.. السـاعة صفر قربت، مش عايز نفس، الدخول هيبقى صامت.. مفهوم؟”
جاءه الرد من رجاله بالتأكيد. التقط أدهم أنفاسه، وعدل من وضع سلاحه المخفي تحت جاكيته، وعيناه تلمعان ببريق غامض وسافر، بريق رجل يعشق الخطر ويثق في سطوته تمام الثقة.
على الجانب الآخر من الشارع، وراء صناديق القمامة الكبيرة، كانت هناك كتلة من الجنون الخالص تتحرك بحذر.
روان.. طالبة السنة النهائية في كلية الشرطة. فتاة بعينين واسعتين يشتعل فيهما عناد يهد الجبال، وشعر غجري متمرد لم تفلح كاب كليتها في ترويضه يوماً. روان لم تكن طالبة عادية، كانت "مجنونة الدفعة" كما يطلقون عليها، لا تعترف بالقواعد إذا كان هناك "حق" يجب أن ينتصر.
كانت روان في طريق عودتها للمنزل عندما لمحت بالصدفة مسجلاً خطراً طالما طاردته قسم الشرطة التي تتدرب فيه، وهو يدخل الفندق المهجور. لم تفكر، لم تتصل بمديريتها، ولم تنتظر الدعم. كل ما دار في عقلها المجنون هو: "أنا هجيب الواد ده الليلة واثبت لكلية الشرطة كلها إني بـ100 راجل".
تسحبت روان بخفة ورشاقة، مرتدية بنطالاً جينزاً ضيقاً وسترة جلدية سوداء، وممسكة بمسدسها التدريبي. تسللت من نافذة خلفية مكسورة للفندق، متجاهلة تماماً الهدوء المريب للمكان.
داخل الفندق، كانت الصفقة على وشك الانهيار بسبب توتر المهربين. أدهم كان قد تسلل بالفعل إلى الممر الرئيسي المؤدي للغرفة، يتحرك كظل أسود لا صوت له، ورجاله يطوقون المخرج.
وضع أدهم يده على مقبض الباب، مستعداً لافتراسه صيده.. وفجأة!
طرااااخ!
صوت تحطم زجاج قوي خلفه، تلاه صوت حذاء يركض بقوة، وصوت أنثوي يصرخ بأعلى صوت:
— “اثبت مكانك يا مجرم منك له! الشرطة محاصرة المكان!”
أدهم تجمد في مكانه لكسر من الثانية، وعيناه اتسعتا بصدمة ذهول لم يختبرها في حياته المهنية قط. التفت ليرى فتاة متهورة تقفز من وسط الغبار، ممسكة بمسدسها وتوجهه نحو المهربين بملامح حادة وعنيدة بشكل يثير الجنون.
المهربون لم ينتظروا؛ أطلقوا النار عشوائياً وبدأت الفوضى.
— "يخرب بيت الجنان!" زأر أدهم بصوت هادر كالرعد. وبحركة سريعة غريزية، اندفع نحو روان، وجذبها من خصرها بقوة هائلة، ليرتطم جسدها الرشيق بصدره الصلب كالجدار، وهبط بها إلى الأرض خلف مقعد خشبي قديم بينما الرصاص يمر فوق رؤوسهم.
وقعت روان فوقه، وشعرت فجأة بأنفاس ساخنة تلفح وجهها، ورائحة عطر رجولي حاد وقوي تغلغلت في حواسها. نظرت لتبصر عينين سوداوين يشع منهما غضب جارف لو كان يقتل لماتت في توها.
حاولت روان التملص والتحرك بعناد وهي تصرخ:
— “أنت مين؟ سيبني أقبض عليهم! أنت بتبوظ شغلي!”
أدهم شدد من قبضته على خصرها، مقرباً إياها إليه أكثر لدرجة شعرت بها بدقات قلبه العنيفة، وهمس فـوق أذنها بنبرة فحيح مرعبة ومستفزة في آن واحد:
— “شغلك؟ شغل إيه يا شاطرة؟ أنتِ بوظتي عملية مخابرات بقالنا 6 شهور بنرتبلها! اثبتي بدل ما أخلص عليكي أنا قبل الرصاص!”
روان تملكتها الصدمة لكن عنادها لم يمت:
— “مخابرات؟ أنا ضابطة شرطة ومش هثبت!”
— "ضابطة؟ ده أنتِ لسه عيلة بريالة!" قالها أدهم بسخرية لاذعة وهو يلتف بها ليصبح هو فوقها يحميها بظهره، ثم أخرج سلاحه وبثلاث رصاصات دقيقة واحترافية شل حركة المهربين الذين حاولوا الهرب، بينما تولى رجاله الذين اقتحموا المكان البقية.
انتهت المعركة في دقائق. ساد الصمت الفندق مجدداً، لكن ممر الفندق كان يشتعل بنوع آخر من النيران.
نهض أدهم ببطء، ونفض الغبار عن قميصه الأسود بكبرياء طاغٍ، ثم التفت لروان التي كانت تقف وتعدل سـترتها الجلدية بعناد، ووجهها محمراً من الغضب والإحراج.
وقف أدهم أمامها، مستغلاً فارق الطول الشاسع بينهما، وحاصرها بجسده الضخم وهو ينظر إليها من الأعلى لأسفل بنظرة فاحصة، حادة، وبها لمحة من الجرأة المستفزة التي جعلت دقات قلب روان تضطرب دون إرادتها.
— "الاسم إيه يا شاطرة؟" سألها أدهم وصوته أصبح منخفضاً، رخيماً، ويحمل نبرة تهديد مغلفة بجاذبية غريبة.
رفعت روان رأسها، وعيناها تحدق في عينيه بتحدٍ وعناد مجنون:
— “الملازم تحت التدريب روان عبد الرحمن! ومش شاطرة.. اسمي روان!”
ابتسم أدهم ابتسامة جانبية باردة وسافرة، اقترب خطوة إضافية حتى كاد صدره يلامس وجهها، وانحنى قليلاً ليصبح بمستوى عينيها وقال بنبرة بطيئة مستفزة:
— “روان.. المجنونة اللي دخلت عرين الأسد برجليها. أنتِ متعرفيش أنا مين يا روان.. بس هتعرفي. الجنان ده عقابه عندي هيبقى شديد أوي.. أوي.”
شعرت روان برعشة خفية سرت في جسدها من أثر نظراته الجريئة التي تفحصت ملامح وجهها بدقة ووقفت عند شفتيها لثانية، لكنها جزت على أسنانها وقالت:
— “أعلى ما في خيلك اركبه.. أنا مفيش حد يعاقبني!”
توسعت ابتسامة أدهم الخبيثة، وتراجع خطوة للخلف وهو يشير لرجاله:
— “هنشوف.. خدوها على العربيات، وحاتولي ملفها بالكامل من الكلية قبل ما النهار يطلع.”
نظرت إليه روان بغيظ قاتل وهي تُقاد للخارج، مقسمة في سرها أنها لن تسمح لهذا المغرور السافر بأن يكسر كلمتها، بينما وقف أدهم يراقب جسدها المبتعد وعيناه تلمعان ببريق غريب.. لقد دخلت هذه المجنونة رأسه، وقرر من هذه اللحظة أنه لن يتركها حتى تتروض بين يديه.