الضباط الأحرار: الليلة التي أنهت عرشاً عمره مئة وخمسون عاماً في ساعات قليلة

الضباط الأحرار: الليلة التي أنهت عرشاً عمره مئة وخمسون عاماً في ساعات قليلة

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

الضباط الأحرار: الليلة التي أنهت عرشاً عمره مئة وخمسون عاماً في ساعات قليلة

image about الضباط الأحرار: الليلة التي أنهت عرشاً عمره مئة وخمسون عاماً في ساعات قليلة

النبذة المختصرة
في ليلة صيفية واحدة، تحرك ضباط شبان بلا سفك دماء يُذكر، أطاحوا بملك ورثته سلالة محمد علي منذ قرن ونصف، وأنهوا آخر أثر مباشر للاحتلال البريطاني، ليبدأوا مصر فصلاً جمهورياً جديداً كلياً لم تعرفه من قبل في تاريخها الحديث.

ملكية تفقد شرعيتها تدريجياً

بحلول أوائل خمسينيات القرن العشرين، كانت الملكية المصرية التي أسسها محمد علي قبل قرن ونصف قد فقدت الكثير من شرعيتها الشعبية، تحت وطأة عوامل متراكمة عديدة، أبرزها استمرار الوجود العسكري البريطاني الفعلي رغم استقلال 1922 الشكلي، وفساد إداري ومالي متصاعد داخل بلاط الملك فاروق نفسه، وهزيمة عسكرية مذلة ومهينة في حرب فلسطين عام 1948 كشفت بوضوح صادم حجم الفساد وسوء التسليح داخل الجيش المصري، الذي أُرسل للقتال بأسلحة فاسدة ومعطلة في فضيحة سياسية واقتصادية كبرى هزت الرأي العام المصري بعمق. تصاعد أيضاً حريق القاهرة الشهير في يناير عام 1952، الذي دمّر أجزاء واسعة من وسط المدينة في ظروف غامضة لم تُحدد أسبابها الحقيقية بدقة كاملة حتى اليوم، تاركاً انطباعاً عاماً بانهيار كامل للنظام والأمن الداخلي في البلاد.

تنظيم سري يتشكل داخل الجيش نفسه

في خضم هذا المناخ السياسي المضطرب، كان قد تشكل داخل الجيش المصري منذ سنوات سابقة تنظيم سري يضم مجموعة من الضباط الشبان الطموحين والوطنيين، عُرف لاحقاً باسم "الضباط الأحرار"، بقيادة فعلية غير معلنة رسمياً للمقدم جمال عبد الناصر، الذي كان قد اكتسب خبرة عسكرية وسياسية مباشرة خلال مشاركته في حرب فلسطين، حيث شهد بنفسه أزمة الأسلحة الفاسدة وحصار الفالوجة الشهير. ضم هذا التنظيم ضباطاً آخرين سيصبحون لاحقاً شخصيات بارزة في تاريخ مصر الحديث، من بينهم أنور السادات وعبد الحكيم عامر، وتوافق أعضاؤه على اختيار اللواء محمد نجيب، الضابط الأقدم رتبة والأكثر شعبية علنياً، ليكون الواجهة الرسمية الظاهرة للحركة، بينما ظل التخطيط الفعلي والقيادة الحقيقية بيد عبد الناصر ومجموعته المقربة من الضباط الشبان.

ليلة 23 يوليو: تحرك سريع ومحكم بلا دماء تذكر

في ليلة الثالث والعشرين من يوليو عام 1952، تحرك الضباط الأحرار بخطة عسكرية محكمة ومنظمة بدقة، سيطروا خلالها بسرعة وكفاءة على المواقع الاستراتيجية الحيوية في القاهرة، من القيادة العامة للجيش إلى محطات الإذاعة الرسمية، معتقلين كبار القادة العسكريين الموالين للملك دون مقاومة تُذكر أو إراقة دماء واسعة النطاق، في عملية عسكرية سريعة ومنظمة أثارت إعجاب المراقبين بحرفيتها التنفيذية العالية. أذاع أنور السادات في الصباح التالي بياناً رسمياً باسم الجيش المصري، معلناً استيلاء "الجيش" على زمام الأمور بهدف إنهاء الفساد المتفشي وتطهير البلاد، دون الإشارة المباشرة الصريحة بعد إلى مصير الملك فاروق نفسه أو نوايا الحركة السياسية الحقيقية بعيدة المدى تجاه مستقبل نظام الحكم بأكمله.

فاروق يغادر على متن يخته الملكي

في خطوة سياسية محسوبة بعناية لتجنب تعقيدات دولية محتملة، لم يُقدم الضباط الأحرار على إعدام الملك فاروق أو محاكمته فوراً، بل أجبروه على التنازل رسمياً عن العرش لصالح ابنه الرضيع أحمد فؤاد الثاني، ومنحوه مهلة قصيرة لمغادرة البلاد بشكل كريم نسبياً على متن يخته الملكي الفخم "المحروسة" من ميناء الإسكندرية في السادس والعشرين من يوليو، متوجهاً إلى منفى دائم في إيطاليا حيث سيقضي بقية حياته بعيداً عن مصر نهائياً. أنهت هذه اللحظة الرمزية المؤثرة فعلياً حكم سلالة محمد علي التي استمرت منذ عام 1805، رغم استمرار الشكل الملكي الاسمي لبضعة أشهر إضافية فقط تحت حكم الطفل الرضيع، قبل أن يُعلن رسمياً إلغاء النظام الملكي بأكمله وقيام الجمهورية المصرية في يونيو عام 1953.

إصلاح زراعي يهز أركان الإقطاع التقليدي

من أولى الخطوات الثورية الجذرية التي اتخذها الضباط الأحرار بعد استيلائهم على السلطة كان قانون الإصلاح الزراعي الصادر في سبتمبر عام 1952، الذي فرض حداً أقصى صارماً لملكية الأراضي الزراعية الفردية، مصادراً الفائض من كبار الملاك الإقطاعيين التقليديين الذين هيمنوا على الاقتصاد الريفي المصري لعقود طويلة، وموزعاً هذه الأراضي المصادرة على صغار الفلاحين المعدمين والمزارعين المستأجرين الفقراء. مثّل هذا القانون ضربة اقتصادية واجتماعية جذرية وحاسمة لطبقة كبار الملاك التقليديين المرتبطين تاريخياً بالنظام الملكي السابق ونفوذه السياسي، ورسالة واضحة ومباشرة بأن الثورة الجديدة تنوي فعلياً إعادة هيكلة البنية الاجتماعية والاقتصادية المصرية بأكملها، لا الاكتفاء بمجرد تغيير الوجوه في قمة السلطة السياسية فقط دون مساس حقيقي بالهياكل الاجتماعية العميقة.

صراع داخلي يحسم القيادة النهائية لعبد الناصر

رغم النجاح الأولي المشترك للثورة، سرعان ما ظهرت خلافات سياسية وأيديولوجية عميقة بين اللواء محمد نجيب، الواجهة الرسمية الأولى للثورة والأكثر شعبية شخصياً في البداية بحكم رتبته العسكرية العليا وصورته الأبوية المحببة شعبياً، وبين جمال عبد الناصر والمجموعة الفعلية المسيطرة من الضباط الأحرار، حول طبيعة النظام السياسي المستقبلي ومدى سرعة العودة إلى الحياة النيابية والدستورية التعددية. انتهى هذا الصراع الداخلي المحتدم لصالح عبد الناصر بحلول عام 1954، حين أُجبر نجيب على التنحي نهائياً عن السلطة ووُضع لاحقاً تحت إقامة جبرية طويلة الأمد، ليتولى عبد الناصر رسمياً منصب رئيس الجمهورية بنفسه عام 1956، مؤسساً بذلك حقبة سياسية جديدة كلياً ستشهد خلال العقود التالية تحولات جذرية وعميقة في مسار مصر السياسي والاجتماعي والاقتصادي، من تأميم قناة السويس إلى حروب متعددة مع إسرائيل، في فصل جديد كلياً من تاريخ مصر الحديث سيحمل بصمة عبد الناصر الشخصية بوضوح لا لبس فيه لسنوات طويلة قادمة.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
محمود ثابت Pro تقييم 4.97 من 5.
المقالات

619

متابعهم

775

متابعهم

3684

مقالات مشابة
-