اسمى درجات الحب
القصة يرويها الحفيد
صحيت من النوم وأمي بتعيط بصوت عالي وكان في ضجة في البيت فقومت مخضوض فلاقتيها بتقولي “ البس هدومك بسرعة عشان جدتك ماتت ”
مكنتش عارف استوعب الصدمة، بس الموقف كان يستدعي السرعة، لبست وحاولت أهدِّي أمي، وبعدين روحنا لبيت جدي كان موجود ناس كتير معرفهاش وخصوصًا الأطفال!
استغربت عدد الأطفال دي كلها والعجيب إنهم واقفين بهدوء وبطريقة منظمة فجالي فضول اسألهم “ أنتو مين؟ ”
لاقيت إن كل طفل ليه حكاية مع جدتي، فيه منهم اللي كانت بتحفظ مـعاه قرآن وقـت فراغها، وغيره اللـي كانت بتاخده معاها كل مكان، واللي كانت بتعمله أكلة بيحبها ومامته مش بتعرف تطبخها.

الأطفال كانوا قاعدين يستغفروا ليها وبس بناءًا على تأكيدها عليهم بالطلب ده دايمًا.
جهزنا للدفنة والغريب إننا لاقينا جوا القبر ورد صغير طالع!
قولت أكيد كل ده من علامات حُسن الختام وكل الناس بقت تترحم عليها بشكل هوِّن على قلوبنا كلنا.
روَّحنا البيت وكل واحد قعد يفتكرها بحاجة حلوة، وفيه اللي كان بيعيط واللي كان قاعد مكسور إلا جدي هو اللي كان بيحاول يضحكنا وبصراحة استغربناه لإنه كان بيحبها جدًا وكلنا كنا خايفين عليه من اليوم ده من شدة تعلقه بيها.
بعدين سابنا ودخل أوضته وحبيت أدخل وراه عشان كنت حاسس إنه من جواه مش كويس.
اثمن االذكريات
لاقيته فاتح صندوق فيه فلوس فضة وورق ملون!
فقولتله بتعجب “ إيه ده ياجدي؟ ”
رد وقالي “ ده الكنز الحقيقي ”
فبصيتله وقولتله “ بس دول شوية فضة! ”
اتنهد تنهيدة طويلة وقالي " شوفت بقى هما ملهمش قيمة في نظرك إزاي؟ بس دول كل حياتي " وبعدين مسك ورقة وفتحها فلاقيت مكتوب فيها “ انت مخاصمني عشان الأكل طلع مالح؟ طيب والله أنا محليَّة حياتك ”
بصراحة الكلام كان مكسَّر عشان هي كانت خارجة من ٦ ابتدائي بس فهمته، وبعدين مسك ورقة لونها أبيض مكتوب فيها " أنت نسيت عيد ميلادي بس مش مهم ما أنت هديتي الأجمل من كل الهدايا "
فابتسم وقال “ أهو بسبب الورقة دي روحت كتبت كل ما أملك باسمها حتى المحل، هي مكانتش بتحملني هم حاجة ومبتزعلش لما أقصر في حقها بل بالعكس كانت شايفاني كتير عليها، عشان كدا شوفت كل الدنيا قليل عليها ”
أنا كنت بعاملها على قد اللي هي بتدهولي في بداية جوازنا بس هي عشان ست حكيمة فهمتني إن الدنيا مش كدا.
الدنيا مش ماشية بالتساوي، وانا فاكر كويس جدًا اليوم اللي ضربتها فيه بالقلم، كانت نست الغاز مفتوح ونامت وانا مش خوفي عليها ضربتها وقولتلها بعصبية “ انتي ست مهملة مبتعرفيش أنا بعمل إيه عشانك؟ ”
فحطت ايديها على خدها ومسكت ايدي باستها وقالت:
" أنت أكيد عملت كدا عشان كنت خايف عليا لكن تصرفك كان غلط وطريقتك كمان خانتك في التعبير والله، بص يا أبو سامية مفيش حاجة بينا اسمها أنا بعمل عشانك كذا وكان لازم تعملي عشاني كذا .. اللي بيحب بيدي بدون مقابل حتى النهاردة سمعت قصة من يوسف ابن الأستاذة أميرة وهو بيقولي إن في سورة في القرآن اسمها الأعراف وإن الأعراف ده مكان بين الجنَّة والنار وبيُقال إن بيقف فيه الناس اللي تساوت حسناتهم مع سيئاتهم، التساوي حلو بس مش في الخير والحب، لإن الاتنين دول لازم نعملهم بزيادة، ممكن لما تعذرني حبك يزيد درجة، وممكن لما أشوفك بتعذرني حبي يزيد درجة أكبر وكذلك لازم نعمل خير لما نقف على الأعراف حسناتنا متتساويش مع سيئاتنا، في حاجات بسيطة بناخد عليها ثواب، نضحك في وش الناس، ونجبر بخاطر الأطفال والمساكين، كل ده بيزوّد الحسنات، وفي الحقيقة أنا كدا كدا حاسة ربنا هيدخلني الجنَّة عشان رزقني بيك وبرضاك " ♥
وبعدين عينه لمعت بالدموع بس حاول يكتمها، وفضل يقرأ لي رسايلها لحد ما وصل لرسالة كانت كتباله فيها “ حاول تراضيني وبلاش تنيمني زعلانة، عشان أكيد هيجي يوم وممكن مصحاش من النوم ”
وساعتها انفجر في العياط زي الطفل وبعدين حضني وقعد يشهق بتعب ويقول “ والله ما لاقي ليها أي حاجة وحشة ولا أي رسالة هي غلطانة فيها، عارف الفضة دي إيه؟ ”
بصيتله وقولتله “ إيه؟ ”
- كنت بديها كل يوم ٥ جينه زيادة عن مصروف البيت عشان تشتري بيها حاجة بتحبها بس هي كانت بتشيلها وبتحوشها للصدقة وتيجي آخر الشهر تشتري حاجة حلوة للأطفال حتى لو معهاش فلوس، بس المرة دي كنت بديها كل يوم جنيه واحد عشان ظروفي بقت على قدي.
- كل ده جدتي كانت بتعمله ياجدي؟
جدتك كانت كتلة رحمة على الأرض.
فبصيتله وقولتله " طب متزعلش وحاول تهوَّن على نفسك " وبعدين خدت الصندوق اللي فيه الفلوس الفضة وحطيناه على باب مسجد وكتبنا عليه صدقة لروح المرحومة فلانة، ولإن الناس كانت بتحبها كنا بنيجي آخر الشهر نلاقي فلوس كتير جدًا فكنا بنروح نكفل بيها يتيم أو نساعد شاب أو نعالج مريض.
وفي يوم لاقيت جدي قعد على الأرض وقعد يعيط بصوت عالي ويقول “ انتي أكيد فرحانة يازهرة صح؟ ”
فقعدت جنبه وقولتله " مش كدا ياجدي والله هي حاسة بيك وفرحانة وبكره كلنا هنروحلها في الجنة " ♥.
فلاقيته ضحك وقالي " ده جنتي هتزيد جنَّة والله يابني ".
وبعد سنة بالظبط كان بيموت ولما روحت أشوفه كان بيبص للسقف ويضحك.
فبقوله بتضحك على إيه ياجدي؟
قالي والنور مالي وشه:
" مش مصدق إن في جنتين عند ربنا ليا واحدة هسكنها وواحدة هتجوزها "
وختاما
وقتها عرفت إن " الحبيب غاوي حتى في الجنة