عبد الناصر يؤمم القناة: اللحظة التي تحدت فيها مصر بريطانيا وفرنسا وإسرائيل معاً

عبد الناصر يؤمم القناة: اللحظة التي تحدت فيها مصر بريطانيا وفرنسا وإسرائيل معاً

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

عبد الناصر يؤمم القناة: اللحظة التي تحدت فيها مصر بريطانيا وفرنسا وإسرائيل معاً

image about عبد الناصر يؤمم القناة: اللحظة التي تحدت فيها مصر بريطانيا وفرنسا وإسرائيل معاً

النبذة المختصرة
خطاب واحد في الإسكندرية أعلن تأميم شركة القناة الأجنبية، فتحالفت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل عسكرياً لاستعادتها بالقوة، لكن الضغط الأمريكي السوفييتي المشترك أجبرهم على الانسحاب، محولاً هزيمة عسكرية مصرية إلى انتصار سياسي كاسح لعبد الناصر.

سد يحتاج تمويلاً وغرب يتردد

بعد توليه السلطة الفعلية الكاملة، تبنى جمال عبد الناصر مشروعاً تنموياً طموحاً وضخماً: بناء السد العالي في أسوان لتنظيم فيضان النيل وتوليد الطاقة الكهربائية وتوسيع الرقعة الزراعية المصرية بشكل جذري وشامل. سعى عبد الناصر في البداية للحصول على تمويل غربي لهذا المشروع الضخم، خاصة من البنك الدولي والولايات المتحدة وبريطانيا، لكن هذه المفاوضات تعثرت وتوترت تدريجياً، خاصة بعد توجه عبد الناصر لشراء أسلحة سوفييتية عبر تشيكوسلوفاكيا واعترافه الدبلوماسي بالصين الشيوعية، مما أثار قلقاً غربياً متصاعداً من ميوله السياسية غير المنحازة بشكل واضح لأي من طرفي الحرب الباردة. في يوليو عام 1956، سحبت الولايات المتحدة وبريطانيا فجأة عرضهما بتمويل السد، في قرار سياسي غاضب رد عليه عبد الناصر بخطوة دراماتيكية غير متوقعة تماماً.

خطاب الإسكندرية: كلمة سرية تعني التأميم

في السادس والعشرين من يوليو عام 1956، وأمام حشد جماهيري ضخم في ميدان المنشية بالإسكندرية، ألقى عبد الناصر خطاباً مطولاً ومؤثراً أعلن خلاله قراره التاريخي بتأميم شركة قناة السويس العالمية، التي كانت لا تزال مملوكة بشكل رئيسي لبريطانيا وفرنسا منذ حفرها قبل أكثر من ثمانين عاماً. استخدم عبد الناصر في خطابه كلمة سرية متفق عليها مسبقاً مع فرق عسكرية مصرية جاهزة، هي اسم المهندس الفرنسي "فرديناند دي ليسبس" نفسه، مؤسس شركة القناة الأصلي، كإشارة رمزية ومباشرة لبدء عملية الاستيلاء الفوري على منشآت القناة من قبل القوات المصرية، في لحظة درامية ومحسوبة بدقة أعلنت للعالم بأسره أن مصر تسترد سيادتها الكاملة على هذا الممر المائي الاستراتيجي الحيوي، معلناً أن عائدات القناة ستُستخدم مباشرة لتمويل بناء السد العالي بدلاً من التمويل الغربي المرفوض.

تحالف ثلاثي سري يخطط للعدوان العسكري

أثار قرار التأميم غضباً بريطانياً وفرنسياً شديداً، إذ اعتبرت الدولتان الأوروبيتان هذا القرار المصري خطوة عدائية مباشرة تهدد مصالحهما الاستراتيجية الحيوية في القناة، بينما كانت إسرائيل من جانبها تبحث عن ذريعة مناسبة لتوجيه ضربة عسكرية استباقية ضد مصر، القوة العربية الأكبر والأكثر تهديداً لأمنها الاستراتيجي في المنطقة. في اجتماعات سرية عُقدت في مدينة سيفر الفرنسية أواخر أكتوبر عام 1956، اتفقت الدول الثلاث على خطة عسكرية منسقة سرية: تهاجم إسرائيل سيناء أولاً، ثم تتدخل بريطانيا وفرنسا مباشرة تحت ذريعة "فصل" الطرفين المتحاربين وحماية القناة الدولية، بينما كانت الخطة الحقيقية غير المعلنة تهدف لإسقاط عبد الناصر نفسه واستعادة السيطرة الأجنبية الكاملة على القناة المؤممة حديثاً.

هزيمة عسكرية سريعة أمام القوات المتحالفة

نفذت إسرائيل هجومها العسكري على سيناء في التاسع والعشرين من أكتوبر عام 1956، محققة تقدماً عسكرياً سريعاً وحاسماً أمام القوات المصرية المتمركزة هناك، تلتها بريطانيا وفرنسا بقصف جوي مكثف للمواقع المصرية، ثم إنزال قوات برية مباشرة قرب منطقة القناة بداية نوفمبر. واجهت مصر هزيمة عسكرية سريعة وواضحة على الأرض أمام هذا التحالف الثلاثي القوي والمتفوق تقنياً وعسكرياً، لكن عبد الناصر اتخذ قراراً استراتيجياً ذكياً بإغراق سفن قديمة في قناة السويس نفسها لإغلاقها بالكامل أمام الملاحة الدولية، محولاً بذلك الهزيمة العسكرية المباشرة إلى أزمة اقتصادية واستراتيجية عالمية أوسع نطاقاً أثرت مباشرة على التجارة الدولية بأكملها، ومحولاً الأنظار العالمية بشكل حاد نحو ضرورة إيجاد حل دبلوماسي عاجل لهذه الأزمة المتصاعدة.

ضغط أمريكي سوفييتي مشترك ونادر يجبر الانسحاب

في تطور دبلوماسي دولي مفاجئ وغير متوقع تماماً، وجدت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، رغم عدائهما المتبادل الشديد في ذروة الحرب الباردة، مصلحة مشتركة نادرة في إدانة العدوان الثلاثي والضغط بشدة من أجل انسحاب فوري لقوات بريطانيا وفرنسا وإسرائيل من الأراضي المصرية. هدد الاتحاد السوفييتي علناً بتدخل عسكري مباشر لصالح مصر، بينما مارست الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس أيزنهاور، ضغطاً اقتصادياً ومالياً هائلاً وحاسماً على بريطانيا تحديداً، مهددة بسحب الدعم المالي الأمريكي الحيوي للجنيه الإسترليني المتراجع أصلاً، مما أجبر بريطانيا على التراجع السريع والمفاجئ عن موقفها العسكري، تلتها فرنسا وإسرائيل بانسحاب تدريجي كامل من الأراضي المصرية المحتلة بحلول أوائل عام 1957، تحت إشراف قوات حفظ سلام دولية تابعة للأمم المتحدة نُشرت لأول مرة في تاريخها بهذا الشكل الفاعل والمباشر.

هزيمة عسكرية تتحول إلى انتصار سياسي كاسح

رغم الهزيمة العسكرية الميدانية الواضحة والسريعة التي تلقتها مصر على الأرض مباشرة، فإن النتيجة السياسية النهائية لأزمة السويس كانت انتصاراً كاسحاً وغير متوقع لعبد الناصر شخصياً ولمصر بشكل عام، إذ نجح في الاحتفاظ الكامل بسيادته على القناة المؤممة، وأجبر قوى استعمارية أوروبية عريقة على الانسحاب المذل تحت ضغط دولي مباشر، في لحظة رمزية عميقة الدلالة أعلنت للعالم بأسره نهاية فعلية للنفوذ الاستعماري الأوروبي المباشر التقليدي في الشرق الأوسط. حوّلت هذه الأزمة عبد الناصر فورياً إلى بطل قومي عربي أسطوري، ليس فقط داخل مصر نفسها، بل عبر العالم العربي بأكمله، مرسخة صورته كزعيم قادر على تحدي القوى الاستعمارية الكبرى والانتصار عليها سياسياً، ومهيئة الأرضية الشعبية والسياسية لمشروعه القومي العربي الأوسع نطاقاً الذي سيقوده خلال السنوات التالية مباشرة نحو تجربة الوحدة مع سوريا وتأسيس الجمهورية العربية المتحدة.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
محمود ثابت Pro تقييم 4.97 من 5.
المقالات

620

متابعهم

780

متابعهم

3687

مقالات مشابة
-