رسالة لم تصل أبدًا

رسالة لم تصل أبدًا

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات


رسالة لم تصل أبدًا

في إحدى أمسيات الشتاء الباردة، كانت “مريم” تجلس وحدها داخل القطار المتجه إلى الإسكندرية، تنظر من النافذة بصمت بينما تتساقط قطرات المطر على الزجاج. كانت تحاول الهروب من ذكريات مؤلمة تركتها علاقة فاشلة جعلتها تفقد الثقة في الجميع. لم تكن تعلم أن تلك الرحلة ستغير حياتها بالكامل.

جلس أمامها شاب هادئ يحمل كتابًا صغيرًا وكوب قهوة دافئ. كان اسمه “آسر”، شابًا يحب العزلة والهدوء بعد سنوات طويلة قضاها في العمل والسفر. لاحظ حزن مريم الواضح، لكنه لم يحاول التدخل في البداية. وبعد دقائق من الصمت، اهتز القطار فجأة فسقط الكتاب من يده بالقرب منها.

انحنت مريم والتقطت الكتاب ثم قالت بابتسامة خفيفة:
“يبدو أن القطار لا يحب القراءة.”

ضحك آسر لأول مرة منذ فترة طويلة وقال:
“أو ربما يريد أن يفتح حديثًا بين غرباء.”

بدأتimage about رسالة لم تصل أبدًا بينهما محادثة بسيطة، لكنها تحولت سريعًا إلى ساعات طويلة من الكلام عن الأحلام والخوف والماضي. شعرت مريم براحة غريبة معه، وكأنها تعرفه منذ سنوات، بينما وجد آسر في عينيها شيئًا أعاد إليه الإحساس بالحياة.

بعد انتهاء الرحلة، تبادلا أرقام الهواتف، ومنذ ذلك اليوم أصبحت الرسائل بينهما لا تتوقف. كانا يتحدثان حتى ساعات الفجر عن كل شيء؛ عن الطفولة، والأحلام، والموسيقى، وحتى الأشياء الصغيرة التي لا يهتم بها أحد. ومع مرور الوقت تحول الإعجاب إلى حب حقيقي وصادق.

وفي أحد الأيام قرر آسر أن يفاجئ مريم، فدعاها إلى المكان الذي التقيا فيه أول مرة. كان المطر يتساقط بهدوء كما حدث في تلك الليلة القديمة، وعندما وصلت وجدته يحمل رسالة صغيرة داخل ظرف أبيض.

قال لها بصوت مرتجف:
“هذه أول مرة أشعر أن الحياة أعطتني شيئًا جميلًا دون مقابل.”

فتحت مريم الرسالة، فوجدت بداخلها كلمات جعلت دموعها تنزل دون أن تشعر:
“أحببتك بالطريقة التي يعود بها الضوء إلى مدينة انطفأت منذ زمن.”

لكن السعادة لم تدم طويلًا. ففي اليوم التالي تلقى آسر عرض عمل خارج البلاد لمدة سنوات، وكانت تلك الفرصة هي حلم حياته الذي انتظره طويلًا. وقف حائرًا بين مستقبله وبين قلبه الذي تعلق بمريم.

حاولت مريم إخفاء حزنها وقالت له:
“لا أريد أن أكون السبب في ضياع حلمك.”

سافر آسر بعد أيام قليلة، ووعدها أن يعود سريعًا. في البداية كانت المكالمات والرسائل مستمرة كل يوم، لكن ضغط العمل والمسافات بدأ يسرق الوقت منهما شيئًا فشيئًا. أصبحت الرسائل أقل، والمحادثات أقصر، حتى تحولت العلاقة إلى صمت مؤلم.

وفي ليلة هادئة، قررت مريم أن تكتب رسالة أخيرة تخبره فيها بكل ما تشعر به، وكيف أنها ما زالت تنتظره رغم الغياب. لكنها لم ترسل الرسالة أبدًا، واكتفت بوضعها داخل صندوق صغير احتفظت به لسنوات.

بعد ثلاث سنوات عاد آسر إلى مصر، وكانت أول خطوة له أن يذهب لرؤية مريم. لكنه اكتشف أنها انتقلت من منزلها منذ فترة طويلة. شعر وقتها أن الحياة تعاقبه لأنه تأخر كثيرًا.

وبينما كان يسير حزينًا في أحد الشوارع القديمة، لمح فتاة تقف أمام مكتبة صغيرة تقرأ كتابًا. كانت مريم.

توقف الزمن للحظة، والتقت أعينهما من جديد. اقترب منها ببطء وقال:
“يبدو أن القدر يمنحنا فرصة ثانية.”

ابتسمت مريم والدموع تلمع في عينيها، ثم أخرجت الرسالة القديمة من حقيبتها وقالت:
“هذه الرسالة كان يجب أن تصلك منذ سنوات.”

أخذها آسر بيد مرتجفة، وعندما فتحها وجد في نهايتها جملة قصيرة:

“الحب الحقيقي لا يموت مهما أبعدته المسافات.”


 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Ahmed Tamer Omer تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-